Reading Time: 3 minutes

عندما تسمع بعدد الأشخاص المهددين بغرق مناطقهم نتيجة ارتفاع مستوى مياه البحر بحلول عام 2100، تتساءل حينها ربّما؛ كيف يمكن لهؤلاء العلماء التنبؤ بما سيكون عليه مستوى سطح البحر في المستقبل؟ في الواقع يستخدم العلماء نماذج حاسوبية لذلك، إلا أن تلك النماذج معقدةٌ إلى حدٍّ كبير، حيث تتضمن حساباتٍ وافتراضاتٍ وعوامل لا حصر لها، وتؤثّر جميعها بالمحصّلة على النتيجة النهائية. لكنك ربما لم يخطرَ ببالك كيف نعرف ارتفاع الأرض نفسها. يمكنك معرفة ارتفاع المكان الذي تعيش فيه عن سطح البحر بنظرةٍ سريعة على موقعك في برنامج «جوجل ايرث» في أي وقتٍ تشاء.

لكن مثلُ أي قياسٍ آخر، فإن تقديراتنا للارتفاع عرضةٌ للخطأ والارتياب. فعندما نقيس ارتفاع جبلٍ ما، ويكون الارتياب الحاصل في القياس نحو مترين، فإن ذلك الارتياب ليس بذي أهميةٍ كبيرةٍ عندها، لكن الارتياب في تقدير ارتفاع سطح البحر بنفس المقدار قد يكون تأثيره هائلاً بل وقاتلاً عند المناطق الساحلية.

وهذا بالضبط ما يحدث.

فعندما استخدم الباحثون في «المركز المناخي» (منظمة غير ربحية تُعنى بشؤون المناخ وتضم علماء متخصصين) طريقةً جديدة لحساب ارتفاع المناطق الساحلية حول العالم، والتي تُدعى نموذج «كوستال ديم»؛ تضاعف عدد الأشخاص المُعرضين لآثار ارتفاع مستوى سطح البحر 3 مرّاتٍ عمّا كانت عليه التقديرات في السابق. حيث أشارت التوقعات الجديدة إلى أن المناطق التي يعيش فيها نحو 630 مليون شخص حول العالم؛ ستكون مهددةً بالغرق نتيجة ارتفاع منسوب سطح البحر بحلول عام 2100، وأن أكثر من نصف هؤلاء -أي أكثر من 300 مليون شخص- مهددون بالغرق بحلول عام 2050، وفقاً لنتائجهم التي نشروها في دورية «نيتشر كومينيكيشنز».

منازل, مناطق,سواحل, خرائط, ارتفاع مستوى سطح البحر

عدد الأشخاص المهددين بخطر غمر مناطقهم بحلول عام 2100 حسب نموذج الارتفاع الرقمي الجديد كوستال ميد المُستخدم في الدراسة

قد يكون من الصعب التصديق أن بيانات ارتفاع منسوب سطح البحر التي بحوزتنا حالياً، قد يكون فيها أخطاءٌ بنسبةٍ قد تكون كبيرة وبعيدةٌ عن الواقع، ولكن لنلقي نظرةً على كيفية استخلاص قيم الارتفاع. يحسب نموذج الارتفاع الرقمي «SRTM» الذي جمعته وكالةُ ناسا لكافّة أرجاء العالم ارتفاع السطح العلوي من الأرض عملياً، وليس سطح الأرض الحقيقي الفعلي، وبالتالي قد تكون البيانات غيرّ دقيقةٍ خاصّة في المناطق الغابية الكثيفة النباتات أو المدن المُكتظة بالسكّان، وذلك بسبب ارتفاع سطح النباتات والأبنية عن مستوى سطح الأرض في كلتا الحالتين، وبالتالي فالسطح المحسوب هو سطحها وليس سطح الأرض الحقيقي.

