Reading Time: 3 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


ربما من السهل نسيان أن مهمة أبولو 11 لم تكن فقط متعلقة بالعلم والسياسة، ولكنها كانت متعلقة بالميتافيزيقيا أيضاً. كان الناس مجبرين على التعامل مع قمر جديد كلياً. وتساءل العديدون عما إذا كان الغموض الأزلي المرتبط بالقمر سينجو من برودة وقسوة العلم أم لا.

ماذا سيفعل العاشقون إذا جعلهم التحديق في السماء يفكرون بالصخور بدلاً من مشاعر الرومانسية؟ هل ستخسر البشرية شيئاً ثميناً عن طريق تطبيق التكنولوجيا على الخرافات والأساطير؟

إن التصورات المتغيرة عن القمر يمكن رؤيتها في صفحات المجلات الشعبية. نشرت مجلة «ذا أستراليان وومنز ويكلي»، على سبيل المثال؛ قصصاً وأعمدة وقصائد شعرية عديدة عن القمر. في ثلاثينيات القرن الماضي، شاعت القصائد التي تصور القمر على أنه غامض وأنثوي. ومع قدوم سنة 1946، بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ العلم (والهجاء) بالتسلل إلى القصائد.

في هذا المقتطف من قصيدة للشاعرة والمراسلة الحربية الأسترالية «دورثي درين»، يرثي القمر رجل يقف هناك لأنه اضطر إلى إهمال العشاق والشعراء وكتّاب الأغاني بسبب اهتمامه المتزايد بالعلم:

«لطفاً قُل لكل العلماء،

أنني منهك..

وأتمنى

أن يتركوني وحدي مع فوهات البراكين خاصتي».

الفضاء, القمر, كتب علمية, كتب

كتاب «د. سبيس جانك ضد الكون: علم الآثار والمستقبل»، أليس جورمان

في هذا الوقت بعد الحرب العالمية الثانية، كان الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة يطورون صواريخاً لإطلاقها إلى الفضاء. بدأت حينها الحرب الباردة بالتصاعد. وبعد مدار الأرض، الهدف التالي كان القمر. إمكانية الوصول للقمر وضعت العلم وجهاً لوجه مع الثقافة. يرثي كاتب غير معروف -في صفحات صحيفة «ذا ويكلي» عام 1957- قائلاً: «وداعاً أيها القمر الرومانسي .. العشاق المساكين: القمر أسود، حارٌ ومليء بالغبار».

كان علم القمر يبدد الضوء اللؤلؤي المثالي الذي أسبغ جمالاً أثيرياً، وألهم تأملات عن الأشياء التي تفوق الوصف.

القمر المحبوب من الأطفال الصغار كان كاتم أسرار العشاق أيضاً، ولكن هذه المكانة تهددت أيضاً بسبب وحش المراقبة السوفييتية. يسأل الكاتب المجهول نفسه: «كيف سيتمكن العشاق إذاً من التحديق بحرّية في القمر دون أن يفزعوا ويهمسوا لأنفسهم: سيصعد أحد لهناك في أي لحظة؟». هذه الصورة بينت القمر كخائن لأسرار العشاق، إذا وصل الروس إلى القمر أولاً. وبالفعل فقد وصلوا أولاً. في 1959 أصبح المسبار الآلي «لونا 2» أول جهاز بشريّ يصل إلى القمر، ناثراً ميداليات خماسية مختومة بـ «اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية 1959» أثناء تحطمه.

بعد إرسال مهمة أبولو 8 للدوران حول القمر صوراً لسطحه في 1968، كتب كاتب الأعمدة في صحيفة ذا ويكلي، «روبن أدير» حول ضرورة تغيير الأفكار القديمة حول القمر:

«كما بين أحد أسياد الموسيقى، ماذا أصنع بالتسجيلات وأوراق الموسيقى التي تحتوي «أيها القمر الأزرق، رأيتك تقف وحيداً … عندما قال رائد الفضاء لوفيل، أيها القمر، رأيتك تقف في الأسفل، بلونك الرمادي المبيض، مثل رمال الشاطئ غير النظيفة … ؟»

وفقاً للصحفية «كاي كيفني»، هذا التشبيه جعل «ألف شاعر يتقلّبون في قبورهم».

