Reading Time: 3 minutes

تظهر أبحاث جديدة أن البشر ربما كانوا يدخنون قبل وقت أبكر مما اعتقدنا، إذ حللت دراسة نشرت حديثا في دورية «Science Advances» بقايا كيميائية من أوعية خشبية عمرها 2500 عام، اكتُشفت في آسيا الوسطى، ووجدت ما يعتقدون أنه أقدم دليل على تدخين القنب.

استخدم القنب المزروع منذ آلاف السنين، وزرع لأول مرة في تايوان في حدود 8000 قبل الميلاد تقريباً. لدى علماء الآثار أدلة موثقة تؤكد استخدام الناس في شرق آسيا لبذور الحشيش في صناعة الزيوت، واستخدام ألياف القنب في المنسوجات والملابس، لكن ظل تاريخ اكتشاف آثار النبات النفسية لغزاً كبيراً.

يصرّح «روبرت شبنغلر»، مدير أحد المختبرات التابعة لمعهد ماكس بلانك والباحث الرئيسي بالدراسة الجديدة، في مؤتمر صحفي قائلاً: «إن النقاش ما يزال محتدماً بين علماء الآثار حول كيفية اكتشاف البشر لتأثيرات القنب النفسية. أما الآن -وبفضل عمل هذا الفريق البحثي- بحوزتنا أدلة قوية تظهر أن هذا الاكتشاف ربما حدث قرابة 500 عام قبل الميلاد، وربما كان جزءاً محورياً من ثقافات آسيا الوسطى».

استخرج علماء الآثار 10 أوعية خشبية (أوعية كانت تستخدم لحمل الفحم) من مقبرة جيرزانكال على الحافة الغربية للصين. تقع المقبرة على هضبة بامير، وهي مركز ثقافي يربط الهند والصين وبلاد فارس، التي أصبحت فيما بعد محطة حيوية على طريق الحرير. استخرجت حفريات سابقة في المنطقة بقايا من القنب، واستناداً إلى هذا الاكتشاف، أجرى الباحثون في الدراسة تحليلاً على الآثار المحروقة للقنب التي تُركت على الأوعية؛ ووجدوا تركيزات عالية من الكانابينول، العلامة الكيميائية التي يخلفها حرق رباعي هيدرو كانابينول، على كل منها باستثناء واحد. وقد وفر ذلك ما أسماه شبنغلر «دليلًا قاطعاً» على تدخين القنب في هذه المنطقة.

يضيف شبنغلر خلال حديثه في المؤتمر: «لقد كان البشر يبحثون دائماً عن النباتات ذات المستقلبات التي لها تأثيرات على جسم الإنسان، لذا لا ينبغي أن تكون نتائج الدراسة مفاجئة لأي شخص، لكنها مع ذلك تساعدنا في فهم تطور الممارسات الثقافية عبر الزمن».

يعتقد أن القنب كان يستخدم من قبل ثقافات آسيا الوسطى في الطقوس الجنائزية. كتب «هيرودوت»، المؤرخ اليوناني الذي سافر إلى آسيا الوسطى في القرن الخامس قبل الميلاد، في كتابه «التاريخ»، عن الأشخاص الذين شاهدهم في الخيام وهم يستنشقون دخان الحشيش كطريقة لتطهير أنفسهم بعد دفن الموتى. ويشير كفن تم اكتشافه في عام 2016، وضعت بداخله نباتات القنب حول جسم المتوفى إلى استخدام هذه النبتة في الطقوس الجنائزية، وليس فقط في التدخين.

أشار شبنغلر إلى أعمال التنقيب التي أجريت في ثلاثينيات القرن الماضي في جبال ألطاي القريبة، التي كشفت عن كيس جلدي يحتوي على بذور القنب، إضافة إلى مجموعة من الخيام التقليدية التي كان يُحرق فيها، كواحدة من أولى الأدلة على شهادات هيرودوت. وتُقدم هذه الدراسة أول دليل على أن هذه النباتات أُحرقت بالفعل، وأنها كانت تحتوي على مستويات مرتفعة من رباعي هيدرو كانابينول.

ما يزال العلماء يحاولون تحديد كيفية اكتشاف البشر نباتات القنب التي تحتوي على تركيزات مرتفعة من  رباعي هيدرو كانابينول. في العصور القديمة، كانت أصناف القنّب البرية المنتشرة في تلك الحقبة تحتوي على مستويات منخفضة من مركب رباعي هيدرو كانابينول ذي التأثير النفسي. ما يعنيه هذا هو أن البشر إما زرعوا هذه النبتة لتنتج المزيد من هذا المركب الكيميائي، وإما أنهم صادفوا صنفاً أقل شيوعاً يحتوي بشكلٍ طبيعي على مستويات عالية من رباعي هيدرو كانابينول.

يفسر شبنغلر هذا بكون النباتات التي تنمو في ظروف صعبة وعلى ارتفاعات عالية، مثل أصناف القنب الأفغانية التي تحتوي على نسب مرتفعة من رباعي هيدرو كانابينول، ربما كان لديها من تكيفية النمط الظاهري ما مكنها من التكيف في مناطق محددة، أو أن البشر ربما زاوجوا بين سلالات مختلفة من هذه النباتات؛ لإنتاج صنف هجين يحتوي على تركيز مرتفع من رباعي هيدرو كانابينول. في كلتا الحالتين، تشير هذه الدراسة إلى أن الاستخدام الحديث للقنب كمادة معدلة للمزاج تطور في وسط آسيا، وليس في شرق آسيا، حيث تمت زراعة هذه النباتات لأول مرة بغرض إنتاج الزيوت والمنسوجات.

بينما يواصل العلماء اكتشاف المزيد عن علاقة البشر بالمواد المؤثرة على العقل، ثمة شيء واحد مؤكد: كان القنب يدخن على هذه الأرض منذ آلاف السنين، وسيبقى كذلك في السنوات القادمة.