Reading Time: 4 minutes

جاء فيروس كورونا الذي أدى إلى الجائحة الحالية على الأرجح من الخفافيش، ويبدو أن إحدى هذه الثدييات الطائرة كان على اتصال وثيق مع شخصٍ ما، فنقلت الفيروس إليه، أو ربما أصابت حيواناً آخر نقل بدوره العدوى إلى البشر. لكن هذه ليست المرة الأولى أو الأخيرة التي ينتقل فيها أحد الأمراض من الحيوانات إلى البشر. يقدر مركز السيطرة على الأمراض أن 6 من أصل 10 أمراض جديدة تصيب البشر تنشأ في الحيوانات، ومن بين الأمراض الخطيرة تلك، والتي تثير القلق في الولايات المتحدة الفيروسات التاجية، وغرب النيل وداء الكلب ولايم، بالإضافة للفيروسات التي تُدعى «الفيروسات حيوانية المنشأ» التي تتضمن فيروس ميرس وسارس و«إتش وان إن وان»، وفيروس الإيدز.

بالنظر إلى الاحتكاك المتزايد بين البشر والحيوانات الناتج عن تنامي التجارة بالحيوانات البرية وإزالة الغابات، فإن فرصة انتقال الفيروسات من الحيوانات إلى البشر ستصبح أعلى بلا شك. يقول «أندرو دوبسون»، عالم بيئة الأمراض المعدية في جامعة برينستون: «نعلم أن هناك فيروسات أخرى يمكن أن تنتقل إلى البشر، والطريقة الأفضل لتجنب ذلك وحدوث جائحةٍ جديدة هي إيقاف مسار انتقالها، والاستعداد جيداً لاحتمال انتقالها إلينا».

نشر دوبسون وفريق متعدد التخصصات يضم علماء أحياء واقتصاديين وعلماء الأوبئة وثيقة سياسات توجيهية في دورية «ساينس»؛ توضح الحاجة الملحّة إلى الاستعداد لاحتمال انتقال أي من الميكروبات الخطرة الموجودة في الحياة البرية. تشير هذه الوثيقة إلى أن فائدة الاستثمار في الحفاظ على الحياة البرية وتنظيمها لن تقتصر على تجنّب مسببات الأمراض وحسب، بل ستوفر تكلفة التعامل مع الأوبئة والتي تُعد أكبر بكثير.

تصيب الأمراض حيوانية المنشأ الناس خلال الاتصال الوثيق بالحياة البرية، وقد تلعب الماشية أحياناً دور المضيف الوسيط. وتزيد إزالة الغابات هذا الخطر أكثر؛ فعندما نقيم المزيد من الطرق والمستوطنات في الغابات، فإننا نقلل أيضاً من موائل الحياة البرية، مما يجعل فرصة التفاعل بين الحيوانات والبشر أكبر. في الواقع، ترتبط نصف الأمراض الحيوانية المنشأ بإزالة الغابات، والإيبولا ليس سوى أحد هذه الأمثلة.

كما تشجّع التجارة المعتمدة على الحياة البرية التي تشمل الحصول على الأغذية والأدوية من الحيوانات الغريبة؛ على ظهور أمراضٍ جديدة. حيث يتم اصطياد عدد كبير من الحيوانات، وتُنقل من بلدٍ إلى آخر دون خضوعها لأي فحوصات صحية، وتبقى في ظروف غير صحية كجزء من صناعة تقدر عوائدها بمليارات الدولارات. وبالرغم من أن تناول لحوم الحيوانات البرية هو جزءٌ من ثقافة بعض الشعوب، يقول دوبسون أن الكثير منها مرتبط أيضاً بالرغبة في تناول الطعام الفاخر. كما تساهم تربية الحيوانات الأليفة المنتشرة بشكلٍ واسع بانتشار الأمراض الحيوانية أيضاً.

مع تفاقم الجائحة الحالية، أعد الفريق تحليلاً اقتصادياً لمعرفة التكلفة المحتملة لوقف الأمراض حيوانية المنشأ من مصدرها. وقام الباحثون، باستخدام خبراتهم والمعلومات الحالية عن السياسات الرامية إلى التصدي لإزالة الغابات والاتجار بالأحياء البرية، بتقدير تكلفة درء الأوبئة المحتملة على مستوى العالم، وقارنوها بالخسائر المحتملة الناجمة عن وباء كورونا.

