Image

لكن ذلك لا يعني أن كل شيء على ما يرام.

Bread assortment تحمينا طبقة الأوزون من الإشعاعات الضارة.
مصدر الصورة: بكسلز

إن المعاهدة الدولية التي أُبرمت منذ ثلاثة عقود مضت، والتي تحثُّ على التخلص التدريجي من المواد الكيميائية المستنفِدة لطبقة الأوزون الحامية لكوكبنا من الإشعاعات الشمسية الضارة، ها هي تؤتي أكلها أخيراً.

وبفضل “بروتوكول مونتريال” الموقَّع سنة 1987، ها هي طبقة الأوزون تواصل تعافيها، وفق “تقييم علمي لدرجة استنفاد طبقة الأوزون” أُجريَ العام 2018، وقد صدر يوم الإثنين من قِبل كل من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.

ويشمل هذا التعافي الحاصل “ثقب” الأوزون الواقع فوق القارة القطبية الجنوبية، حيث نجد طبقة الأوزون هناك رقيقة بشكل اسثنائي، لكنها بدأت تلتئم فعلاً بشكل تدريجي منذ أوائل القرن الواحد والعشرين، ويتوقع أن تلتئم كلياً بحلول العام 2060 وما بعده. ووفق قياسات هذا العام، تمتد الفجوة على مساحة تقدر بحوالي 9 ملايين ميل مربع، مما يعني أنها أصغر قليلاً من مساحة القارة الأميركية الشمالية برمتها.

وفي هذا الشأن يقول بول نيومان (المؤلف الرئيس المشارك في هذه الدراسة التقييمة الجديدة، وكبير العلماء في قسم علوم الأرض بمركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا): “بشكل عام، هذه أنباء طيبة بالفعل”. وقد كان العلماء قد رصدوا بالفعل تناقصاً في الغازات المستنفدة لطبقة الأوزون منذ منتصف التسعينات، وهي مستمرة في الانخفاض منذئذ. ويتابع السيد نيومان قوله: “إن التوقعات المستقبلية إيجابية جداً طالما استمرت الدول الموقعة في الامتثال لبروتوكول مونتريال”.

والأوزون عبارة عن جزيء مكون من ثلاثة ذرات أكسجين (O3)، وهو يحتل منطقتين من الغلاف الجوي. واكتشف العلماء أن 10% من الأوزون في الغلاف الجوي يوجد في طبقة التروبوسفير، التي تمتد من مستوى الأرض إلى ارتفاع حوالي سبعة أميال في الجو. ويعد الأوزون على مستوى الأرض من الملوثات الجوية المتمثلة في الضباب الدخاني المكون من مخلفات عوادم المَرْكبات واحتراق الوقود الأحفوري.

أما المنطقة الأخرى التي يوجد بها فهي طبقة الأوزون ذاتها، التي تعدُّ فاصلاً صاداً بعرض 31 ميلاً يتموضع بشكل طبيعي فوق طبقة التروبوسفير ويحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية البائية القادمة من الشمس، التي تعرف بأضرارها البالغة على الكائنات الحية. وضمن هذا النطاق من الغلاف الجوي، تحدث حلقة من التفاعلات تجري كما يلي: يقسِّم الإشعاع الشمسي الأكسجين الطبيعي (O2) إلى ذرتين مفردتين من الأكجسين، ثم تتفاعل مع غيرها من جزيئات الأكسجين الطبيعية لتشكل الأوزون (O3)، الذي يتحول مرة أخرى إلى أكسجين طبيعي عندما يمتص الإشعاع الشمسي. وتعتبر هذه الحلقة من التفاعلات بالغة الأهمية؛ فمن دونها لم يكن للحياة أن تدبَّ على وجه الأرض إطلاقاً. هذا يعني أنه دون وجود هذا الحاجز الواقي، كان الإشعاع الشمسي سيشقُّ طريقة نحو سطح الأرض، متسبباً في الإصابة بالسرطان والأمراض الجلدية، وإضعاف الأنظمة المناعية للبشر وتدمير النباتات ومعظم الكائنات الحية المائية.

وفي منتصف السبعينيات، اكتشف العلماء أن الغازات الاصطناعية التي تحتوي على ذرات الكلور والبروم (مثل المواد الكيميائية المنبعثة من الثلاجات ومكيفات الهواء وعلب الرذاذ والرشِّ) بإمكانها الصعود والتغلغل في طبقات الجو العليا. وفي تلك الطبقات، تتحول تلك المواد بواسطة الأشعة فوق البنفسجية إلى كلور جذري وبروم جذري يُطلقان سلسلة من التفاعلات التي تدمِّر طبقة الأوزون. وتعني الجذرية في الكيمياء: احتواء إحدى الذرات على إلكترون منفرد، حيث يجعلها هذا شديدة التفاعل، وبالتالي لتحقيق الاستقرار فإنها “تسرق” إلكتروناً آخر من جزيء قريب، وفي حالتنا هذه هو جزيء الأوزون.

وبعد ذلك في سنة 1985، اكتشف العلماء وجود ثقب في طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية يزداد حجمه باضطراد. ونظراً لأننا نعرف أن المركبات الكيميائية التي تحتوي على الكلور -بما في ذلك مركبات الكلوروفلوروكربون- تستنزف طبقة الأوزون، بادرت 46 دولة بالتصرف والحد من الغازات المستنفدة للأوزون، موقِّعة على معاهدة سميت بـ “بروتوكول مونتريال”، وانضمت إليها لاحقاً جميع الدول في الأرض.

