Reading Time: 3 minutes

عندما رفع القدماء أبصارهم نحو السماء لمراقبة النجوم، لاحظ بعضهم أن شكل مجرتنا يشبه شكل الحليب المسكوب، أو نهر متدفق عبر السماء، بينما رأى آخرون أنها شبيهة بكومة قش، أو سرب من الطيور، لكن لا أحد من الذين نظروا للأعلى وجالوا بأبصارهم في السماء رأى أن شكلها يشبه المروحة.

من الصعب تحديد أبعاد قرص شديد التعقيد عندما تكون بداخله، وتنظر بشكلٍ أفقي نحو مركزه، أو باتجاه حافته. ما يزيد الأمر تعقيداً هو التشابه بين النجوم الساطعة البعيدة والنجوم الخافتة القريبة منّا. في الواقع، أحد أسباب صعوبة بحث علماء الفلك هو أن الكون يفتقر إلى علامات دالة يمكن الارتكاز عليها في رصد النجوم، وتحديد المسافة بيننا وبينها بدقة.

لم يثبط هذا عزيمة العلماء، فهم يعشقون مثل هذه التحديات، وبعد سنوات من العمل المستمر، أصدر فريق من الباحثين البولنديين الخريطة الأكثر اكتمالاً لمجرتنا حتى يومنا هذا. في عملهم هذا، لم يحاولوا تحديد مواقع مليارات النجوم التي تحتوي عليها مجرتنا، ولكنهم وجهوا أنظارهم نحو أمر أكثر دقة؛ وهي انحناءات ونتوءات درب التبانة. توفر الدراسة، التي نشرت في دورية «ساينس»، أدق القياسات حتى الآن للاعوجاج الغريب في مجرتنا، وستمثل نقطة ارتكاز للعلماء الذين يحاولون فهم كيفية تشكلها عبر الزمن.

بهذا الصدد، تقول «دوروتا سكورون»، عالمة الفلك بجامعة وارسو: «نأمل أن تكون ورقتنا البحثية نقطة انطلاق جيدة في سعينا لوضع نماذج أدق لمجرة درب التبانة. وبفضل نجوم مجرتنا، يمكن اختبار دقة هذه النماذج».

فحصت سكورون وفريقها المجرة بحثاً عن نجوم ضخمة. إحدى هذه الأنواع يطلق عليها اسم «النجوم متغيرة السطوع»، وهي عبارة عن نجوم فتيّة ضخمة، يصل لمعانها إلى آلاف المرات أشد من الشمس، لكن عمرها يبلغ عُشر عمر الشمس فقط، ويدوم وميضها لمدة تتراوح بين أيام وشهور. يعلم علماء الفلك أنه كلما كان وميض هذه النجوم أبطأ، كانت أكثر لمعاناً، وهي العلاقة التي تمكنهم من حساب المسافة بينها وبين الأرض، من خلال مقارنة شدة السطوع الفعلي للنجم بشده لمعانه عند رصده من الأرض.

لكن قبل المباشرة بهذه العملية -وبالتالي رصد انحناءات المجرة- كان على الفريق العثور على تلك النجوم أولاً. لهذا الغرض، راقب علماء الفلك سماء الجنوب عبر مرصد «لاس كامباناس» في شيلي، والتقطوا مئات الآلاف من الصور، ودققوا النظر في أكثر من مليار نجم، محاولين تتبع التوهج والخفوت الذي يشي بمواقع النجوم متغيرة السطوع. في نهاية المطاف، وبعد إضافة ما توصلوا إليه إلى نتائج الدراسات الاستقصائية السابقة عن النجوم متغير السطوع، تمكن الفريق من تحديد المواقع الدقيقة لـ 2400 نجماً (نتيجة تفوق ما توصلت إليه دراسة متزامنة بـ 1000 نجم) على خريطة ​​ثلاثية الأبعاد للمجرة.

