Reading Time: 5 minutes

مع استمرار ارتفاع حالات الإصابة بمرض كوفيد-19 في العالم، يتسابق الباحثون لتطوير لقاح بسرعةٍ قياسية. في جلسة استماعٍ عقدت في 23 يونيو/ حزيران أمام لجنة الطاقة والتجارة بمجلس النواب الأميركي، أكد «أنتوني فوشي»، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، أنه «متفائل بحذر» بشأن احتمال أن يكون لقاح فيروس كورونا جاهزاً في أوائل عام 2021.

يقول «دان باروش»، مدير مركز أبحاث الفيروسات واللقاحات في مركز ديكونيس الطبي في بوسطن: «عادة ما يستغرق تطوير لقاح لمرضٍ جديد سنوات عديدة، وأحياناً عقوداً من الزمن. محاولة تطوير لقاحٍ لفيروس كورونا خلال عام واحد هو أمر غير مسبوق في تاريخ علم اللقاحات».

حتى الآن، يوجد حالياً أكثر من 145 لقاحاً مرشحاً لفيروس كورونا قيد التجربة مخبرياً في جميع أنحاء العالم. ويعمل باروك وزملائه على لقاحٍ محتمل لكوفيد-19 مع شركة «جونسون أند جونسون» في نيو جيرسي، حيث ستبدأ المرحلة الأولى والمكونة من عدة مراحل من التجارب على البشر في وقتٍ لاحق. في الواقع؛ دخلت عدّة لقاحات مُرشحة بالفعل مرحلة الاختبارات على البشر، بما في ذلك الاختبارات على اللقاحات التي طورها باحثون في جامعة أكسفورد وشركة التكنولوجيا الحيوية «موديرنا ثيرابيوتيكس» في ماساتشوستس.

مع ذلك، يجب على مطوري اللقاح إثبات أنه آمن، ويحمي الناس من المرض المُستهدف قبل أن توافق إدارة الغذاء والدواء عليه. لكن العديد من اللقاحات تفشل في مرحلةٍ ما. إليك كيف يأمل الباحثون في تبسيط هذه العملية المعقدة والمكلفة.

يقول باروش: «الهدف من تطوير لقاح كوفيد-19 هو دفع برامج اللقاح إلى الأمام بأسرع ما يمكن، طالما لم يتم انتهاك الأمن والسلامة العلمية. من غير المقبول تجاوز أي إجراء جوهري؛ مثل القواعد العلمية الصارمة أثناء تطوير اللقاح بهدف الإسراع بتطويره، لأن ذلك من شأنه تعريض حياة المرضى للخطر، ولأن السلامة هي الجزء الأكثر أهمية في أي لقاح -بما في ذلك لقاح كوفيد-19- حتى لو كان تطوير اللقاح يجري في خضم جائحة».

يقول «بروس جيلين»، رئيس برنامج التحصين العالمي في معهد سابين للقاحات في واشنطن العاصمة: «يجب أولاً اختبار اللقاح المرشح الجديد على الحيوانات قبل اختباره على البشر في 3 مراحل من التجارب السريرية. تعمل هذه الاختبارات على تقييم الآثار الجانبية الضارة للقاح، وتقييم الجرعة المناسبة منه، ونوع الاستجابة المناعية التي يُحدثها، ومدى فعاليته عند إعطائه لأعداد كبيرة من الناس. ثمّ بعد أن يحصل اللقاح على الترخيص المطلوب، يستمر الباحثون في رصد نتائجه لمعرفة مدى كفائته بين عموم السكان، وللتأكد من عدم وجود أي ردود فعل نادرة لم تُلاحظ أثناء تطويره».

ويتابع جيلين: «نقوم بذلك مع كل اللقاحات دائماً. وحتى بعد حصولها على الترخيص والاستحسان، هناك أنظمة قائمة تواصل النظر في كل من سلامة وفعالية اللقاح. لكن من العلامات الجيدة تأخر ظهور الأحداث الضائرة (إصابات مردها التدبير الطبي، وليس مضاعفات ناجمة عن المرض) بعض الوقت، فذلك يعني أنها نادرة بالفعل».

تقول «باتريشيا وينوكور»، العميدة التنفيذية لكلية الطب بجامعة «أيوا كارفر»: «أحد المخاوف الافتراضية التي يمكن أن تنشأ خلال هذه العملية؛ هو أنه إذا كان اللقاح يحتوي على مكونات تشبه الجزيئات الموجودة في أجسامنا، فقد يؤدي إلى رد فعل مناعي ذاتي. على سبيل المثال، أوقفت شركة «جلاسكوسميث» المصنعة للأدوية لقاحها المعتمد من قِبل إدارة الأغذية والعقاقير لمرض «لايم» بسبب تقارير نادرة في بدايات العقد الأول من الألفية؛ تفيد بأن اللقاح قد يكون سبباً في بعض حالات التهاب المفاصل. حتى الآن، لم يجد الباحثون أي دليل على أن هذا يحدث بالفعل للأشخاص الذين تلقوا اللقاح».