وتشمل المواد الخاضعة للرقابة في البروتوكول مركبات الكلوروفلوروكربون، ومركبات الهيدروكلوروفلوروكربون، ورابع كلوريد الكربون، وميثيل الكلوروفورم، وغازات الهالون التي تحتوي على البرومين وميثيل البروميد. وعلى فرض استمرار امتثال الدول الموقعة لـبروتوكول مونتريال، يتوقع العلماء أن تعود معدلات الأوزون في نصف الكرة الشمالي إلى مستوياتها الطبيعية في السنوات التي تلي العام 2030، بينما ستتعافى طبقة الأوزون فوق نصف الكرة الجنوبي فيما بعد العام 2050، أما فوق المناطق القطبية -التي تعد أشدها تضرراً- فمن المتوقع أن تتعافى بعد العام 2060. ووفقاً للتقييم، أدى الحد من المواد الكيميائية المستنزفة لطبقة الأوزون -التي تعد أيضاً غازات دفيئة ضارة- إلى تجنيب البشرية من ارتفاع محتمل لعدة سنتيمترات على الأقل من مستوى سطح البحر.

لكن نيومان يقول إن هذا لا يعني أن الأمور كلها تمضي على ما يرام؛ وذلك لأن بعض المواد المستنفدة للأوزون -مثل مركبات الكلوروفلوروكربون-11 (CFC-11)- تتناقص من الغلاف الجوي بوتيرة أبطأ من المتوقع. وقد أكدت شبكتين مستقلتين من الأبحاث وجود ارتفاع في مستوى الانبعاثات فوق منطقة شرق آسيا منذ العام 2012، على الرغم من أن المصدر الدقيق لهذه الانبعاثات لا يزال قيد التحقيق والدراسة.

وهذا أمر مقلق لأن المركبات الكيميائية التي تحتوي على CFC-11 محظورة بموجب “بروتوكول مونتريال”، وهي عندما تتغلغل في الغلاف الجوي يدوم تأثيرها لعقود من الزمن. فعندما تنبعث هذه المركبات من منطقة ما إلى الجو الآن، يستمر تأثيرها المدمر طيلة أجيال من البشر.

ولتوضيح هذه المشكلة ولرفع الوعي بها، يحتفظ السيد نيومان بعلبة صغيرة من مركبات مختلفة للكلوروفلوروكربون (بالتحديد الكلوروفلوروكربون-12)، وهو نفسه سائل التبريد المستعمل في الثلاجات، الذي يُدعى “فريون”، يحتفظ به في مكان يراه كل من يدخل مكتبه. ومع أن مادة الفلورين 12 كانت تعد تحسناً بالنظر للمواد المُبرِّدة السامة -بل القاتلة في بعض الأحيان- التي كانت تستخدم قبل الثلاثينيات من القرن الماضي، إلا أنها لم تكن أيضاً مادة مثالية كاملة الأوصاف. وبهذا الصدد يقول نيومان: “لو أنني سكبت هذا السائل على أرضية مكتبي، سيظل ما نسبته 5% من مادته معلقة في الغلاف الجوي لثلاثمئة عام من الآن”.

ومما يزيد الطين بلة، أنه بمجرد أن يصل الفلورين إلى طبقة الستراتوسفير العليا، حتى يتفكك بفعل الأشعة فوق البنفسجية مطلقاً ذرات الكلورين. والسيئ في الأمر يتمثل في قدرة ذرة واحدة من الكلورين على تدمير آلاف الجزيئات من الأوزون خلال فترة حياتها قبل أن يُعاد تدويرها وتنزل للطبقة السفلى من الغلاف الجوي، حيث تنهمر معاً بشكل أمطار.

وهذا ما يبرز أهمية التزام الأطراف الموقعة لبروتوكول مونتريال بما نصت عليه المعاهدة، بالإضافة إلى الالتزام بما أضيف إليها من تعديلات أجريت في مدينة كيغالي عام 2016. ويقول السيد نيومان إن كلتا المعاهدتين كان لهما -أو سيكون لهما- عظيم الأثر في تخفيض الانبعاثات الضارة بالغلاف الجوي.

ويتناول تعديل “كيغالي” -الذي سيدخل حيز التنفيذ شهر يناير 2019- المواد الكيميائية التي يجب استخدامها بدلاً عن تلك المحظورة بموجب بروتوكول مونتريال، وتعد المادة البديلة المتمثلة في مركبات الكربون الفلورية (HFCs) -التي عادة ما تستخدم في وحدات تكييف الهواء في السيارات- موادَّ قصيرة العمر مقارنة بمركبات الكلوروفلوروكربون، كما أنها لا تدمر طبقة الأوزون، لكنها تتسبب في إطلاق غازات دفيئة أقوى آلاف المرات من ثاني أكسيد الكربون.

لكن مع دخول “تعديل كيغالي” على بروتوكول مونتريال حيز التنفيذ، بمقدورنا تجنب الزيادة العالمية لدرجة حرارة سطح الأرض في نطاق يتراوح ما بين 0.2 إلى 0.4 درجة مئوية، وذلك وفق التقييم العلمي.

وبما أن درجة حرارة سطح الكوكب ازدادت بالفعل بمقدار درجة مئوية واحدة خلال القرن الماضي، كما أن الدراسات أشارت إلى مُضيِّها في الارتفاع درجة أخرى أو أكثر بنهاية هذا القرن، فإن الدراسة تشير إلى أن العوائد التي ستنجرُّ على البشرية بتجنب استخدام هذه المواد ستكون منافع جمة ونتائج “جوهرية”.

error: Content is protected !!