Image

استمتع بتناول قهوتك الصباحية مع بعض الثقة والاطمئنان.

Bread assortment نوع آخر من الحبوب المفيدة
حقوق الصورة: بيكساباي

لم يكن هناك أبداً الكثير من الجدل العلمي حول ما إذا القهوة مفيدة للصحة أم لا. نعم، فقد كان الناس مهتمين بها منذ القرن السادس عشر، ولكن مع دراستنا لآثارها، لاحظنا بأن تناول القهوة يميل إلى تحسين صحتك وليس إلى الإضرار بها. وبالطبع فإن ذلك عند تناولها باعتدال.

ولكن الخوف من أن تكون القهوة مضرّة منتشر بشكل كبير، ونتيجة لذلك، يبدو وكأنه كان هناك الكثير من الأخذ والردّ. ففي أحد الأيام تكون القهوة مفيدة للصحة، وفي اليوم التالي تصبح سيئة. وفي الواقع، أظهرت التحليلات واسعة النطاق لأضرار أو فوائد شرب القهوة بأن معظمها تقريباً قد خلُص إلى نتائج إيجابية بشكل واضح، أو على الأقل عدم حدوث أي تأثير على الإطلاق. فالقهوة لن تعالج كل الأمراض التي تعاني منها أو تجعلك تعيش إلى الأبد، ولكن معظم الأدلة تشير إلى أن القهوة هي جزء من النظام الغذائي الصحي.

في مطلع شهر يوليو 2018، ظهرت إحدى هذه الدراسات الضخمة، والتي قامت هذه المرة بدراسة سكان المملكة المتحدة. أراد الباحثون هناك أن يدرسوا كيفية تأثير عادات شرب القهوة على الصحة العامة، وذلك بقياسها من خلال مؤشر إحصائي يُدعى “معدّل الوفيات العام بغض النظر عن الأسباب”. ويعني ذلك بأنهم قاموا بتصنيف الناس حسب عدد أكواب القهوة التي يشربونها يومياً، ثم درسوا فيما إذا كانت تلك المجموعات التي تشرب العدد الأكبر من الأكواب لديها معدّل أكبر من الوفيات أثناء الدراسة. إذا كانت المجموعة التي تشرب ثمانية أكواب في اليوم لديها معدّل وفيات أقل من المجموعة التي تشرب كوبين فقط، فإن ذلك يعني بطريقة ما أن الأشخاص الذين يشربون القهوة بكميات كبيرة كانوا أكثر صحة. وهذا بالضبط ما وجدوه. فعند 502641 مشارك تتراوح أعمارهم بين 38 و73 سنة من الذكور والإناث، كلما كان الشخص يشرب القهوة أكثر، كلما قل احتمال موته. وقد نشر الباحثون نتائجهم في مجلة جاما إنترنال ميديسين (JAMA Internal Medicine) يوم الاثنين، الثاني من يوليو 2018.

لم تكن الاختلافات كبيرة جداً، ولكنها كانت ذات دلالة إحصائية. دعونا نتحدث بالتفاصيل هنا (يمكنك تخطي هذه الفقرة إذا كنت تكره الإحصاءات)، لذلك كن صبوراً من فضلك. عند إجراء دراسة كبيرة قائمة على الملاحظة كهذه الدراسة، يستخدم الباحثون نسبة الخطر لقياس مدى التأثير الذي يمتلكه أحد المتغيرات مثل شرب القهوة. فعلى سبيل المثال، إذا كانت نسبة الخطر في هذه الحالة تساوي 1 فهذا يعني بأنه لا يوجد اختلاف في معدّل وفيات الأشخاص، في حين أن نسبة الخطر التي تبلغ 0.5 تعني أن المجموعة التي شربت القهوة تعرّضت للموت بمقدار نصف ما تعرّض له الأشخاص الذين لا يتناولون القهوة. قامت هذه الدراسة بتقسم المشاركين إلى ست مجموعات: الأشخاص الذين كانوا يشربون أقل من كوب واحد يومياً، وكوباً واحداً، واثنين إلى ثلاثة أكواب، وأربعة إلى خمسة أكواب، وستة إلى سبعة أكواب، وأكثر من ثمانية أكواب من القهوة يومياً. ووجد الباحثون بأن نسب المخاطر انخفضت بشكل عام مع زيادة عدد الأكواب التي يتم شربها، مما يشير إلى أنه كلما ازداد شرب الشخص للقهوة، كلما قل احتمال موته خلال فترة محددة. وكانت نسب المخاطر بالترتيب هي 0.94 و0.92 و0.88 و0.88 و0.84 و0.86. تعتبر جميع النسب ما عدا الأولى ذات دلالة إحصائية، مما يعني بأن الاختلاف بين المجموعات كان قوياً بما يكفي (على الأرجح) ليكون أكثر من احتمال عشوائي.