تعلق سكورون على هذا الحدث قائلة: «كانت اللحظة الفارقة عندما قارنّا لأول مرة بين خريطة النجوم متغيرة السطوع التي توصلنا إليه، والصورة التقليدية لدرب التبانة، ولاحظنا الشكل المتغير لمجرتنا. نعم، استغرق تحقيق هذا 6 سنوات، لكنه كان يستحق كل ذلك العناء».

مجرة درب التبانة

قرص مجرة درب التبانة — مصدر الصورة: ناسا

إحدى الأشكال التي يتخذها قرص درب التبانة، يشبه انثناءات الساعات في لوحة «إصرار الذاكرة لسلفادور دالي». لاحظ علماء الفلك هذا الالتواء لأول مرة في الخمسينيات، حيث ينحني أحد أطراف المجرة «إلى الأعلى» لبضع آلاف من السنوات الضوئية، وينحني الطرف المقابل بمقدار مماثل «إلى الأسفل». لكن غياب تصور واضح لشكلها هذا، حال دون تمكن العلماء من تحديد السبب الكامن وراء شكلها ذاك- العائق الذي قد تسهم الدقة المتناهية للخريطة الجديدة في تجاوزه. علاوة على ذلك، ستعمل الخريطة على استبعاد بعض التفسيرات التي اقترحت لشكل مجرتنا، الذي عزاه بعض العلماء إلى «شدة جاذبية المجرات التابعة»، ورده علماء آخرون إلى الحقول المغناطيسية بين المجرات.

تضع هذه الخريطة معياراً جديداً ينبغي على أي باحث العودة إليه عندما يحاول شرح كيفية تشكل مجرة درب التبانة. على سبيل المثال، لاحظ الفريق أن النجوم متغيرة السطوع -التي لديها أعماراً معينة- تميل إلى التجمع، وأن مجموعات النجوم الحديثة أكثر لُحمة من مجموعات النجوم القديمة، وهذا يدل على أن مجرة درب التبانة قد شهدت تشكلاً متواصلاً للنجوم. ما زال علماء الفلك يجهلون عدد الأذرع الحلزونية الموجودة في مجرتنا، وكيف تتخذ شكلها الملتوي، وكيفية تنتقل النجوم عبر انحناءات المجرة، والسبب وراء دفقات تكون النجوم. لذلك، على النظريات المستقبلية أن تتوصل إلى نتائج مشابهة للخريطة الجديدة.

يرحب باحثون آخرون بفرصة الحفر في ماضي المجرة. «إلويسا بوجيو»، هو فلكي يدرس تشوهات مجرة درب التبانة في جامعة تورينو بإيطاليا، والذي لم يشارك في البحث، لكن يقول عنه: «رسم خريطة لدرب التبانة هو أساس مجالات بحث عديدة في علم الفلك، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحديد تاريخ تشكل مجرتنا. لذلك من الضروري أن يكون لدينا خرائط ثلاثية الأبعاد تعتمد على قياسات في غاية الدقة».

ستواصل المشاهدات المستقبلية توضيح ما توصل إليه فريق وارسو البحثي، وترى سكورون أن مشروعاً مشابهاً في نصف الكرة الشمالي، يمكن أن يرصد نحو 1500 نجم متغير السطوع لم يكتشف بعد. أضف إلى ذلك أن عمليات رصد مركز المجرة بالأشعة تحت الحمراء قد تخترق الغبار بين النجوم -مصدر الخطأ الرئيسي في الخريطة-؛ والذي يحجب لمعان النجوم الملاحَظَة، ويجعل المسافة المحسوبة غير دقيقة. فإذا تم توسيع نطاق البحث لرصد المجموعة القديمة والمتنوعة من النجوم متغيرة السطوع، المعروفة باسم «متغيرات (RR) القيثارة»؛ سيتمكن الباحثون من إضافة بُعد رابع إلى الخريطة، من خلال إدراج المزيد من المساحات القديمة في المجرة.

قد يتوقف الناس عن تخيل درب التبانة مثل حزمة لبنية تمتد عبر السماء، مع ذلك، مازلنا نجهل الكثير عن مجرتنا. وتختم سكورون بقولها: «معرفة مكاننا في الكون أمر مثير للاهتمام دائماً».