Image

إنه أمر مستحيل عملياً

Bread assortment من موضوعات الخيال العلمي التي تطرح بشكل دائم، هو ارتباك الباحثين بشأن الإجابة عن السؤال فيما إذا كنا نعيش داخل جهاز حاسوبي دون أن ندري
مصدر الصورة: ديبوزت فوتوز

إن الحياة تتعدى كونها مجرد محاكاة حاسوبية، هذه هي الفكرة التي لطالما تناولتها أعمال الخيال العلمي من حلقة “سفينة في قارورة” Ship in a Bottle من السلسلة التلفزيونية الأمريكية الشهيرة “ستار تريك: ذي نيكست جينيريشن”، إلى النظام الحاسوبي في فيلم “ذي ماتريكس”. إن الجدل التكنولوجي حول فكرة أن الحياة قد تكون حلماً لا يعقل أن يكون حقيقياً، أليس كذلك؟

لكن ماذا لو كانت المحاكاة حقيقية؟ ماذا لو كانت هذه الحياة هي مجرد محاكاة لواقع حقيقي؟ ماذا لو كنت تقرأ هذه المقالة- وفق سلوك ماورائي بشكل لا يمكن تصوره- على جهاز حاسوبي بينما أنت موجود بدورك داخل جهاز حاسوبي أكبر؟ بمجرد أن يتم إقحام هذه الفكرة في أذهاننا، فإنها تقلقنا كثيراً، بحيث لا يمكننا التفكير بطريقة للخروج من هذه المعضلة. هل تذكر التساؤل الذي طرحه مورفيوس في فيلم ماتريكس: “ماذا لو كنت عاجزاً عن الاستيقاظ من ذلك الحلم؟ كيف يمكن لك أن تعرف الفرق بين عالم الحلم والعالم الحقيقي؟”.

لكن يدعي باحثان أنهم اكتشفا حقيقة الوضع برمته، حيث يزعم عالما الفيزياء النظرية؛ زوهار رينجل (يعمل في إحدى جامعات الشرق الأوسط) وديمتري كورفيزيني (يعمل في جامعة أكسفورد في بريطانيا)، أنهما أثبتا حقيقة واقعنا في دراسة نشرت حديثاً في دورية “ساينتفك أدفانسيس”.

لكي نفهم ما الذي توصلا إليه، من المفيد لنا أولاً أن نتعرف على ماهية الحاسوب: هو في الأساس آلة تنفذ العمليات الحسابية، ولكي يتمكن الحاسوب من محاكاة الواقع، فإنه بحاجة إلى ما يكفي من القدرات البنيوية لتوليد الظواهر التي نعيشها في بيئة المحاكاة التي قام ببنائها.

لكن ما اكتشفه الباحثان هو أن تخزين المعلومات اللازمة لمحاكاة سلوكيات معينة لدى بضع مئات فقط من الإلكترونات، يتطلب عدداً من الذرات أكثر مما هو موجود في الكون، لكن هذا العالم يصبح حقيقياً، أو هو كذلك على الأرجح.

مما لا شك فيه، هو أن الباحثين لم يخططا لدحض فكرة شكلت الحبكة الرئيسية لإحدى حلقات السلسلة التلفزيونية البريطانية “دكتور هو”، والتي ربما تكون المفضلة لديك. لقد كان ذلك محض حادث عرضي، حيث كان كوفريزي ورينجل يحاولان معرفة ما إذا كان باستطاعتهما استخدام طريقة رياضية لنمذجة أنظمة يمكنها أن تظهر شذوذاً (الأشياء التي دائماً ما تتسبب بالمتاعب لسفن ستار تريك) مثل تلك الناجمة عن أثر هول الكمي.

يوضح أثر هول القياسي كيف يمكن للمعادن في ظل الظروف المناسبة أن تظهر بعض السلوكيات الكهربائية المثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، إذا أمسكت بقضيب معدني ومررت عبره تياراً كهربائياً، فأنت تتوقع من الإلكترونات أن تستمر بالتحرك نحو الأمام بنفس اتجاه التيار. ولكنك عندما تطبق حقلاً مغناطيسياً بشكل متعامد مع اتجاه التيار، فإن أثر هول يتنبأ للإلكترونات بأنها ستنحرف وتبدأ بالتحرك بشكل متعامد مع كل من الاتجاه الأصلي للتيار، والحقل المغناطيسي.

وينقل أثر هول الكمي أثر هول القياسي إلى خطوة أبعد: فعندما تضع مادة ناقلة في بيئة باردة جداً (بالقرب من الصفر المطلق، أو 273.15- درجة مئوية)، ولديها مجال مغناطيسي قوي، فإن الجسيمات تتصرف بشكل أكثر غرابة، وهو السلوك الذي حاول الباحثان تفسيره.

من السهل جداً أن نحل المعادلة “2 + 2 = ؟”  (إن كنت تتساءل فالجواب هو 4 بالطبع). حيث يصلح هذا النوع من المعادلات بالنسبة للأنظمة البسيطة نسبياً، فمن الممكن حلها باستخدام الآلة الحاسبة، إن لم يكن بأذهاننا. لكن هذه الأنواع من الحسابات السهلة تبدأ بالانهيار عند التعامل مع السلوك الكمي الغريب، والذي يحدث عند مستويات ضئيلة جداً (نحن نتحدث هنا عن أنظمة أصغر مما يجري على مستوى كل من الذرات). فهناك الكثير من أوجه الغموض، وقد يكون لديك عدد لا حصر له من الجسيمات المتفاعلة، وهذا ما يعرف باسم مشكلة الجسم المتعدد.