يمكن لمثل هذه الدراسات أن تخبرنا كيف تبدو النتائج الصحية بالنسبة للأشخاص الذين يشربون القهوة. إنها دراسة قائمة على الملاحظة، حيث لم يقم أحد بالطلب من مجموعات المشاركين شرب خمسة أكواب أو كوبين أو عدم شرب أي أكواب في اليوم، ومن ثمّ التأكد من أن كافة الأمور الأخرى في حياتهم متطابقة، ولذلك لا يمكنهم تقديم أي علاقة سببية حقيقية. ولكن لأننا لن نقوم أبداً بإجراء أي تجربة سريرية يتم فيها وصف القهوة، فإن الدراسات القائمة على الملاحظة هي أقرب الدراسات التي سنتمكن من إجرائها. ولهذا السبب من المهم حشد الكثير من الناس – مئات الآلاف أو حتى الملايين بشكل مثالي – بحيث يمكن التأكد من أن النتائج ليست مجرد حظ إحصائي. فقد يترافق شرب القهوة مع الكثير من العادات الأخرى التي تؤثر على الصحة، أو ربما يرتبط عدم شرب القهوة بشيء ما. فعلى سبيل المثال، قد لا يقوم الأشخاص المصابون بأمراض خطيرة مثل السرطان بشرب القهوة، لكن هؤلاء الأشخاص هم أيضاً أكثر عرضة للوفاة، وهذا من شأنه أن يزيد بشكل مصطنع من معدل الوفيات للمجموعة التي لا تشرب القهوة.

كلما اقتربت أكثر من حبوب القهوة، كلما أصبحت تبدو صحية أكثر.
حقوق الصورة: بيكساباي

قام الباحثون في هذه الدراسة ببحث الميزات الأخرى المرتبطة بشرب القهوة أو عدم شربها – مثل التدخين ووزن الجسم والحالة الاجتماعية الاقتصادية وما إلى ذلك – وحاولوا السيطرة على تلك العوامل لمنعها من التأثير على النتائج. فقد كان يميل شاربو القهوة لأن يكون من الذكور والبيض على سبيل المثال، كما كانوا يشربون كمية أكبر من الكحول وكانوا من المدخنين السابقين. وبشكل خاص، كان الشرب الكثير للقهوة مرتبطاً مع كون الشخص مدخناً حالياً. كما ارتبط شرب كوب واحد إلى ثلاثة أكواب من القهوة مع امتلاك الشخص لشهادة جامعية وكونه من كبار السن والأصحاء كأن يذكر بأنه بصحة “ممتازة”.

تتوافق جميع هذه النتائج مع ما توصلت إليه الدراسات الأخرى واسعة النطاق، وهو أن شرب كميات أكبر من القهوة يميل إلى الارتباط بالصحة الجيدة والوفيات الأقل. وقد أظهرت ذلك دراسة أوروبية أجريت في عام 2017 على 521330 شخص. كما أظهرت دراسة أخرى أجريت في عام 2012 وشملت 5148760 شخص أميركي نفس الارتباط العكسي. وخلصت دراسة أجريت في عام 2017 وركّزت على السكان غير البيض في الولايات المتحدة إلى أن شرب القهوة يرتبط عموماً بخطر أقل للوفاة.

وتعدّ هذه الدراسة في معظمها مماثلة لبقية الدراسات باستثناء شيء واحد، وهو أنها بحثت في الاختلافات الجينية في استقلاب الكافيين. إذ أكد أحد الأبحاث الحديثة نسبياً وجود بعض الطفرات التي تجعل الأشخاص يستجيبون للكافيين بطرق مختلفة. ويعتقد الباحثون بأن هذا قد يفسر جزئياً سبب تمكّن بعض الناس من شرب الكابتشينو بعد العشاء ثم النوم دون مشاكل، بينما يجب على الآخرين التوقف عن شرب القهوة بعد الرابعة مساءً.

