Reading Time: 5 minutes

تتمتع مقاطعة تكساس هيل بسكينة خشنة، ولا يكسر سكونها المترافق مع هبوب النسيم سوى حفيف أشجار البلوط وقرقعة أظلاف الأبقار التي تقطع الطريق. ولكن لم تكن الحال هكذا على الدوام، فعندما كان ليندون باينز جونسون (الرئيس الأميركي الأسبق، وابن بلدة ستونوول في تكساس) على قيد الحياة، كان جاهزاً على الدوام لتقويض هذا السكون، خصوصاً إذا كان خلف مقود سيارته المكشوفة الزرقاء.

يُقال إن جونسون كان يقود سيارته ألمانية الصنع بسرعة حول ملكيته، ومن ثم يوجهها نحو منحدر يؤدي إلى نهر بيديرنيلز، وهو يصرخ بركاب السيارة أن الفرامل قد تعطلت وأنه لا يمكن إيقاف السيارة. وكانت السيارة تقتحم المياه مع هلع ضيوفه قبل أن يدركوا ما يحدث فعلاً: فقد كانت سيارة جونسون الصغيرة برمائية.

قامت شركة برلين ميكانيكس ببناء 3,878 سيارة برمائية ما بين العامين 1961 و1968، تسابق على شرائها الأميركيون المحبون للماء، بما فيهم جونسون. وعلى الرغم من أن هذا الإنتاج كان محدوداً -حيث إن فورد تبيع يومياً 2,472 شاحنة بشكل وسطي- إلا أنه لا يزال أكبر إنتاج للسيارات البرمائية حتى تاريخه. وبعد أن بلغت هذه الموضة ذروتها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية -حيث كان من السهل تخيُّل السيارات البرمائية في كل مرفأ وأمام كل بيت- تلاشت بالتدريج بسبب المشاكل الهندسية والصعوبات العملية. ولكن الخبراء يقولون إن هذه السيارات قد تشهد عودة قوية.

ليندون جونسون يقود سيارته البرمائية في 1965.
مصدر الصورة: ويكيبيديا

يعود أول إنتاج للسيارات البرمائية إلى النازيين؛ فقد أنتجت فولكس فاجن 14,265 سيارة شويم فاجن (أي: العربة السابحة… ليس بالاسم الذي يدعو للدهشة) ما بين 1942 و1944. لكن هذه السيارات لم تشهد الكثير من المعارك، ولكن مجرد وجودها كان كافياً لإطلاق حملات تهجين مماثلة في دول أخرى. وعلى سبيل المثال، بدأت الولايات المتحدة تنتج عربات DUKW سداسية الدواليب، وقد ظهرت هذه الآلة الضخمة -التي كانت تسمى “البطة”- في مبيعات الفائض العسكري. وقد اشترى ميل فلاث من ويسكونسن بعضاً من هذه السيارات، وأخذ يملأها بالسياح، ولاحقاً أطلق شركته duck tour -أي سياحة البط- على مستوى الولايات المتحدة.

وفي الستينيات، ظهرت أولى السيارات البرمائية المخصصة للمدنيين. ووفقاً لسكوت برانر (وهو رئيس شركة جوردن للاستيراد التي كانت من أهم مزودي أمفيكار بالقطع)، فقد كانت سيارة أمفيكار مركبة رشيقة وفعالة، حيث يقول: “كان هناك مقبض على الأرض لتعشيق المروحة الدافعة، وكان يكفي تحريكه إلى الأمام وإفلات القابض حتى تتحرك السيارة في الماء”. كان جونسون يحكم إغلاق السدادة في قعر السيارة، ويشد الترباس الإضافي في كل من الأبواب، وهكذا يصبح جاهزاً لتنفيذ مقلبه الظريف دون أن يغرق. ويضيف برانر: “عندما تريد الخروج من الماء، يمكنك إعادة تعشيق محول السرعة على السرعة الأولى، وإفلات المروحة، وعندما تلامس الدواليب الأرض، تتابع القيادة بشكل عادي”.