وقد صرح رينجل لمجلة “بوبيولار ساينس”: “عندما تدرس الفيزياء وتواجه مسألة لا تعرف حلاً لها، فإنك تقول في قرارة نفسك، ربما يمكنني فقط أن أجعل حاسوبي يقوم بحلها وسيمنحني ذلك نظرة أعمق لها”. وبالتالي تحول هو وزميله إلى “مونت كارلو الكمية”، وهي مجموعة من الطرق الحسابية التي تستخدم العينات العشوائية لدراسة الأنظمة الكمية المعقدة التي لا يمكن حلها بشكل مباشر.

اكتشف الباحثان أنه في مواجهة إضافة كل جسيم إلى النظام، ازداد تعقيد المحاكاة بشكل كبير (زيادة أسية)، حيث تضاعف التعقيد مع كل جسيم جديد مقارنة بالحالة الابتدائية للمسألة (هذا لا يختلف عن معدل التوالد عند التريبل (المخلوق الخيالي اللطيف ذو الفراء الذي ظهر في سلسلة ستار تريك)، ليجعل المسألة برمتها غير قابلة للحل.

إنها ليست المرة الأولى التي يحاول فيها البشر حل المشكلة الناجمة عن أثر هول الكمي، فقد جرت محاولات من قبل باستخدام الحواسيب المحمولة، وتجمعات كبيرة من الأجهزة الحاسوبية.

من المؤكد أن رينجل وكوفيرزي لم يتوقعا النجاح، ولكنهما كانا يأملان بمعرفة الأسباب التي حالت دون نجاح أيٍّ من التجارب السابقة. ربما لأن البشر ليسوا بالذكاء الكافي لتحقيق ذلك، أو لأن الفيزيائيين لم يتمكنوا بعد من العثور على الإسقاطات الرياضية الصحيحة. توضح الدراسة الجديدة أنه من غير الممكن محاكاة أثر هول، وبالنسبة لمؤلفي الدراسة، يترتب على هذا الأمر استحالة أن يخلق أي جهاز حاسوبي العالم الذي نعيش فيه.

يقول رينجل: “إذا رأيت ظواهر لا يمكن محاكاتها بواسطة جهاز حاسوبي كلاسيكي، فهذا يعني أننا لا يمكن أن نكون جزءاً من جهاز حاسوبي تقليدي ضخم تمت محاكاته بينما يسرق شخص ما طاقتنا على سبيل المثال”. بعبارة أخرى: ليس هناك سيناريو مشابه لما يطرحه فيلم ماتريكس.

لكن بالطبع لا يخلو الأمر من وجود بعض المحاذير.

في فيلم “ذي ماتريكس”، يتطلب القيام بحيلة ثني الملعقة؛ الإدراك بأنه لا توجد ملعقة. لكن مع الأسف، فإن الملاعق التي لديك هي حقيقة على الأرجح.
مصدر الصورة: ديبوزت فوتوز

أولاً، تفترض الدراسة أن القوانين الفيزيائية للكون التي تسير كل شئ، تتطابق مع القوانين التي تسري داخل الحصن الافتراضي الذي نسميه “عالمنا”. قد تبدو تلك فرضية عظيمة، ولكنك إذا سألت أي فريق محترف في صناعة المؤثرات الخاصة، ستعلم عندها أن بناء “عالم” يعد أمراً في غاية الصعوبة، كما يصبح الأمر أكثر صعوبة بكثير إذا أردت أن تجعل هذا العالم يبدو وكأنه حقيقي. إن المسار الأسهل هو أن تقوم بنمذجة عالم وهمي يشبه العالم الحقيقي.

تفترض الدراسة أيضاً أنه إذا كان هناك من يتحكمون بعالمنا، وهم يستخدمون أجهزة حاسوبية كالتي نعرفها. يقول رينجل: “إن كانوا يعلمون بطريقة ما كيفية تشغيل الحواسيب الكمية، فهذا يلغي مزاعمنا تماماً”. فالحواسيب التقليدية – كالذي تستخدمه الآن على الأرجح في قراءة هذه المقالة – تتعامل مع الإلكترونات على أنها جسيمات.

بينما تتعامل الحواسيب الكمية مع الإلكترونات على أنها مقادير احتمالية، وتعتبر أن أفضل تصور لها هو التعامل معها كموجات، حيث لا يتواجد الإلكترون في مكان واحد، بل في أماكن متعددة في الوقت نفسه. يقول رينجل: “بإمكان الحواسيب الكمية أن تحل مسائل معينة تعجز الحواسيب العادية عن حلها”. ويضيف: “يمكنك أن تحلل أعداداً كبيرة جداً، وتكسر جميع تقنيات التشفير المعيارية التي لدينا اليوم. ولكن أحداً لم يتمكن أبداً من بناء حاسوب كمي، ولم يثبت أنه فعل ذلك”، أو لنقل، لا أحد فعل ذلك داخل عالمنا الذي نعيش فيه على أي حال.

لا يعد هذا التفاعل الكمي الوحيد الذي لم يتم العثور بعد على الخوارزميات التنبؤية التي تلائمه، حيث تشير هذه الورقة العلمية إلى أنه قد لا يتمكن أحد من الكشف عن هذه الخوارزميات، لتضع بذلك حداً للفكرة القائلة بأن العالم الواقعي قد يكون لعبة متقنة ومدروسة على غرار الفكرة التي تتناولها لعبة الفيديو “ذا سيمز” The Sims.

إذا لم يكن كوننا نتيجة صياغة خضع لها منذ نشأته، فإن العالم الذي نعيش فيه هو على الأرجح عالم حقيقي، إلا إذا كان مجرد حلم بالطبع.

error: Content is protected !!