بينما كانت قياسات الارتفاع أكثر دقّةً في بلدانَ مثل الولايات المتحدة وأستراليا، نظراً لاستخدامهم تقنية «ليدار» الاستشعارية، والتي مكنتهم من تقدير الارتفاعات الفعلية، إلا أنّ هذه البيانات ليست متوفرةً في معظم أنحاء العالم.

وُلّدت البيانات الجديدة «كوستال ميد» باستخدام أحد أشكال الذكاء الاصطناعي، عبارةٌ عن شبكةٍ عصبونية دُربت لكي تقوم بتحليل الفرق في الارتفاعات المأخوذة بواسطة تقنية ليدار، وتلك المأخوذة في نموذج SRTM في الولايات المتحدة. هناك ارتيابٌ في بيانات SRTM يبلغ معدله 3.7 متراً على كامل مساحة الولايات المتحدة، لكنّ ذلك الارتياب يصل أكثر من ذلك بنحو مترٍ واحد في المدن الساحلية. يمكن لنموذج كوستال ميد -من خلال تحليل الأنماط في هذه المناطق العالية الارتياب- تقليل نسبة الخطأ في الارتفاع إلى أقل من 10 سنتيمترات. وذلك ما قام به الباحثون، ثم بعد ذلك قرنوا نموذج ارتفاع سطح البحر الجديد الذي أنتجوه، مع النتائج التي توصّل إليها التقرير الخاص للهيئة الحكومية الدولية المعنية بشؤون التغير المناخي، لتقدير عدد الأشخاص المهددين في المستقبل القريب بغرق مناطقهم نتيجةً لارتفاع منسوب سطح البحر.

في الواقع هذه التقديرات لا تؤثر على الجميع بنفس المقدار. فكما تُظهر الخريطة أعلاه، فإن الغالبية العُظمى من المتضررين سيكونون في آسيا. حيث يقدّر القائمون على الدراسة أن أكثر من 70% من الأشخاص الذين يعيشون ضمن المناطق المهددة موجودون في 8 دولٍ فقط وهي؛ الصين وبنغلاديش والهند وفيتنام وإندونيسيا والفلبين واليابان.

كما أنّ التغير في خطر الغرق بالاعتماد على هذا البحث الجديد، لا يتوّزع بشكلٍ متساوٍ في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، تذهب التقديرات إلى أن كلاً من مصر وكوت ديفوار ستشهد زيادةً في المخاطر بمقدار 428 – 708 ضعف على التوالي، وهو معدّل عالٍ جداً، اضطرنا لتعديل الرسم البياني أدناه كي نتمكّن من إظهاره كلّه بطريقةٍ مناسبة وواضحة، بحيث لا تغيب القيم الأقل عن المشهد. ثم يلي كلاً من البلدين السابقين في التقديرات دولة ليبريا بـ 75 ضعفاً. معظم الدول التي ستخسر الجزء الأكبر من أراضيها عبارةٌ عن جزر، 13 دولةً منها ما تزال دولاً نامية.

منازل, مناطق,سواحل, خرائط, ارتفاع مستوى سطح البحر, مصر

عدد الاشخاص المعرضين لخطر غمر مناطقهم بحلول عام 2100 باستخدام بيانات المقارنة بين نموذجي «SRTM» و«كوستال ميد»

بالرغم من هذه الزيادات الهائلة في أعداد السكان المهددين بالخطر، يشير الباحثون القائمون على الدراسة إلى الأرقام قد تكون أكبر مما أوردوه في نتائجهم. فنموذج كوستال ميد ليس مثالياً تماماً، خصوصاً في المدن المكتّظة، لذلك يمكن أن تكون هناك أعدادٌ أكبر معرضة للخطر. وأضف إلى ذلك، فإن التقديرات تستند إلى عدد السكان الحالي، حيث من المرجّح أن يرتفع العدد أكثر من ذلك في المستقبل أيضاً. إذا بقينا نتوجّه للعيش في المناطق الساحلية، فعلى الأرجح سنرى ارتفاعاً أيضاً في عدد السكان المهددين بفقدان منازلهم بسبب التغيّر المناخي.