لقد توصل الباحثون لفكّ تسلسل الجينوم البشري، وكذلك الجينوم الوراثي لفيروس كورونا. تقول وينوكور: «يمكننا اكتشاف ما إذا كان هناك أي بروتينات في الجينوم الفيروسي تشبه تلك التي لدى الإنسان. هذا يساعدنا على وضع تقديرات علمية مؤكدة بأن هذا اللقاح سيكون آمناً على المدى الطويل».

بالإضافة إلى ذلك، تميل اللقاحات المرشحة التي قد تسبب هذا النوع من المشاكل إلى احتوائها على عاملٍ مساند (مُكَوِّن إضافي؛ أو مادة تُضاف إلى اللقاح من أجل خلق استجابة مناعية أفضل). ففي حين أن العديد من اللقاحات المُعتمدة تحتوي على عوامل مساعدة، فإن التحقق من سلامتها يتطلب وقتاً إضافياً على عملية التطوير. وتضيف وينكور: «لكّن تطوير لقاحات فيروس كورونا الأولى المتسارع يبدو أنه يتم دون إضافة مواد مساندة له، لذلك ليس هناك قلقٌ منها».

سيتحقق العلماء أيضاً فيما إذا كان بإمكان لقاح مرشح لفيروس كورونا -في حالات نادرة- إحداث ردّة فعل مناعية قد تؤدي لتفاقم شدة المرض بالفعل إذا أُصيب الشخص لاحقاً بالفيروس. يأتي قلق العلماء هذا من أنّ ذلك قد حدث بالفعل في التجارب السابقة على الحيوانات أثناء تطوير لقاحٍ لفيروس سارس. تقول وينكور: «نحتاج إلى مراقبة احتمال هذا السيناريو بحذرٍ شديد في دراسات اللقاحات السريعة هذه». حتى الآن، لم تظهر لدى القرود التي تلقّت اللقاح الذي طوره فريق أكسفورد وشركة «سينوفاك بايوتك» -التي تتخذ من بكين مقراً لها- أي مؤشرات تفيد بتفاقم المرض بعد إصابتها بالفيروس فعلاً.

هناك أنواع مختلفة من اللقاحات المرشحة لفيروس كورونا قيد التطوير حالياً. إحدى الإستراتيجيات التي قد تسمح للباحثين بتطوير لقاح لفيروس كورونا سريعاً هي استخدام قطع من الحمض النووي (دنا) أو الحمض النووي الريبوزي (رنا) الفيروسي، والتي ترمّز للبروتينات البارزة على سطح الفيروس. يساعد هذا البروتين الفيروس على الالتصاق وإصابة الخلايا البشرية، ويبدو أنه المكون الذي تتفاعل معه أنظمتنا المناعية بشدة، وتؤدي لحصول الاستجابة المناعية المميتة لدى المرضى. هذه القطع الجينية في اللقاح تحث خلايانا على نسخ هذا البروتين بالتحديد، حيث لا يسبب ذلك المرض، ولكنّه يدرّب جهاز مناعتنا على التعرّف على الفيروس الحقيقي إذا أُصيب به فيما بعد.

ونظراً لأن لقاحات الدنا والرنا لا تشتمل إلا على أجزاء من المواد الجينية، فمن المحتمل أن يتم تطويرها وتقييمها من أجل السلامة بشكلٍ أسرع من اللقاحات التقليدية التي تحتوي عادة على شكلٍ ضعيف أو معطل من الفيروس. ومع ذلك، لا يزال يتعين على الباحثين تحديد مدى فعالية هذا النوع الجديد من اللقاحات. فحتّى الآن، لم يُرخص أي لقاح يعتمد على هذه التقنية.

بالرغم من أن كوفيد-19 مرض جديد، إلا أن الباحثين كان لديهم أيضاً خبرة سابقة في تطوير لقاحات مرشّحة لفيروسات تاجية أخرى مثل سارس وميرس. لقد استطاع اللقاح المرشّح الذي طوره باحثو جامعة أكسفورد الانتقال إلى مرحلة التجارب البشرية بسرعة؛ لأن الفريق استخدم تقنية مماثلة سابقاً لتطوير لقاح ميرس، وأظهر بالفعل أنه آمن لدى البشر.