كان أدير ينتقد مجموعة احتجاج أميركية تسمى «ارفعوا أيديكم عن القمر»، كانت تتمنى أن تُبقي القمر ببساطته القديمة كرمز رومانسي. مع ذلك، اعترف أدير قائلاً: «سيفقد القمر غموضه وروعته إذا أصبح الناس يتجولون على سطحه».

«كان القمر ساحة معركة لا بسبب أيديولوجيات الحرب الباردة بين الاشتراكيين والرأسماليين فحسب، بل لتحديد أي من الثقافات ستتحكم بالكون»

كل هذا المزاح أخفى قلقاً جدياً. وصف الكيميائي والكاتب «سي بي سنو» التفاوت بين مفهوم العلم عن القمر، ومفهوم الرومانسية عنه في مقالته المهمة «الثقافتان» عام 1959. حاجج سنو أن العلم كان في صعود، وأن العلم والثقافة التقليدية للأدب والفن لم يفهموا بعضهم، مما أضرّ بهما. وأضاف:

«كان هناك المثقفون الأدبيين في قطب، والعلماء في قطب آخر، وبشكل خاص علماء الطبيعة. بين القطبين هوة من عدم التفاهم المتبادل، وأحياناً (خصيصاً بين صغار السن) عداوة ونفور، ولكن أكثر من كل شيء، كان هناك غياب للتفاهم».

بطرق عدة، القمر كان ساحة معركة لا بسبب أيديولوجيات الحرب الباردة بين الاشتراكيين والرأسماليين فحسب، بل لتحديد أي من الثقافات ستتحكم بالكون. وبحلول شهر مايو/ آيار سنة 1969، كانت المواجهة حتمية. ادعى عنوان رئيسي في صحيفة ذا ويكلي: «في غضون أسابيع، سيتحول الخيال العلمي إلى حقيقة واقعة عندما يصل الإنسان إلى القمر».

وبخطوة واحدة صغيرة، تغير القمر والأرض معاً إلى الأبد.

هل كانت مهمة أبولو 11 نهاية قمر العشّاق؟ لا يبدو ذلك صحيحاً. وجد الأشخاص طريقة للتصالح مع عدم انسجام الثقافتين في حياتهم اليومية. لا شك في أن الكثيرين نظروا إلى القمر في الأسابيع التي تلت بتعجب، ووصلوا إلى نفس الاستنتاج الذي وصل له الكاتب الأسترالي «نان موسجروف» الذي كتب في 6 أغسطس/ آب 1969:

«بدا القمر بشعاً جداً في تلك الصور المثقبة المليئة بالفوهات البركانية التي أخذتها أبولو 11. ولكن في ليلة الأحد في السماء بدا جميلاً كما كان دائماً، محاطاً بهالة تظهر من خلال الغيوم».

لم يكن يضطر أحد للاختيار بين القمرين، ولم يكن هناك شرخ كبير بين العلم والفن بسبب الوصول إلى القمر. ربما، على عكس ذلك، فهذه الحادثة قد قربتهم من بعضهم أكثر.

       اقرأ أيضاً: ألهذا نحب القمر: مجاله المغناطيسي حمى غلافنا الجوي قديماً


نُشرت هذه القصة في «إم آي تي بريس ريدر». أليس جورمان هي رائدة في المجال الناشئ لعلم آثار الفضاء، وعضو بارز في المعهد الأميركي للملاحة الجوية والملاحة الفضائية، وأستاذ مشارك في جامعة فليندرز، بمدينة أديلايد، ومؤلفة كتاب «دكتور سبيس جانك ضد الكون: علم الآثار والمستقبل» المقتبس منه هذه القصة.