Image

انبعاثات سلبية لإحداث تغيير إيجابي

Bread assortment أطفال اليوم سيكونون الأكثر معاناة إذا لم نتحرك لوقف التغير المناخي.
حقوق الصورة: بيكسيلز

نادراً ما ينظر إلى الأشياء السلبية على أنها إيجابية، ولكن دراسة جديدة نشرت في مجلة “إيرث سيستيم ديناميكس” تقول إن الانبعاثات السلبية قد تكون أملنا الوحيد.

وجاء في الدراسة -التي قادها جيمس هانسين الذي يطلق عليه اسم “أبي الوعي بالتغير المناخي”، بمشاركة باحثين من جميع أنحاء العالم- أنه لا يكفي تقليص انبعاثات غازات الدفيئة. وإذا أردنا أن نتجنب إرهاق الصغار بأسوأ آثار التغير المناخي، والفاتورة الباهظة للتغير المناخي البالغة 576 تريليون دولار، فإن علينا أن نُخرج بعض غازات الدفيئة خارج الغلاف الجوي.

ويعتقد أن غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون هي القوة الدافعة وراء تغير المناخ الذي يصنعه الإنسان. فعندما نحرق الوقود الأحفوري مثل الفحم، على سبيل المثال، نرسل هذه الانبعاثات إلى الغلاف الجوي، حيث تساهم في حجز حرارة الشمس، ما يؤدي إلى جميع أنواع ذوبان الجليد وتغيرات أنماط الطقس. ويتفق علماء المناخ على أنه يجب علينا خفض هذه الانبعاثات بأسرع ما يمكن لتجنب أسوأ النتائج المحتملة. وأشار أحد التقارير الأخيرة إلى أن أمامنا ثلاث سنوات فقط لوضع أحكام خفض الانبعاثات قبل فوات الأوان.

ولكن هذه الدراسة ترى أن عدم ترك المشكلة تتفاقم لا يكفي، على الرغم من أن علينا أن نبذل قصارى جهدنا في ذلك. وتشير الدراسة إلى أنه يجب وضع خطة لخفض غازات الدفيئة في الغلاف الجوي من مستواها الحالي البالغ 400 جزء لكل مليون إلى 350 جزء لكل مليون، وذلك من أجل مستقبل الأجيال القادمة.

ويقدر الباحثون أنه إذا بدأنا خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في عام 2021 بمعدل ستة في المائة سنوياً، فإننا بحاجة أيضاً للتخلص من 150 جيجا طن (150 مليار طن) من الغلاف الجوي بحلول عام 2100، أي ما يعادل كتلة كل ما أنتج من النفط منذ عام 1850 مرة ونصف. ويمكن التخلص من ثلثي الكربون من خلال ممارسات زراعية وحرجية أفضل.

وقد توصل هانسين وزملاؤه إلى استنتاجات ترتكز في جزء منها إلى المعلومات الجيولوجية المتعلقة بالعصر الإيمياني. وقد كان العصر الإيمياني مرحلة دافئة تقع بين عصرين جليديين، وانتهى قبل 115 ألف سنة تقريباً. أما العصر الذي نعيش فيه (الهولوسيني) فقد بدأ قبل حوالي 11700 سنة، وهو أكثر برودة من العصر الإيمياني. ويرى الباحثون أن المشكلة تكمن في أن الأهداف التي حددتها اتفاقية باريس للمناخ -والتي ستحافظ على الأرض عند درجة حرارة أقل من درجتين مئويتين زائدتين عن درجات الحرارة التي كانت سائدة قبل الثورة الصناعية- ما تزال تتسبب في مناخ متغير. فعند مستوى درجتين مئويتين أعلى من مستويات ما قبل الثورة الصناعية، فإننا سنعيش مع مناخ يبدو أقرب للعصر الإيمياني منه إلى العصر الهولوسيني.

وقد انتقد البعض تشبيه الوضع الحالي بالعصر الإيمياني، لأن هناك بعض الاختلافات بين الطقس في ذلك العصر والطقس الحالي. ويعترف هانسين أن كل فترة بين جليدية (المدة بين الفترات الجليدية) تختلف عن الأخرى، ولذلك فإن من المهم أن ننظر لكل منها بشكل مستقل.

يقول هانسين في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى مجلة بوبيولار ساينس- العلوم للعموم: “نعم، يبدو أن تغير مستوى سطح البحر قد تعقد، ليصل اليوم إلى عدة أمتار أعلى مما كان عليه معظم فترة العصر الإيمياني، بينما وصل في الفترة بين الجليدية إلى 6-9 أمتار أعلى مما هو عليه اليوم. ولكن وضع الأرض في ظروف درجة حرارة أعلى بدرجتين مئويتين مما كانت عليه قبل الثورة الصناعية هو وضع خطير بالتأكيد”.