غابات الأمازون

غابات الأمازون 2018 – حقوق الصورة: ألكسندر جيرست/ فليكر

وإجمالا، فإن منع حدوث جوائح في المستقبل من خلال الحماية الإستراتيجية للغابات، وتنظيم تجارة الأحياء البرية سيكلف ما بين 22 و 31 بليون دولاراً في السنة. قد تبدو هذه الأرقام كبيرة، ولكنها قليلة جداً مقارنة بتكلفة مكافحة تفشي أي مرضٍ عالمي. يقول الباحثون أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن جائحة كورونا عام 2020 ستبلغ 5 تريليونات (1000 مليار) دولار على الأقل، بينما ستبلغ الخسائر الكلية المتوقعة ما بين 8 و15 تريليون دولار، بما فيها القيمة الناجمة عن الخسائر البشرية. لذلك ليس من المبالغة القول أن بالمقارنة، فإن تكلفة تدابير الوقاية التي حددها مؤلفو التقرير بسيطة جداً. تقول «إيمي أندو»، مؤلفة مشاركة في الدراسة وخبيرة في الاقتصاد البيئي في جامعة إلينوي: «ربما ستساعد نتائج التقرير صانعي السياسة والمشرعين في الحصول على رؤيةٍ أوضح لمقارنة التكلفة».

كما تشير «كريستينا فاوست»، عالمة بيئة الأمراض المعدية غير المشاركة في الدراسة، إلى أهمية إزالة العوائق أمام إجراء البحوث في البلدان التي نشأت فيها الجائحة. تقول في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني: «نحتاج إلى القيام بعمل أفضل لتعزيز البحوث الجارية في البلدان المتضررة، والمساعدة في أن تعود هذه الأبحاث المهمة بفائدةٍ اقتصادية أكبر. وتضيف: «الحد من إزالة الغابات وتجارة الحيوانات البرية من شأنه أن يقلل مخاطر الأمراض الناشئة الجديدة بشكلٍ كبير، وإذا شارك أصحاب المصالح في جميع مراحل العملية، يمكن أن يكون لها فوائد إضافية أكبر تتجاوز تلك التي تعود على الصحة العالمية».

ينبغي بذل الجهود الوقائية على جميع المستويات. قد تكون الخطوة الأولى هي زيادة تمويل الاتفاقية الدولية بشأن الأنواع المهددة بالانقراض من الحيوانات والنباتات، وهي معاهدة لتنظيم التجارة المعتمدة على الحياة البرية. يقول دوبسون: «تعاني تلك اتفاقية من نقصٍ كبير في التمويل. لذلك فإن دعم تطبيقها وتوفير المزيد من الخبرات المتخصصة بمراقبة الصحة ومسببات الأمراض في الأنواع البرية التي يتم الاتجار بها؛ هي أهم خطوة يمكن البدء فيها».

كما يقترح دوبسون تمويل «مكتبات وراثية» موسعة للفيروسات الجديدة. يمكن للباحثين المشاركين في مراقبة صحة الحيوانات البرية الاحتفاظ بعيناتٍ من الحمض النووي للعوامل الممرضة، مما يسمح لنا بالوصول بسرعة إلى الأدوات اللازمة لتطوير الاختبارات واللقاحات في حالة انتقال أي من هذه الممرضات إلى البشر.

للمساعدة في تقليل المخاطر المتعلقة بإزالة الغابات، يمكن لعلماء البيئة استهداف المناطق التي تعيش فيها الأنواع عالية الخطورة -بما في ذلك الخفافيش والقوارض والرئيسيات وآكل النمل الحرشفي- والتي تعيش بالقرب من البشر، ويمكن لصانعي السياسات استهداف جهود الحفظ في تلك المناطق. هناك سياساتٍ كثيرة يمكن اتباعها للقيام بذلك، مثل تعويض المزارعين والخشّابين (قاطعو الأشجار) عن الدخل المفقود نتيجة إيقاف أنشطتهم، وكذلك تنظيم الغابات، وتقسيم المناطق لتجنب إرباك النظم البيئية في المناطق التي يُحتمل أن تأوي الميكروبات الضارة.

ويضيف أندو أن هناك عدداً من الفوائد الجانبية لتجنب إزالة الغابات. فعندما أخذ الباحثون الفائدة الناجمة عن حجز الكربون عن طريق التوقف عن قطع الأشجار، انخفضت تكلفة منع الأوبئة بمقدار 4 مليارات دولار سنوياً. كما يمكن لإجراءات الوقاية من الأوبئة أيضاً أن تخلق وظائف جديدة في مجال حفظ الأنواع، والبحث، والطب البيطري.

في الواقع، لا تختلف مشكلة الأوبئة عن مشكلة التغير المناخي. لقد تجنبنا اتخاذ إجراءات الوقاية من الأوبئة هذه حتى الآن لأننا «نميل إلى التركيز على المشكلة التي تواجهنا مباشرة»؛ كما يقول أندو. ربما -كما يأمل الباحثون- يؤدي إظهار التكلفة الهائلة التي يمكننا تجنبها إلى إقناع صانعي القرارات بالفوائد بعيدة المدى التي توفرها إجراءات منع الأوبئة، وحماية الطبيعة عموماً.