أما المشكلة الوحيدة في السيارة، فهي أنها كانت مبنية -وياللغرابة!- من الفولاذ الذي يصدأ إذا تعرض إلى المياه لفترة طويلة، وبالتالي فبحلول السبعينيات والثمانينيات، أصبح الكثير منها في حال مزرية. يقول برانر: “من بين إجمالي السيارات التي صُنعت -والتي لم تصل إلى 4,000 سيارة- ما زال نصفها موجوداً حتى الآن في مختلف أنواع الحالات الممكنة، بما فيها أقل من ألف سيارة صالحة للاستخدام”.

وعلى عكس ما يفترضه التفكير المنطقي، بدأ عدد سيارات أمفيكار الصالحة للاستخدام يتزايد سنوياً، كما يقول برانر: “لفترة طويلة لم تكن هذه السيارات تساوي الكثير، ولكن قيمتها بدأت تتصاعد الآن؛ حيث يعثر عليها الناس مهجورة في حظيرة أو حقل جانبي، ويقومون بصيانتها وإعادة جاهزيتها للعمل”. إذ يمكن التصدي للصدأ باستخدام أجزاء أخرى مصنوعة من مواد عصرية بدلاً من تلك المصوعة من الفولاذ، إضافة إلى تجديد الدهان واستخدام الزيت. ولكن البعض قرَّر أن يستسلم بسبب الفولاذ، ويلجأ إلى السيارات البرمائية الحديثة لتلبية هواياته متعددة الأوساط.

غير أن هذه الهوايات لها ثمنها؛ ففي الولايات المتحدة، يبدو أن هذه السيارات مزدوجة الاستخدام تتملَّص من جميع المؤسسات الحكومية الناظمة للنقل البري والمائي. فمنذ العام 1999، مات 41 شخصاً في حوادث في مركبة البطة في الولايات المتحدة وكندا. وقد عُزيت هذه الحوادث إلى نقص الإشراف والمتابعة، إضافة إلى بعض النواحي الغريبة في التصميم، فنجد مثلاً أن أحزمة الأمان تنقذ المئات من ركاب السيارات سنوياً، ولكنها قد تكون قاتلة في القارب، حيث تمنع الركاب من الهرب في حال انقلابه. وبشكل مشابه، تحمل الكثير من قوارب البطة مظلة لحماية السياح من الشمس، غير أن هذا السقف اللين قد يتحول إلى شبكة عند انقلاب القارب في الماء، مما يؤدي إلى احتباس الركاب حتى لو كانوا يرتدون سترات النجاة.

قارب البطة للتجوال السياحي في الطرقات البرية والمائية في ميسوري.
مصدر الصورة: ويكيميديا

يعمل تيم داتون على تصنيع تصاميمه البرمائية الخاصة في المملكة المتحدة منذ 1989. وعندما سألته عن سبب عدم انتشارها بين جميع الناس، قال لي إن المسألة ليست تقنية: “لقد حللنا جميع المشاكل الفنية في السيارة”. وعلى العكس من سابقاتها من منتصف القرن الماضي، فإن مركبات داتون مصنوعة من الألياف الزجاجية المتينة والخفيفة، وهي من المواد الشائعة في بناء القوارب العصرية، وقد تم استخدام المطاط العصري والبلاستيك عالي الجودة لسد الفجوات، كما أن المروحة التي يبلغ قطرها حوالي 20 سنتيمتراً موضوعة ضمن مستوعب خاص كما في حالة الدراجات المائية.

أما الشيء الوحيد الذي لم يتغير منذ زمن الرئيس جونسون، فهو السرعة؛ حيث كانت أمفيكار تصل إلى حوالي 113 كيلومتراً في الساعة على اليابسة، ولكنها كانت تسير بسرعة أقل من 10 كيلومترات في الساعة على الماء (أو 5 عُقَد). يقول داتون عن مركباته: “السرعتان فيها متطابقتان تماماً الآن”. ويعود هذا إلى تصميم بدن القارب. حيث إن البدن ذا المقطع المدبب هو الأسرع، فهو يسمح بحركة رشيقة على سطح الماء، يليه التصميم شبه المسطح، ومن ثم البدن المسطح المستخدم عادة في العبّارات والسيارات البرمائية، وهو يتميز بالثبات والبطء النسبي. يقول داتون: “مهما كان المحرك المستخدم مع مركبة مسطحة البدن، فلن تتجاوز سرعتها 10 كيلومترات في الساعة”.

