Reading Time: 4 minutes

قبل أن تميط الإمارات اللثام عن ماضيها القديم، وتفتح نوافذ تاريخها الحضاري، كان الاعتقاد السائد أنها دولة تتميز بطبيعة صحراوية جافة، وأنها ربما لا تمتلك سوى تاريخ حاضر مبهر. ولما باحت هذه الأرض بما في جوفها من كنوز، تغيرت هذه المسلّمات القديمة، لتعلن عن بلدٍ شديدة الثراء بالحفريات الفقارية، والتي تكشف كيف كانت الإمارات قبل التاريخ.

أظهرت الدراسات وجود مناظر طبيعية وبيئات مناخية مختلفة تماماً عن تلك الموجودة حالياً في الإمارات. فمنذ ما يقرب من 6 إلى 8 مليون سنة في غرب أبوظبي، كان هناك نهر كبير عاشت بفضله العديد من الحيوانات مثل: الفيلة، أفراس النهر، الزرافات والقرود والحيوانات المفترسة والنعام والتماسيح. دعم النهر والمناخ شبه الجاف نمو الأعشاب والشجيرات والأشجار، بما في ذلك أشجار النخيل والسنط.

تم العثور على الآثار الأحفورية لهذه الحيوانات في تشكيل «بينونة» الجيولوجي، وعلى طول ساحل منطقة الظفرة، وفي جوف الصحراء. يشير السجل الأحفوري إلى أن الإمارات ضمت العديد من الأنظمة النهرية الكبيرة، فضلاً عن الغابات والمراعي. ومن بين أشهر الحفريات التي تم اكتشافها في الإمارات الآتي:

1. فرس النهر القديم

فرس النهر القديم

فرس النهر القديم — حقوق الصورة:
المسح الأثري لجزر أبوظبي

عاش في أنهار الإمارات قبل 8 مليون سنة جنس فريد من نوعه من أفراس النهر، كان أصغر حجماً وأكثر بدائية من فرس النهر الإفريقي. اكتشفت حفرياته من منطقة الظفرة بأبوظبي. تم إطلاق اسم «أركيوبوتاموس قشطة – Archaeopotamus qeshta» على هذا النوع، حيث تعني الكلمة الأولى منه «النهر القديم»، وتشير الثانية إلى لقب فرس النهر في اللهجة المصرية «السيد قشطة». بفضل حفريات هذا الحيوان، تمكن العلماء من تخيّل شكل البيئة، وتشبيه بيئة منطقة الظفرة آنذاك بمنطقة السافانا في شرق أفريقيا حالياً، وذلك بما كانت تحتضنه من سهول مفتوحة وأنهار كبيرة محاطة بالغابات.

2. الفيل الاماراتي

الفيل الإماراتي

الفيل الإماراتي «Stegotetrabelodon syrticus»

تمثل آثار أقدام الأفيال في «مليسه» أحد أهم الاكتشافات الفريدة من نوعها، حيث تسلط الضوء على الفصيلة القديمة للفيلة الإفريقية والآسيوية الموجودة حالياً، والتي عاشت في الإمارات قديماً. أظهرت الآثار الأحفورية للفيلة الإماراتية أن النوع الأكثر شيوعاً المسمى «Stegotetrabelodon syrticus»، كان لديه 4 أنياب وليس اثنان مثل الفيلة الموجودة اليوم. كما تقدم آثار أقدام الأفيال في موقع «مليسه» أحد أجمل الصور الحية المدهشة التي تعكس شكل الحياة في عصور ما قبل التاريخ، في منطقة الظفرة في غرب إمارة أبوظبي. تمتد هذه الآثار الأحفورية لتشمل مئات من آثار أقدام الفيلة التي عاشت في الإمارات في أواخر العصر «الميوسيني» قبل 7 ملايين عام، على طول سهل مسطح متصل بمواقع بينونة الأحفورية الجيولوجية.

أثمرت الأعمال الأخيرة التي أجراها علماء الحفريات عن 5 نماذج أخرى لمواقع طبعات أقدام الفيلة في منطقة الظفرة، في كل من موقع مليسه الثاني، وبدع المطاوعة، الشهرية، برق الغنية، وجبل المومياء.

