Reading Time: 3 minutes

يُعدّ الإفراط في استخدام المضادات الحيوية، هو السبب الرئيسي لظهور البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. تُعتبر هذه البكتيريا حالياً أحد أكبر الأخطار التي تهدد الصحة العالمية. فهي تجعل علاج العديد من الأمراض -الالتهاب الرئوي، والسّل، والسيلان- صعباً أكثر، بالإضافة إلى تسبّبها فعلياً في ما يقدر بـ 700 ألف وفاة سنوياً. ومن المتوقع أن تتسبب الأمراض التي يمكن الوقاية منها حالياً في وفاة 10 ملايين شخص بحلول عام 2050، ما لم يتوصل العلماء إلى طريقةٍ تمنع البكتيريا من تطوير مقاومتها للمضادات الحيوية.

ويُعد تغيير جينوم البكتيريا إحدى الطرق التي تُطور من خلالها مُقاوَمةً للمضادات الحيوية. إذ يمكنها على سبيل المثال إفراز بعض المواد التي تبعد البكتيريا عنها أو تقتلها، ويمكنها أيضاً أن تتوقف عن النمو والانقسام، مما يُصعّب على الجهاز المناعي اكتشافها.

لقد ركّزت دراستنا على البحث في الطرق الأخرى غير المعروفة التي تتبعها البكتيريا لمقاومة المضادات الحيوية. وقد تبين لنا من خلال البحث أن البكتيريا تُغيّر شكلها في جسم الإنسان لتتجنب استهداف المضادات الحيوية لها. وهي عمليةٌ لا تتطلب أية تعديلاتٍ وراثية على جينوم البكتيريا لتستمر في النمو والانقسام.

إن جميع أنواع البكتيريا تقريباً محاطةٌ بهيكلٍ خارجي يُسمَّى «جدار الخلية»، وهو يشبه سترةً سميكةً تحميها من الظروف البيئية المحيطة بها، ويمنع الخلية من الانفجار، ويُعطي البكتيريا شكلها المنتظم (كروية أو عصوية)؛ مما يساعدها على الانقسام بكفاءة.

ولا تملك خلايا الجسم البشري مثل هذا الجدار الخلوي؛ لذلك يتعرف جهاز المناعة لدينا بسهولةٍ على البكتيريا الدخيلة، ويحددها بوصفها عدواً؛ لأن جدارها الخلوي مختلف تماماً. الآلية التي تتبعها أفضل المضادات الحيوية التي نستخدمها؛ كالبنسلين، لتمييز البكتيريا الضارة من الخلايا البشرية؛ هي وجود هذا الجدار الخلوي. بعبارةٍ أخرى؛ تقتل المضادات الحيوية البكتيريا دون إلحاق الأذى بنا.

وبغض النظر عما ذكرناه آنفاً، تستطيع البكتيريا البقاء على قيد الحياة في بعض الأحيان دون جدارها الخلوي. فإن كانت الظروف المحيطة قادرةً على حماية خلية البكتيريا من التلف والانفجار، فستغير شكلها إلى شكل آخر يُدعى «L-forms»، ويعني باختصار «بكتيريا بدون جدار خلوي». اكتشف هذه السلالات البكتيرية التي لا تمتلك جداراً خلوياً أول مرة؛ عالمة الأحياء الدقيقة الألمانية «إيمي كلاينبرجر-نوبل» عام 1935، وقد أطلقت عليها اسم معهد «ليستر» الذي كانت تعمل فيه حينها.

عندما نعمل في المختبر، نستخدم السّكر في كثيرٍ من الأحيان لخلق بيئةٍ واقية مناسبة تحمي من البكتيريا. وفي جسم الإنسان تقوم المضادات الحيوية عادةً بهذا النمط من العمل لاستهداف جدار الخلية البكتيرية، أو تقوم به بعض جزيئات المناعة مثل الليزومات التي تُفرَز في الدموع لحمايتنا من الالتهابات البكتيرية.

وغالباً ما تصبح البكتيريا التي تفقد جدارها الخلوي ضعيفةً وهشة، وتفقد شكلها الطبيعي، وتصبح رغم ذلك غير مرئية لنظام المناعة لدينا، ومقاوِمة لجميع أنواع المضادات الحيوية خصوصاً المضادات التي تعمل من خلال آلية استهداف الجدار الخلوي البكتيري.