ويعتمد المتنافسون في مجال السيارات البرمائية على أساليب متنوعة، مع نتائج متفاوتة، فمثلاً قام مايك ريان من شركة سي رودر بتحويل أجسام سيارات عادية -بدءاً من الشاحنات وصولاً إلى اللامبورجيني- إلى مركبات مائية جيدة حققت انتشاراً واسعاً على إيباي. ومن 2002 إلى 2003، قامت شركة في نيوزيلندا بإنتاج سيارة جيبز أكوادا بنجاح كبير، فقد بلغت سرعتها المائية حوالي 50 كيلومتراً في الساعة، واستخدمها الملياردير البريطاني الشهير ريتشارد برانسون لتحقيق رقم قياسي جديد في عبور القناة الإنكليزية، حيث قطع المسافة من الساحل إلى الساحل خلال ساعة واحدة و40 دقيقة و6 ثوانٍ. ولكن -وعلى غرار سيارة رينسبيد سبلاش السويسرية- فقد كانت أكوادا عبارة عن سيارة تجريبية محدودة الإنتاج، ولم تصل إلى مرحلة الإنتاج واسع النطاق.

وما زال التقليديون في مجال الآلات يتنقدون هذه القوارب المدولبة وكأنها سيارات طائرة، في حين يستمر سكان المناطق المحيطة بالبحيرات وأصحاب التوجهات المستقبلية بالترويج لها. يقول برانر (مزوّد قطع السيارات): “كان رب عملي يشعر بالانزعاج عندما يسمع أحداً يقول إن هذه المركبات ليس سيارات جيدة أو قوارب جيدة”، ولكن “نظراً لاجتماع الكثير من المتطلبات التصميمية المطلوبة فيها، كان لا بد من بعض التضحيات”. ويكفي النظر إلى شكل السيارة لفهم قصده، ويوضح داتون هذا بقوله: “إن شكل سيارة أمفيكار من الناحية العملية لا يختلف عن شكل القرميدة، ولكنها قرميدة جذابة. فعندما تصمم قارباً، يجب أن تضيف مقدمة مستدقة حتى تخترق الماء بسهولة، ولكن ليس من الممكن أن تضيف مقدمة كهذه إلى سيارة حتى لا تبدأ باختراق المشاة”.

وبغض النظر عن التنازلات، يعتقد داتون وبرانر أن السيارات البرمائية تعتبر إنجازاً هندسياً مستعداً للعمل بشكل كامل. ويراهن داتون بحياته على هذه المركبات، حيث إنه لا يجيد السباحة، وبهذا فهو يأتمنها على حياته في كل مرة يركبها. وهذا ما يجعلنا أمام تفسير واحد فقط لفشل السيارة البرمائية في الانتشار: لا يوجد الكثيرون ممن يحتاجون إليها.

وتبيع شركة داتون حوالي 10 سيارات سنوياً، يُستخدم نصفها تقريباً لأغراض تطبيقية -قد يستخدمها العلماء على سبيل المثال للعمل في الأماكن المائية- أما الباقي فهو لأغراض الترفيه حصراً. وإذا أضفنا إليها سيارات أمفيكار المرممة والمشاريع الإفرادية الأخرى، سنجد أن هواة الانتقال الفجائي ما بين البر والماء لا يتجاوز بضع مئات من الأشخاص.

أما بالنسبة لبقيتنا، فنحن نتدبر أمورنا جيداً باستخدام السيارات والقوارب العادية، على الأقل حالياً، ولكن داتون يتوقع غير ذلك: “سنضطر جميعاً إلى شرائها عندما يتغير المناخ، وستصبح ضرورية بوجود متر على الأقل من مياه البحر في كل مكان”.