يعزز اكتشاف ممر الأفيال في مليسه من فهم الإنسان لهذه الفيلة القديمة التي عاشت في غابات السافانا، والتي قد تمتد من شرق أفريقيا، عبر شبه الجزيرة العربية وغرب آسيا، إلى الهند. من خلال المقارنة بين آثار أقدام الفيلة قديماً وحديثاً؛ اكتشف العلماء أن الحيوانات القديمة يزيد حجمها عن نظيراتها الحديثة بما لا يقل عن 20%، مع أكتاف يبلغ ارتفاعها 4 أمتار ووزن يتخطى 12000 كجم.

يبين ممر الأفيال في مليسه بالدليل الدامغ كيفية تفاعل الفيلة القديمة اجتماعياً، كما تمثل نموذجاً فريداً للسلوك المحفوظ في السجل الأحفوري. إضافة إلى ذلك، لم تكن إناث الفيلة وصغارها فقط تسير في قطيع، بل عُثر على مسار لآثار أقدام أحد ذكور الفيلة وحيداً بطول 260 متراً، مما يوضح سيرها فرادى وجماعات كما الفيلة اليوم. بلغ حجم بعض آثار الأقدام حوالَى 40 سنتيمتراً. فإذا أخذناها معاً، فإنها تغطي مساحة بحجم 7 ملاعب لكرة القدم. يقدر الباحثون أن هذه الآثار تشكلت على الأقل من 13 فرداً متفاوتين من حيث الحجم والعمر، وكلها تتراكم في انسجام تام.

3. قرد الجينو

على نحو مماثل لمسار التطور البشري خارج أفريقيا، نعلم تماماً أن قردة العالم القديم نشأت وهاجرت بدورها من أفريقيا منذ ملايين السنين، ولكن حتى هذا اليوم لم يتضح تماماً متى وكيف حدث ذلك؟ وقياساً للأحداث اللاحقة في مسار التطور البشري، يعتبر ذلك بمثابة مقدمة لنظرية الانتشار خارج أفريقيا.

تشير الفرضيات القديمة إلى أن عدداً من القردة؛ لاسيما «قردة المكاك»، ربما تكون قد هاجرت إلى أوراسيا عبر حوض البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق منذ حوالي 6 ملايين سنة، خلال فترة ما يسمى «أزمة الملوحة»، عندما جفت مياه البحر المتوسط وأتاحت العبور للحيوانات آنذاك من شمالي أفريقيا إلى أوروبا.

تشير حفرية ضرس أحد قردة العالم القديم التي عاشت قبل نحو 8 ملايين عام في جزيرة الشويهات بالمنطقة الغربية من أبوظبي، إلى أن هجرة قردة العالم القديم قد تكون تمت عبر شبه الجزيرة العربية، حتى قبل حدوث أزمة الملوحة. وكان قد تم اكتشاف الأحفور المذكور في عام 2009، وهي عبارة عن ضرس سفلي صغير، قدر فريق العلماء بأنه قد يعود إلى قردة «الجينو» المعروفة سابقاً. تتميز هذه القردة بألوانها الزاهية في غابات أفريقيا المعاصرة. من المعروف أن أقدم أحفورة تم اكتشافها سابقاً من قردة «الجينو» تعود إلى نحو 4 ملايين سنة.

يبقى السؤال الأهم: بعد أن رأينا جانباً من هذه الكنوز الحفرية التي تمتلكها الإمارات، هل من المحتمل إيجاد أي حفرية تعود لديناصور على أرض الإمارات؟

حتى نجيب على هذا السؤال يجيب أن نعيد آلة الزمن إلي الوراء، تحديداً قبل 65 مليون سنة، حين عاش آخر الديناصورات العملاقة على وجه الأرض. لو نظرنا إلى الإمارات آنذاك، فلن تراها لأن مياه البحر كانت تغطيها. بيد أن عوامل جيولوجية ساعدت في دفع الأرض إلى الأعلى، فظهرت فوق سطح البحر، وتكونت التضاريس الجغرافية للإمارات. لهذا السبب لم يتم العثور على حفريات للديناصورات، حيث إن طفو أرض الإمارات حدث بعد انقراض الديناصورات بزمنٍ كبير بعكس اليمن وبعض أجزاء شبه الجزيرة العربية، التي عُثر فيها على حفريات تؤكد وجود ديناصورات عاشت في تلك المناطق.