ومنذ زمن طويل، كان العلماء يشتبهون في أن تبديل البكتيريا شكلها إلى النمط «L-forms»، يساعد في تكرار حدوث الالتهابات من خلال تخفّي البكتيريا عن الجهاز المناعي ومقاومة المضادات الحيوية، لكن كان من الصعب العثور على أدلةٍ تثبت هذه النظرية. السبب هو أن طبيعة التحول إلى النمط «L-forms» مُحيِّرة ومخادعة، بالإضافة إلى افتقارهم  لطرقٍ مناسبة للكشف عنه.

كيف يحدث هذا التغيير؟

ركّزت دراستنا المنشورة في دورية «Nature Communications» بشكلٍ خاص على الأنواع البكتيرية المسببة لالتهابات المسالك البولية المتكررة (UTIs). تبين لنا أن العديد من أنواع البكتيريا تستطيع تغيير شكلها إلى النمط «L-Form» في جسم الإنسان؛ مثل بكتيريا «إشريكية قولونية»، وبكتيريا «مكورة معوية». هذا الاكتشاف لم يُثبت حدوثه من قبل بالفعل، وقد تمكّنا من اكتشاف هذا التحول من خلال استخدام كواشف الفلورسنت، التي تتعرف على الحمض النووي البكتيري.

قمنا باختبار عيناتٍ من بول مرضى مسنين يعانون عدوى المسالك البولية المتكررة، وزرعناها في أطباق بِتري غنية بالسكريات. أدت بيئة الأطباق الغنية بالسكريات إلى قتل البكتيريا، وعزل المتبقية التي اتخذت شكل «L-Form» التي كانت موجودةً في العينات. كما تمكّنا في تجربةٍ منفصلة من مشاهدة عملية التحول هذه برمتها، تجري في بيئة أجنة سمك الزرد الحيَّة، وفي وجود المضادات الحيوية.

ومن المهم الإشارة إلى أن أبحاثنا أظهرت أننا بحاجة إلى إجراء المزيد من الاختبارات على المضادات الحيوية، في بيئة تعكس بيئة جسم الإنسان أكثر؛ لأن البيئة التي نستخدمها في المختبر حالياً لا توفر الحماية الكافية لاستمرار حياة البكتيريا التي يمكنها التحول إلى النمط «L-Form».

وقبل أن نفهم طبيعة التبديل بين الشكل «L-Form» والأشكال الأخرى التي تستخدمها البكتيريا لمقاومة المضادات الحيوية، ينبغي إجراء المزيد من البحوث على مزيدٍ من المرضى، ومن المهم أيضاً التحقق من الدور الذي يمكن أن يلعبه الشكل المتحول «L-Form» في حدوث الالتهابات المتكررة الأخرى؛ مثل الإنتانات الدموية، والالتهابات الرئوية.

ولا يزال البحث في مجال تحول البكتيريا للأشكال من النمط «L-Form» مثيراً للجدل، لكننا نأمل أن تشجِّع نتائج أبحاثنا على إجراء المزيد من هذه الدراسات في الحالات المرضية التي يمكن أن تتسبب فيها تلك البكتيريا. كما نأمل أيضاً في أن تُسهم نتائجنا في التوصل إلى طرقٍ نتمكن من خلالها تحييد هذه الأنواع من البكتيريا المتسللة للجسم، وقد يكون الجمع بين المضادات الحيوية التي تتعامل مع جدار الخلية والمضادات الحيوية التي تقتل الأشكال البكتيرية من النمط «L»؛ أحد الحلول المُقترحة لمحاربة الالتهابات المقاومة للمضادات الحيوية.

ولا تزال معركتنا مستمرةً مع البكتيريا؛ فكلما نصل إلى إستراتيجياتٍ جديدة لمكافحتها؛ تطوِّر هذه البكتيريا طرقاً جديدة لمقاومتها. تسلّط دراستنا الضوء على طريقةٍ أخرى تتبعها البكتيريا للتكيف، وينبغي أخذها بعين الاعتبار في معركتنا المستمرة معها، وأبحاثنا المستقبلية عن الأمراض المعدية.

تم نشر هذا المقال بواسطة «كاترزينا ميكيفيتش» في موقع ذا كونفيرسيشن