تقول وينكور: «قد تعزز بعض خصائص الفيروس الجديد أيضاً فرصنا في تطوير لقاحٍ له بسرعة. فالفيروسات غالباً ما تكون أقل تعقيداً من البكتيريا أو الطفيليات كتلك التي تسبب الملاريا». وذلك قد يسهل على العلماء معرفة الجزء من الفيروس الذي يُحتمل أنه المكوّن الذي يسبب الاستجابة المناعية القوية لدينا، واستخدامها في اللقاح لحث الجسم على إنشاء أجسامٍ مضادة تحمينا من العدوى مستقبلاً».

وتضيف: «ومع ذلك، لم يحدد العلماء بعد كيف ينبغي أن تكون الاستجابة المناعية التي من المفترض أن تحمي الشخص بفعالية من فيروس كورونا. ولذلك، قد يمثّل إثبات أن لقاحاً مرشحاً لديه القدرة على منع العدوى تحدياً كبيراً. وفي الواقع، سيكون تقييم لقاحٍ طوّر بهذه السرعة صعباً للغاية».

لمعرفة ما إذا كان اللقاح المرشح فعالاً؛ يجب على الباحثين تلقيح عدد كبير من الأشخاص، ثم الانتظار ومعرفة إذا كان انتقال العدوى بينهم أقلّ مقارنة بالأشخاص الذين تلقّوا لقاحاً وهمياً. يقول جيلين: «كلما كان هناك انتشارٌ أكبر للمرض، زادت سرعة تقييمنا لمدى كفاءة اللقاح. سيوفر الوباء بطبيعته العديد من الفرص المحتملة للمشاركين في هذه التجارب للتعرض للفيروس».

هناك أيضا طرق لاختصار الوقت اللازم لتسريع التجارب السريرية على اللقاح المرشح. يقول باروش: «نظراً لأن فيروس كورونا يشكل تهديداً كبيراً على الصحة العامة، يخطط الباحثون لإجراء تجارب سريرية واسعة النطاق بمجرّد الإنتهاء من المراحل الأولى من اختبار اللقاح. حيث عادةً ما ينتظر الباحثون حتى تنتهي تجارب اللقاح الأولية قبل أن يتمكنوا حتى من التفكير في تصميم الجولة التالية من الاختبارات عليه».

ويضيف باروش: «لا يوجد خطرٌ إضافي على سلامة المرضى لأن التجارب السريرية واسعة النطاق على البشر لن تبدأ حتى تتوفر البيانات من التجارب الأولية. ولكن الفارق الزمني بين الانتهاء من المرحلة الأولى من التجارب وبدء المرحلة التالية قد يمتد من أيامٍ وحتّى سنوات».

يمكن تسريع عملية إنتاج اللقاحات على نطاقٍ واسع استجابة للجائحة. يقول باروش: Jفي الواقع، بدأت العديد من الشركات في إنتاج اللقاحات بكمياتٍ كبيرة حتى الآن، وذلك قبل أن يكون لديها أي مؤشرٍ على فعاليتها. فمن خلال استعداد هذه الشركات لتحمل المخاطر المالية، يمكن تسريع العملية بشكلٍ لم يحصل من قبل».

بالرغم من أن الباحثين يبذلون جهوداً جبارة، ويعملون بسرعة فائقة لتصميم وتقييم اللقاحات المحتملة لفيروس كورونا، فإن جهودهم قد لا تؤتي ثمارها فوراً. يقول باروش: «من الممكن نظرياً أن يكون اللقاح جاهزاً للحصول على الموافقة على استخدامه في حالات الطوارئ بحلول هذا الشتاء، ولكن ذلك ليس مضموناً بأي شكلٍ من الأشكال. في هذه الجائحة، إذا أردنا الحصول على لقاحٍ فعّال بهذه السرعة، يجب أن يُظهر كفاءته من المرة الأولى، ولكن كما تعرفون، في العلم والطب، قد لا ينجح كلّ شيء من المرة الأولى».

وحتى إذا أصبح لقاح فيروس كورونا جاهزاً في وقت قياسي، فمن غير المرجح أن تكون هناك جرعات كافية لتلبية الطلب العالمي الهائل عليه على الفور. في النهاية، سنحتاج غالباً إلى لقاحٍ متوفر على نطاق واسع لإنهاء جائحة كورونا. وبينما ننتظر هذا اللقاح، يمكننا على الأقل استخدام تدابير مثل ارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي كلما أمكن ذلك لمنع انتقال الفيروس.

يقول جيلين: «أنت تريد حماية الأشخاص باستخدام اللقاح في أسرع وقت ممكن، ولكن إذا كان عليهم الانتظار، فلا تزال هناك طرق يمكنهم من خلالها حماية أنفسهم».