Reading Time: 2 minutes

قبل 99 مليون سنة، كان العالم مختلفاً تماماً عن الآن. كان الوقت منتصف العصر الطباشيري تحديداً، حين كانت الديناصورات تجوب الأرض في قطعان، والطيور آكلة اللحوم قد بدأت تعلّم الطيران للتو، والغابات خضراء تتكون أغلبها من شجيرات السيكاس مروحية الأوراق، وشجرة الجنكة المورقة. في ذلك الوقت، تفتّحت أولى الأزهار في تاريخ الأرض.

 في مرحلة ما من ذلك الوقت؛ زارت خُنفساء صغيرة إحدى تلك الأزهار. ثمّ بعد أن حملت حبيباتٍ صغيرة من حبوب اللقاح ولسوء حظها؛ طارت وحطّت على الشجرة الخطأ في مكانٍ منها يحتوي على الراتنج -مادة صمغية تفرزها الأشجار- فالتصقت الخنفساء وحوصرت في قطرات الراتنج وماتت فيها، ثم ما لبث الراتنج أن تصلّب إلى عنبر، وحفظ الخنفساء عبر آلاف السنين وصولاً إلى زمننا هذا ليكتشفها البشر أخيراً. 

حسب دراسةٍ نُشرت في دورية «PANS»، فقد ساهمت هذه الحشرةُ المُكتشفة والمغطّاة بحبوب اللقاح في سدّ فجوةٍ تاريخية في السجل الأحفوري، وزاد زمن بدء الحشرات في تلقيح الأزهار 50 مليون عام عمّا كان يُعتقد سابقاً.

يقول «ديفيد ديلشر»، عالم الحفريات والأستاذ الفخري في جامعة إنديانا الأميركية: «أثبتت لنا هذه الحفرية أخيراً ما كنا نفترضه نظرياً، أو ما كنا نعتقد أنه يجب أن يكون. فقبل هذا الاكتشاف، لم يكن هناك أي دليلٍ حفري على العلاقة المبكرة بين الحشرات والنباتات».

في الواقع؛ قضى «ديلشر» نفسه خمسة عقودٍ وهو يبحث عن «الزهرة الأولى في التاريخ». ولفهم الأمر بشاعريةٍ أقل؛ كان ديلشر يعمل على فك شفرة أصل وتطوّر النباتات المُزهرة، إذ تعتبر الحشرات في هذا الإطار عاملاً مهماً لا غنى عنه.

 في عام 1998، ساهم ديلشر في توصيف ما قد يكون أحد أوائل النباتات المزهرة المعروفة في تاريخ الأرض، تحديداً نباتٌ من جنس «أركافركتس- Archaefructus»، وهو منقرضٌ وظهر في أوائل العصر الطباشيري ويتميّز بساقٍ طويلة وأزهارٍ دون بتلات – جزء من الزهرة – بينما كانت النباتات المُزهرة الأخرى التي انتشرت في أواسط العصر الطباشيري مشابهة لنباتات المغنوليا والحوذان والغار( لكنها لم تكن تشبهها بطريقةٍ ما). وسرعان ما شهدت هذه النباتات المُزهرة البسيطة تطوراً وتوسعاً كبيراً في أنواعها.

وحتّى عندما اكتشف ديلشر هذه الزهور المتحجرة، عرف أنّ هناك صورةً أكبر من المشهد لم يستطع تبيّن تفاصيلها من خلال هذه الحفريات لوحدها. يقول: «قلتُ، حسناً؛ لا بدّ أن هذه الأزهار وُجدت لكي تجذب الحشرات، لكن لم يكن لدينا الدليل لإثبات أن الحشرات كانت تزورها بالفعل».

كان ديلشر قبل بضع سنوات في مؤتمرٍ علمي يعرض الحفريات المُكتشفة والمحفوظة في العنبر، والتقى به أحد علماء الحفريات والذي سيتعاون معه في المستقبل «بو وانغ»، وعرض عليه قطعةً من العنبر تحتوي على حشرةٍ مغطّاةٍ بحبوب اللقاح، علم حينها ديلشر أنه الدليل الذي طالما بحث عنه لإثبات فرضيته. كانت الحشرة عبارةً عن خنفساء صغيرة ذات جسمٍ منحني، ورأسٍ متجه للأسفل، ولها رجلان خلفيتان ضخمتان. في الحقيقة لم تكن مغطّاةً بالصدفة بحبوب اللقاح، لقد كان جسمها مصمماً بالفعل للقيام بحمله للأزهار الأخرى.

لقد بدأت العلاقة بين الأزهار والحشرات في التطور منذ ملايين السنين. فقد طوّرت الأزهار سريعاً ألواناً جميلةً لافتةً للنظر كما لو أنها كانت تقول للحشرات: «أنا هنا، ألست جميلةً؟»، بالإضافة إلى ذلك طوّرت رحيقاً حلو المذاق وروائح عطريةً لنفس الهدف. لاحظت الحشرات- في سياق عملية التطور- ذلك المشهد الجميل الذي تفوح منه الروائح العطرة الناجمة عن الطعام والمكان المريح الذي تقدمه للتزاوج أو الراحة، ما دفعها لزيارتها مراراً وتكراراً، وأثناء زيارتها تَعلق بجسمها حبّات اللقاح فتحملها معها إلى زهرةٍ أخرى لتلقّحها، مما سمح للأزهار بنشر مادّتها الوراثية لأماكن أخرى مما زاد من انتشارها وتنوّعها بوتيرةٍ سريعةٍ جداً.

عندما ننظر إلى الأزهار، من القرنفل وحتّى زهرة «الجثّة»، سيتبيّن لنا أن الاستراتيجية التي اتبعتها النباتات لحفظ نفسها كانت ناجحةً جدّاً. فحالياً، تنتشر الأنواع النباتات المزهرة التي يبلغ عددها ما يزيد عن 300 ألف نوع في كافة أرجاء العالم، وتوجد في كافة المناخات تقريباً.

يقول ديشلر: «ربّما تتسائل، أيهما أذكى؛ النباتات أم الحيوانات؟ حسناً، أعتقد أن النباتات كانت أذكى حتماً».