وفي دراسة تعود إلى عام 2015 نشرت في مجلة العلوم، قارن باحثون من جامعة فلوريدا بقيادة أندريا دوتون مستوى الاحترار الحالي بفترات سابقة عندما كانت الأرض دافئة فقط. وكانت النتائج غير مريحة. ففي كل فترة من تلك الفترات كان ارتفاع مستوى سطح البحر يبلغ ستة أمتار على الأقل. وتمتلك الوكالة الوطنية للمحيط والغلاف الجوي راسم خرائط يمكننا من رؤية ما الذي سيحدث للولايات المتحدة الأميركية ضمن حالات متعددة من ارتفاع مستوى سطح البحر الذي وصل إلى حد أقصى 1.8 متر.

يظهر مستعرض الإدارة الوطنية للمحيط والغلاف الجوي بلوغ ارتفاع سطح البحر أعلى مستوى له ليصل إلى 180 سنتيمتراً. ويقدر هانسين وآخرون بلوغ ارتفاع مستوى سطح البحر ستة أمتار إذا لم نتخلص من انبعاثات الكربون من الغلاف الجوي.
حقوق الصورة: الإدارة الوطنية للمحيط والغلاف الجوي

وقد تم تطوير هذه الورقة، جزئياً، باعتبارها المسوّغ العلمي لقضية أمانة أطفالنا (جوليانا وآخرون ضد الولايات المتحدة) والتي كان فيها هانسين هو المدعي ضد الحكومة الاتحادية. وتجادل الدعوى التي أطلقها 21 من المدعين الشباب في عام 2015، في أنه وبسبب عدم التحرك حيال التغير المناخي، فإن الحكومة الاتحادية فشلت في تأمين ثقة الجماهير. وقد نظم القانون الأمريكي مثل هذه القضايا عام 1892 من قبل المحكمة العليا الأميركية في دعوى سابقة رفعها عمال السكك الحديدية في ولاية إلينوي ضد حكومة الولاية. وقد أكد القرار على واجب الدولة في منع إضعاف الثقة التي تتكون من “الأرض والمياه والموارد والامتيازات”.

إن البحث المقدم في التقرير ليس فتحاً علمياً جديداً بالضرورة. فعلماء المناخ يعلمون بالفعل أن الأرض ترتفع حرارتها بمعدل ينذر بالخطر، وأنه إذا لم يتم اتخاذ إجراء سريع، فإن النتائج ستكون كارثية. ولكن ما يميز هذه الدراسة هو أنها تقوم بتوليف المعلومات بطريقة يمكن فهمها بسهولة من قبل غير العلماء.

ويصل حجم هذه الدراسة الحديثة جداً إلى 40 صفحة كبيرة، وهي تشكل عملياً كتاباً كاملاً في زمن يمكن ألا تتجاوز فيه الدراسات البحثية العلمية قدر ثلاث صفحات، وعادة ما تكون مكونة من 15 صفحة كحد أقصى.

ويعود طول هذه الدراسة إلى أنها تكرس جزءاً كبيراً منها لشرح المعلومات. وهي توضح كيف تشير بيانات الحرارة إلى الاحترارالعالمي. كما أنها تتكلم بالتفصيل عن حلقات ردود الأفعال. وبخلاف معظم الدراسات العلمية التي تتطلب مستوى معيناً من المعرفة في هذا المجال، فإن بإمكانك أن تقرأ هذه الدراسة دون تحضير مسبق لتحصل على فهم عميق للتغير المناخي. وقد استخدمت فيها المعلومات لإظهار أن التغير المناخي حقيقي من جهة، ويسببه السلوك البشري من جهة أخرى.

وفي وقت سابق من هذا العام، صرح سكوت بروت مدير وكالة حماية البيئة بأنه: “تشير بيانات الأقمار الصناعية على مدى العقدين الماضيين بأن مستوى الاحترار المناخي لا يتغير”، وذلك في رد على ما جاء في دراسة قام بها باحثون من مخبر لورنس ليفرمور الوطني، ومعهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا، وجامعة سياتل، حيث قامت بتحليل  بيانات الأقمار الصناعية المتوفرة للتأكيد على أنه وبغض النظر عما قد يدعيه بروت، فإنه لا يوجد دليل علمي على أن درجات الحرارة تقف عند مستوى معين.

قد يقول البعض إن دخول علماء المناخ في الفضاء الجماهيري الواسع هو علامة على تنامي تسييس العلم. بينما قد يجادل آخرون في أنه دليل على أن المعلومات قد نمت بشكل حاسم جداً، وأن العواقب وخيمة جداً لدرجة أن الباحثين يشعرون بشكل متزايد بأنهم مضطرون للتحدث. ولا يغير أي من الموقفين من حقيقة أن الإدارة الوطنية للمحيط والغلاف الجوي قد أصدرت معلوماتها المناخية بشكل مبكر في يوليو 2017. حيث كانت الأشهر الستة الأولى من 2017 الأشد حرارة منذ بدأ حفظ السجلات قبل أكثر من قرن من الزمن. بينما ذهب المركز الأول -كما نعلم- إلى عام 2016.

لقد أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى أن تتوحد جهود البشر لكبح انبعاثات غازات الدفيئة.

error: Content is protected !!