Reading Time: 3 minutes

منذ استقرار الحياة على الأرض، وبدأ الإنسان البحث عن سبُل تضمن بقائه، أحدث خلال ذلك الكثير من الأضرار -بجانب المنافع- التي لحقت بالبيئة والأحياء على حدٍ سواء، حتى بات كوكبنا في خطرٍ يتفاقم بمرور الوقت. يمكننا التركيز على واحدة من هذه الأضرار، وهي تلوث مياه المحيطات.

ربما تقرأ هذا المقال الآن وبجانبك كوب قهوة ورقي أو زجاجة مياه أو حتى كيس بلاستيكي يحوي بعض الأغراض. بمجرد أن تنتهي منفعتك من هذه الأشياء، ستلقي بها في أقرب سلة نفايات. للأسف، هذه ليست نهاية النفايات، فرحلتها قد بدأت للتو.

تأخذ هذه النفايات رحلتها إما إلى محرق نفايات ضخم تنبعث منه كميات كبيرة من الدخان الملوث والرائحة الكريهة، أو تجد طريقها إلى أقرب مصرف مائي، لتبدأ رحلة أخرى وصولاً للمحيطات. ما الذي يحدث بعد ذلك؟ حسناً، لنذهب إلى هناك.

رحلة إلى الأعماق

بمجرد وصول هذه النفايات إلى المحيطات، فإنها تقتحم عالم آخر يتنفس، تعيش فيه أنواع مختلفة من الكائنات الحية. تتسبب النفايات البلاستيكية في تلوث مياه المحيطات، ما يعني الإضرار ببيئة الكائنات الحية هناك، وموت الكثير منها.

تستقبل مياه المحيطات 8 أطنان من المخلفات البلاستيكية سنوياً، وبهذا المعدل ستكون كمية النفايات البلاستيكية أكبر من الأسماك بحلول العام 2050. أي فقدان بيئة طبيعية كاملة.

تفقد الحياة البحرية الكثير من كائناتها الحية بالاختناق إذا علقت بعض هذه النفايات في فم الكائن البحري، أو التسمم، أو حتى حين تتراكم هذه النفايات في الأعضاء الداخلية للحيوانات البحرية متسببة في موتها، مثلما حدث في الفلبين حيث عُثر على حوت نافق تمتلئ معدته بـ 40 كيلو جرام من الأكياس والنفايات البلاستيكية.

يقول عالم الأحياء البحرية «داريل بلاتشلي – Darrell Blatchley» في حديثه مع الجارديان؛ أنه خلال العشر سنوات الماضية فحصوا مجموعة كبيرة من الحيتان والدلافين الميتة، وتبين أن 57 منهم ماتوا بسبب النفايات البلاستيكية المتراكمة في معدتهم.

هذا التأثير السلبي للنفايات البلاستيكية لا يقتصر على البيئة البحرية فحسب، بل يعود على الإنسان أيضاً. حيث تتأثر مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، والأنشطة الترفيهية بانخفاض يترواح  بين 1 – 5% من الفوائد التي تعود على البشر من المحيطات. تبلغ التكلفة المعروفة باسم قيمة النظام البيئي البحري، ما يصل إلى 2.5 تريليون دولار سنوياً.

ماذا عن النفايات النفطية؟

حسناً، جميع النفايات بمختلف أنواعها التي تذهب إلى المحيط تؤثر سلباً على البيئة البحرية. ربما المخلفات النفطية أكثر خطورة حيث تتسبب في غمر سطح الماء بالزيت. فعندما يتسرب النفط إلى المحيطات، أو تلقى مخلفاته هناك، يتسبب طفوه في وفاة أعداد هائلة من الطيور البحرية.

 

 

طائر بحري مغمور بالنفط/ مصدر الصورة: (marine photobank/flickr/ CC BY 2.0)

هل أمعنت النظر في الصورة في الأعلى؟

هذا ما سيحدث. دعنا نتخيل بيئة بحرية هادئة مليئة بأنواع متعددة من الطيور والأسماك، وكائنات ذات الفراء مثل ثعالب البحر، تغمرها فجأة كمية كبيرة من النفط سواء النفط الخام المسرّب، أو مخلفاته.

ما يحدث هو أن النفط سيطفو ثم يغمر هذه الكائنات تعيسة الحظ، فيعلق الزيت في ريشها، وفرائها مما يؤثر على قدرتها على التكيّف مع البيئة أو الحفاظ على درجة حرارة أجسادها وبالتالي موتها. وقد يحاول أحدهم تنظيف نفسه من هذا السائل الأسود اللزج، فيصاب بالتسمم ومن ثم يموت على الفور.

أما عندما تتعرض الأسماك البالغة للنفط، فقد تواجه أعراضاً أخرى مثل انخفاض النمو، تغيرات في معدل ضربات القلب وصعوبة في التنفس، تضخم الكبد، تآكل الزعانف، وضعف التكاثر. هذا الضرر ليس ممتداً في المياه فحسب، بل على الشاطئ أيضاً، حيث تتواجد كائنات مثل القواقع، والبطلينوس والحيوانات الأرضية الأخرى.

هل يمكن منع هذا الخطر؟

بالتأكيد، حيث تجري العديد من عمليات «تنظيف المحيطات» من النفايات البلاستيكية، والحد قدر الإمكان من تسرب النفط إلى المحيط. تتم عمليات تنظيف النفايات البلاستيكية هذه من خلال سفن مجهزة تقوم بمسح أجزاء من المحيط لالتقاط النفايات.

ربما قد تجد الأمر غير فعّال، لكن يتواجد الآن 450 خطاً بحرياً في 26 دولة حول العالم، وفي 60 ميناءاً في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بالإضافة إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ. تجمع هذه الخطوط كمية نفايات بلاستيكية من المحيطات تصل إلى نحو 4 كيلوجرام يومياً، أي حوالي 1.4 طن سنوياً.

الإجراء الآخر على نطاق أوسع، وأكثر تشجيعاً على الحد من إلقاء النفايات البلاستيكية في المحيط، وهو إعلان الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الماضية رسمياً عن حظر هائل للمواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. وأعلن مجلس مدينة «هوبارت» الأسترالية مؤخراً أنه سيحظر استخدام البلاستيك مرة واحدة بحلول عام 2020، كما تعهد مجلس مدينة ونسيستون بالقيام بالشيء نفسه. أما عربياً، فقد أعلنت محافظة البحر الأحمر في مصر عن حظر البلاستيك المُستخدم مرة واحدة، وعدم ترخيص المصانع المنتجة للأكياس البلاستيكية الخفيفة، وذلك بهدف الحفاظ على الحياة البرية والبحرية المهددة بالانقراض نتيجة النفايات البلاستيكية.

أخيراً، صحيح أننا نعيش على اليابسة، لكننا نحتاج للمياه بكل تأكيد، فإذا كان مصدر الحياة على كوكب الأرض ملوثاً، فإن معادلة الحياة بكل تأكيد لن تكتمل.