استخدم الباحثون في المملكة المتحدة قاعدة بيانات كبيرة تحتوي على المعلومات الجينية للمشاركين لدراسة فيما إذا كانت بعض المتغيرات ترتبط مع نتائج صحية أفضل أو أسوأ. ولعل المشاركين الذين يستجيبون بسرعة وسهولة للكافيين سيبدون نتائج أسوأ، ولكنهم لم يكونوا متأكدين. ولكن حتى عندما قام الباحثون بدراسة 400 ألف شخص ممن كانت بياناتهم الجينية موجودة، فإنهم لم يجدوا فرقاً في النتائج بين أولئك الذين تجعلهم جيناتهم معرّضين لحساسية الكافيين وأولئك الذين لم يكونوا معرّضين لذلك. أي عبر المتغيرات الجينية، كان أولئك الذين يشربون كمية أكبر من القهوة يميلون إلى التعرّض لخطر الموت بشكل أقل.

من غير المستغرب إلى حدّ ما أنهم وجدوا أن أولئك الذين يمتلكون درجة أعلى من “استقلاب الكافيين” – أي الذين يقومون باستقلاب الكافيين بشكل أسرع – يميلون إلى شرب كمية أكبر من القهوة.

إذا كنت أحد الأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول على أكثر من كوب من القهوة دون التعرّض للتوتر والاهتياج، ولكنك ترغب بشرب القهوة، فلا تقلق، حيث أن بإمكانك شرب القهوة منزوعة الكافيين والحصول على الفوائد الصحية. إذ وجدت هذه الدراسة كغيرها من الدراسات بأن محتوى القهوة من الكافيين لم يغيّر من خطر الموت. وحتى القهوة سريعة التحضير تبدو فعّالة، على الرغم من أن الباحثين لاحظوا بأن الارتباطات الخاصة بالقهوة المطحونة التي تحتوي على الكافيين كانت “أقوى بشكل عام”. ويُذكر أن الباحثين غير متأكدين من مكوّنات القهوة التي يبدو بأنها تعزز الصحة، لكن العلماء في هذه الدراسة أشاروا إلى أنها توفر المزيد من الأدلة على أن المكوّن السري ليس هو الكافيين. وقال كريستوفر غاردنر – وهو أستاذ جامعي يقوم بدراسة الارتباطات بين الغذاء والصحة في مركز ستانفورد لأبحاث الوقاية – في حديثه إلى الراديو الوطني العام (NPR) بأن السرّ قد يكمن في العديد من المركبات الغنية بمضادات الأكسدة في القهوة. واقترحت إحدى الدراسات التي نُشرت في عام 2005 في مجلة جاما (JAMA) إلى أن الأمر قد يرتبط بالمركبات التي تقلّل من الالتهاب ومقاومة الأنسولين، مثل مركبات الليغنان  والكينيدات والمغنيسيوم.

وبالطبع، لا يعني ما سبق ذكره بأن القهوة ليست مادة مُسبّبة للإدمان أو أن النساء الحوامل يجب أن يتناولوها بكثرة (توصي الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد بعدم تناول أكثر من 200 ملليغرام في اليوم، أو حوالي كوبين من القهوة). فالكافيين هو أحد المنبهات، وعلى الرغم من أن “الكمية الكثيرة منه” تعتمد على عملية الاستقلاب لديك، إلا أن الإفراط منه يمكن أن يؤدي إلى الصداع والتهيّج والأرق وتسرّع ضربات القلب وارتعاش العضلات. بالإضافة إلى أنه يمكن أن يحرمك من النوم. توصي مؤسسة مايو كلينك بالحدّ من تناوله إلى نحو 400 ملليغرام في اليوم لهذا السبب. كما أنه لا يعني بأنه يمكنك وضع الكثير من السكر والكريما دون أن يكون لها آثار صحية سلبية أخرى، مثل السمنة أو أمراض القلب. ولكن هذا يعني بأن الشخص العادي يمكنه شرب قهوته متوسطة السكر وقليلة الكريما بطمأنينة، رغم أننا كنا نعرف ذلك مسبقاً.

error: Content is protected !!