Reading Time: 4 minutes

ربما تعرف أغنية الأطفال الشهيرة «بيبي شارك» أو «الطفل القرش». فأغلب الناس والأطفال يعرفون هذه الأغنية بطريقة ما، لكن العلماء لا يعرفون سوى القليل جداً عن أين ومتى تلد أسماك القرش، حيث ما تزال سلوكيات أسماك القرش المتعلّقة بمكان ووقت الولادة لغزاً كبيراً يحير العلماء.

تقطع العديد من أسماك القرش الشهيرة -مثل القرش الأبيض الكبير والقرش المطرقة، والقرش الأزرق وقرش النمر-؛ مئات وآلاف الكيلومترات عبر المحيطات سنوياً. ونظراً لأن نطاق تحركها كبير جداً؛ أصبحت سلوكيات القرش -بما فيها السلوكيات الإنجاب- سراً لم تُعرف تفاصيله حتّى الآن. في الواقع؛ بذل العلماء جهوداً كبيرة لمعرفة مكان وعدد المرّات التي تتزاوج فيها أسماك القرش، بالإضافة لطول فترة حملها وغير ذلك من تفاصيل عملية الولادة لديها.

يقول الكاتب أنّه طالب دكتوراة، ويدرس بيئة وتكاثر أسماك القرش، وهو عضو في فريق من الباحثين الذين يأملون بالعثور على إجابةٍ عن سؤالين مهمين؛ أين ومتى تلد أسماك القرش؟

الحاجة إلى الابتكار

حتى وقت قريب، لم تكن التكنولوجيا اللازمة للإجابة على هذه الأسئلة موجودة، لكن «جيمس سوليكوفسكي»، عالم الأحياء البحرية والأستاذ في جامعة ولاية أريزونا قام بغيير ذلك. فقد طوّر أجهزة تعقب بالأقمار الصناعية وأطلق عليها اسم «بيرث تاج» أو «متعقب الولادة»، وذلك بمساعدة شركة التكنولوجيا «لوتيك وايرليس». يعمل فريقنا باستخدام جهاز التعقب الجديد على تحديد مكان وزمان ولادة أسماك القرش، وإثبات إمكانية استخدام هذه الطريقة وجدواها بالنسبة لأنواع أسماك القرش الأخرى.

يتخذ جهاز التعقب الصغير شكل البيضة، ويتم زرعه في رحم سمكة القرش الحامل، حيث يظل خامداً ومخفياً بين أجنّة أسماك القرش طوال فترة الحمل. في الواقع هذه هي المرة الأولى التي تُستخدم فيها هذه الطريقة في التعقب على أسماك القرش، بينما اُستخدمت -لعقود من الزمن وبنجاحٍ كبير- أجهزة تعقب مشابهة على الثدييات الأرضية -مثل الغزلان- لمعرفة مواقع ولادتها. عندما تلد أنثى القرش التي تحمل جهاز التعقب، يُطرد الجهاز خارج الرحم ويطفو على سطح البحر/ المحيط. وبمجرّد أن يستشعر الهواء الجاف، يبدأ في بث إشارة إلى القمر الصناعي الذي يعيد بثها مرة أخرى إلى المختبر. وبمجرّد تحميل هذه البيانات، نعلم أين ومتى ولدت سمكة القرش.

بعد سنوات من الضبط الدقيق لهذه التقنية الجديدة، أطلقنا المرحلة الأولى من الدراسة في ديسمبر/ كانون الأول عام 2019، وبدأنا في نشر أجهزة التعقّب. وبعد أن حصلنا على الموافقة على الدراسة من مؤسسات رعاية الحيوانات من جامعة أريزونا وميامي، بالإضافة إلى موافقة حكومة جزر البهاما؛ بدأنا بالبحث عن بعض أسماك القرش النمر. لذلك سافر فريقنا البحثي من مختبر سوليكوفسكي للحفاظ على القرش والأسماك. كما سافر عالم الأحياء البحرية «نيل هامرشلاج» من برنامج أبحاث أسماك القرش والحفاظ عليها في جامعة ميامي إلى مياه «تايجر بيتش» الصافية؛ قبالة جزيرة «جراند بهاما» لزرع أجهزة التعقّب في أسماك القرش النمر.

وجهاً لوجه مع أسماك القرش المفترسة

تُعد مياه «تايجر بيتش» نقطة مهمّة لإناث القرش في العديد من مراحل حياتها المختلفة، حتى الإناث الكبيرة الحوامل. قد تتجمع أسماك القرش الحوامل في المياه الدافئة والهادئة في تايجر بيتش للعيش فيها، وتسريع مرحلة الحمل.

وجود عدد كبير من إناث القرش الحامل في هذه المنطقة الصغيرة؛ يجعل العثور على واحدة منها سهلاً جداً، ولكن في الواقع اصطياد قرش بطول 3 أمتار، ورفعها إلى القارب ليس بالمهمة السهلة. نصطاد أسماك القرش باستخدام حبال خاصة كي لا نؤذيها، ويمكن أن تستغرق العملية عدة ساعاتٍ للإمساك بهذه المخلوقات القوية بأمان، وجذبها بجوار القارب.

بمجرد أن نلتقط قرش النمر، نأخذ أولاً بعض القياسات لطولها وعرضها للحصول على فكرة عامة عن صحتها، ومعرفة ما إذا كانت ناضجة جنسياً أم لا. ثم نبحث عن علامات العض، وهي دليل على أنها قد تزاوجت حديثاً.

