Reading Time: 4 minutes

كشفت دراسة حديثة أن أشجار النخيل في شمال أفريقيا، هي نتاج عملية تهجين بين أشجار النخيل المزروعة في منطقة الخليج العربي، ونوع مختلف من النخيل البري. ووفقاً للدراسة التي أعدها باحثون من مركز الجينات الوراثية والأنظمة الحيوية، التابع لجامعة نيويورك فرع أبوظبي، فإن أصل أشجار النخيل في شمال أفريقيا يعود إلى أنواع أخرى تنمو في جزيرة «كريت»، وفي مناطق متفرقة في جنوب تركيا؛ وفقاً لتحليل الجينوم لنخيل شمال أفريقيا.

تشير الدراسة التي نشرت في دورية «بروسيدنجس أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينس» في الولايات المتحدة الأميركية، إلى التطور التاريخي لأحد أقدم محاصيل الأشجار المستأنسة في العالم، والذي لا يزال أحد محاصيل الفاكهة الرئيسية في منطقتي شمال أفريقيا والشرق الأوسط. أجريت الدراسة ضمن مشروع جينوم نخيل التمر في جامعة نيويورك فرع أبوظبي؛ والذي بدأ في عام 2012.

تفرّق الدراسة بين مصطلحين متشابكين سياسياً ومتداخلين جغرافياً هما «الشرق الأوسط» و«شمال أفريقيا»، ومن المعتاد دمجهما معاً تحت مسمى الشرق الأوسط. لكن الدراسة تشير بالشرق الأوسط إلى منطقة شبه الجزيرة العربية والعراق والشام وتركيا وجزر شرق البحر المتوسط. أما شمال أفريقيا فيشير إلى ما يشير إليه الاسم، دول شمال أفريقيا العربية.

تحليل جينومي

نخيل, أفريقيا, شمال أفريقيا, دراسات علمية, صحراء

وجد الباحثون عن طريق تحليل الجينوم أن التهجين بين أشجار نخيل التمر ونخيل «فينيكس ثيوفراستي – P. theophrast» -وهي من أنواع النخيل البري التي تنمو في جزيرة كريت، وعثر عليها في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط- هو مصدر للأصول مختلطة والتمييز الجيني للنخيل في شمال أفريقيا.

على مدار سنوات؛ شكّل موضوع أصل أشجار النخيل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لغزاً للباحثين. كان يعتقد في الأعمال العلمية السابقة أن أشجار النخيل من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مختلفة وراثياً -رغم أن أصلهما واحد- لأنها تنتمي إلى نوعٍ واحد هو نخيل التمر «فينيكس داكتيليفيرا – Phoenix dactylifera».

ونظراً لخصائصها المتنوعة التي تشمل أصنافاً تاريخية شائعة مثل «المجدول» و«دقلة النور»، فإن طبيعة تمور شمال أفريقيا قد أدت إلى تساؤلات حول كيفية نشأتها. كانت هناك اقتراحات، على سبيل المثال؛ أن نخيل البلح في شمال أفريقيا قد تم استئناسه بشكلٍ مستقل عن أشجار النخيل في الشرق الأوسط.

اجتمع باحثون من جامعة نيويورك بالتعاون مع علماء آخرين من اليونان وفرنسا وسويسرا والمملكة المتحدة، لحل لغز أصل أشجار النخيل في شمال أفريقيا. تتبع الباحثون تسلسل جينوم عينة كبيرة من أشجار النخيل من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، وكذلك أشجار النخيل من الأنواع البرية ذات الصلة.

وكشفت نتائج الدراسة أن حوالي 5 – 18% من جينوم نخيل التمر في شمال أفريقيا يعود أصله إلى نخيل جزيرة «كريت» البرّي. وأدى تهجين نخيل الشرق الأوسط مع أنواع برية مثل «فينيكس ثيوفراستي» إلى زيادة التنوع الجيني في أشجار النخيل في شمال أفريقيا.

أقدم نخلة تمر

نخيل, أفريقيا, شمال أفريقيا, دراسات علمية, صحراء

أظهرت النتائج أيضاً إمكانية وجود تهجين مع «فينيكس ثيوفراستي» لخلق جينات جديدة، يتم إدخالها إلى أشجار النخيل المستأنسة التي يمكن أن تساعد في توفير أفضل أنواع النخيل، بما في ذلك مقاومة المرض وزيادة المحصول.

تم العثور على «فينيكس ثيوفراستي» حالياً في 10 مجتمعات نباتية في جزيرة كريت، مع عدد من التجمعات بالقرب من شاطئ «فاي»، الذي يعد أكبر غابة نخيل في أوروبا. يمكن العثور على مجموعات صغيرة من «فينيكس ثيوفراستي» أيضاً في مختلف الجزر في بحر إيجه، وفي اليونان القارية وجنوب تركيا.

على الرغم من أن هذا النوع يشبه نخيل التمر المستأنس، إلا أن ثمار نخيل «فينيكس ثيوفراستي» تكون رقيقة وليفية وغير قابلة للأكل بشكلٍ عام. يصنّف الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة نخيل «فينيكس ثيوفراستي» على أنه «شبه مهدد بالانقراض». واقترح الباحثون استناداً إلى نتائج التحليل الجينومي أن نخيل البلح تم استئناسه في البداية في الشرق الأوسط، ربما في منطقة الخليج العربي.

ووفقاً للدراسة فإنه تم العثور على أقدم الأدلة الأثرية على وجود نخيل التمر في جزيرة «دلمة» في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي الكويت خلال العصر الحجري الحديث منذ حوالي 7000 سنة. وفي أثناء انتقال نخيل التمر المستأنس من موطنه الأصلي في شبه الجزيرة العربية؛ تم تهجينه مجموعات من «فينيكس ثيوفراستي» في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

ووفقاً للأدلة الأثرية التي ورد ذكرها في الورقة؛ فإن نتيجة التهجين بين هذين النوعين هي أشجار النخيل التي تنمو الآن في شمال أفريقيا منذ حوالي 3000 سنة.

رسم خرائط جينومية

يقول «ميشيل بوروجانان»، أستاذ علم الأحياء في مركز الجينوم وبيولوجيا الأنظمة في جامعة نيويورك، وقائد الفريق البحثي: «نحن مهتمون باستخدام الجينوم لدراسة تنوع أشجار النخيل، حتى نتمكن من فهم تنوعها الجيني وأصلها وانتشارها عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

ويضيف في تصريح لبوبيولار ساينس – العلوم للعموم: «نحن مهتمون أيضاً برسم خرائط الجينات التي قد تكون مهمة لتحسين زراعة النخيل». كما يوضح أن التهجين يساعد المحاصيل المستأنسة على التكيّف مع البيئات الجديدة، عن طريق الحصول على سمات وراثية جديدة من الأنواع البرية.

يقول بوروجانان: «توفر عملية التهجين لمزارعي النخيل مصدراً جديداً من الجينات للمساعدة في تحسين نخيل التمر كمحصول». كما يوضح لبوبيولار ساينس: «هناك شيء لم يبرزه هو وفريقه في ورقتهم، وهو أن توقيت ظهور نخيل التمر في شمال أفريقيا؛ يتزامن مع نشاط الحضارة المينوية في اليونان، والحضارة الفينيقية في الشام وتونس على البحر المتوسط «لذا من المثير للاهتمام أن نفكر في كيفية قيام هذه الحضارات القديمة، إذ قد يكون لها دور في أصل وانتشار أنواع المحاصيل الهامة في شمال أفريقيا».