بعد أن نجمع المعلومات الأساسية، نقوم بقلبها على الجهة الأخرى لحثّها على الدخول في حالة تشبه الغيبوبة تسمى «الموت الظاهري». وهذا منعكس طبيعي يوجد لدى العديد من أسماك القرش، حيث تؤدي إلى حالة من توقف النشاط البدني. تحافظ هذه الحالة على سمك القرش القوي هادئاً ومستقراً أثناء العمل، وهو الجزء الذي أقوم به بدوري في التحقّق من وجود الحمل لديها.

أحدهم ينتظر مولوداً

مثلما تُستخدم الموجات الصوتية على البشر في أجهزة الكشف عن الحمل، نستخدم هنا جهاز الموجات فوق الصوتية المحمول للتحق من حمل أنثى القرش. أقوم بارتداء زوجٍ من النظارات التي تسمح لي برؤية ما تكشف عنه الموجات الصوتية، ثمّ أضع المسبار على بطن القرش المقلوب. عادة ما تكون الصورة ضبابية في البداية، حيث تتدفق المياه فوق القرش وحوله على القارب، بينما يقوم الفريق بالإمساك بالقرش، وأمرر المسبار على طول بطنها. إذا كانت حاملاً، يظهر شي ساحر على الشاشة.

تظهر أمام عيني قروش النمر صغيرة متلألئة، ما يصل إلى 40 منها معبأة بإحكام داخل رحم أمها. وتظهر الصورة أيضاً على شاشة يحملها عضو آخر في الفريق على متن القارب. عند هذه المرحلة؛ نسمع هتاف الجميع أثناء إلقاء نظرة خاطفة على العالم السري لأسماك القرش التي لم تولد بعد. نسترق النظر إليها مذهولين، بينما تقوم بضخّ السوائل عبر خياشيمها التي ما زالت في طور النمو، وتغمرنا سعادة كبيرة لا تعادلها أية سعادة أخرى في هذا العالم. بعد أن نحصل على بيانات كافية حول حجم النسل التقريبي -والذي يعطينا فكرة عن مرحلة الحمل-؛ يحين الوقت لوضع جهاز التعقب داخل رحم الأم.

يقوم بهذه المهمّة الدكتور سوليكوفسكي لأنني -يتحدث الكاتب- أمسك بمسبار الأمواج الصوتية لإظهار الأعضاء الداخلية أثناء هذه العملية. يستخدم سوليكوفسكي قضيباً مصمماً خصيصاً لإدخال الجهاز بعناية في الرحم من خلال فتحة الجهاز البولي التناسلي. لم يكن هناك حاجة لتدخل جراحي، ولا تستغرق عملية زرع جهاز التعقب سوى بضع دقائق. بمجرّد أن ننتهي، نقوم بقلب القرش إلى وضعه الطبيعي لإيقاظها وإعادتها إلى المحيط مجدداً. يغمرني الأمل وأنا أشاهدها تسبح برشاقة عائدة إلى المحيط لمواصلة حملها ومعها جهاز التعقّب بين صغارها الذين لم يولدوا بعد.

حلّ اللغز

في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قمنا بزراعة أول أجهزة تعقّب على 3 من أسماك قرش النمر الحامل. يعتقد أن فترة الحمل لدى هذه القروش تتراوح من 12 إلى 16 شهراً، لكن ليس لدى الباحثين سوى القليل من البيانات عن هذا الأمر. ونظراً لأن القروش الموسومة قد تزاوجت حديثاً، أو كانت في منتصف الحمل تقريباً؛ فإننا سنحصل على بيانات إضافية من هذه الدراسة تُفيد في تقدير طول فترة الحمل بشكلٍ أفضل لدى هذه الأسماك.

بالرغم من أن عملنا يقتصر على منطقة جزر البهاما (ملاذ آمن لأسماك القرش حيث يُعتبر صيدها غير قانوني)، إلا أن أسماك القرش تنتقل على مسافات أبعد كثيراً خارج هذه المنطقة. وبالتالي من المحتمل أن تقضي أسماك القرش الموسومة وقتاً طويلاً بعيداً عن منطقة الجزر في المياه غير المحمية، حيث سيكون عليها التنقل بعناية لتجنب الوقوع في شباك الصيادين ومعدّاتهم. يصنّف الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة أسماك القرش النمر على أنها أنواع مهددة بالانقراض قريباً، حيث تتناقص أعدادها في الوقت الحالي. البيانات التي سنجمعها في هذه الجولة الأولى من زرع أجهزة التعقّب ستزودنا -وصانعي السياسات- بمعلوماتٍ يمكن أن توجه عمليات الحماية المستقبلية لهذا النوع.

ننتظر حاليًا تلقي إشعار من نظامنا عبر الإنترنت «أجروس»، والذي سينبهنا إلى أن أحد أسماك القرش قد أنجبت. عندما يحدث ذلك، سنكون أول من يعلم أين ومتى تلد أسماك القرش في العالم، وفي الوقت الفعلي تقريباً.

في الواقع، العديد من أنواع أسماك القرش مهددة بالانقراض، وفهم دورة تكاثرها هو مفتاح الحفاظ الفعال عليها، حيث تعد حيوانات مهمة من الناحية البيئية. نحن على وشك تحقيق إنجاز كبير في الكشف عن هذه المعلومات عن طريق استخدام أجهزة التعقّب في القرش النمر، ونأمل في إثبات أنه يمكن تطبيق هذه الطريقة على العديد من الأنواع الأخرى.

نخطط للقيام بالمزيد من المهمات المماثلة في المستقبل، ولكن في الوقت الحالي، ربما علينا الاستمرار بترديد أغنية «بيبي شارك» أثناء انتظار أول إشارةٍ عن الحياة الغامضة لهذه المخلوقات المذهلة.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن