Image
Bread assortment تصور محتمل لكوكب الزهرة لو كان غنياً بالماء فيما مضى. مصدر الصورة: ناسا

في روايته عام 1954 التي حملت عنوان “لاكي ستار ومحيطات الزهرة”؛ تخيل كاتب الخيال العلمي إسحق أزيموف وجود بحارٍ تعجّ بالحياة والمدن تحت الماء على سطح كوكبنا المجاور. ومع ذلك لم يستغرق الأمر طويلاً حتى تمكنا من اكتشاف ما الذي يكمن حقاً تحت الغطاء السحابي الكثيف للزهرة.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، اكتشفت المركبات الفضائية التابعة لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (آنذاك) وجود غلاف جوي كثيف وسامّ على الزهرة مليء بغاز ثاني أوكسيد الكربون وسحب من حمض الكبريت. على سطح الكوكب، كانت درجات الحرارة مرتفعة جداً بما يكفي لإذابة الرصاص، وسجل الضغط ارتفاعاً هائلاً قريباً من قيم الضغط التي نجدها في أعماق المحيطات على الأرض.

هذا كله يعني أن الزهرة ليس بيئة ملائمة للحياة على الإطلاق. ومع ذلك فإن الكوكب يشبه إلى حد بعيد كوكبنا الأرضي من حيث الحجم والبنية والموقع لدرجة أنه كثيراً ما يشار له على أنه توأم للأرض. وفي ماضيه البعيد، ربما كان أكثر شبهاً بالأرض، حيث يعتقد العلماء اليوم أن الزهرة ربما كان لديه فيما مضى محيطات ومناخ أكثر اعتدالاً.

تقول سوزان سمريكار، الجيوفيزيائية في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا: “ليس لدى الناس فعلياً إدراك تام لمدى التشابه بين هذين الكوكبين”. وتضيف سوزان: “نسمع الكثير عن كوكب المريخ، وفي الواقع فإن درجات الحرارة على سطحه قريبة حالياً من درجات الحرارة على سطح الأرض. ولكن الزهرة في معظم مراحله التطورية كان أكثر شبهاً بكثير بالأرض”.

وعلى الرغم من هذا التشابه، فقد مضى ما يقرب من 30 عاماً منذ أن أرسلت الولايات المتحدة آخر بعثة إلى الزهرة. تعتقد سمريكار وزملاؤها من الباحثين المتخصصين بكوكب الزهرة أنه حان الوقت لنعود إليه من جديد. يقول هؤلاء الباحثون إن الزهرة قد يسلط الضوء على تاريخ الأرض، وما هي الشروط التي يحتاجها كوكب ما ليصبح صالحاً للسكن، وما إذا كانت الكواكب البعيدة التي نكتشفها خارج نظامنا الشمسي تتوفر فيها هذه الشروط.

يقول ستيفن كين، عالم الفيزياء الفلكية والكواكب في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد: “إن السعي لفهم الحياة في الكون لا يتطلب فهم الأرض فحسب، بل فهم توأمها أيضاً”.

عالم مختلف

قبل مليارات السنين، تشكّل كل من الزهرة والأرض من مواد متشابهة ضمن حيز متقارب نسبياً فيما بينهما. واصلت الأرض تحولها إلى عالم رطب معتدل ومثالي لاستضافة أشكال الحياة. يقول مايكل واي، عالم الفيزياء في معهد جودارد للدراسات الفضائية التابع لناسا: “إن نشوء الحياة يتطلب الوصول إلى استقرار مناخي”. إن الصفائح التكتونية على كوكب الأرض، والتي تجعل عنصر الكربون يسلك دورته داخل غلافه الجوي وخارجه أيضاً، هي من تجعل هذا المناخ المستقر أمراً ممكناً. عندما تثور البراكين فإنها تطلق غاز ثاني أوكسيد الكربون من باطن الكوكب. يقوم هذا الغاز، والذي يعتبر من غازات الدفيئة، بالحفاظ على الأرض دافئة بما يكفي لاحتضان الحياة. فإذا تراكم ثاني أوكسيد الكربون، سنحصل على كوكب (دافئ) مثل الزهرة. غير أن الأرض تسترجع ثنائي أوكسيد الكربون ببطء عندما ينحل في مياه المطر، ويصب في المحيطات، ويدخل في تركيب الصخور الكربونية مثل الحجر الجيري في قعر البحر. وعندما تتصادم القطع الخارجية من قشرة الأرض وتحتك مع بعضها البعض، تحمل هذا الكربون إلى الوشاح تحت القشرة.

بتعبير آخر، فإن الصفائح التكتونية تلعب دور المنظم الحراري للأرض. كما تقوم قشرة الكوكب المتقلقلة بتدوير مغذيات أخرى أيضاً، مثل الفوسفور، الذي تحتاجه المتعضيات على أنواعها لتبقى على قيد الحياة. يقول كين: “تؤدي حركة الصفائح تحت بعضها البعض إلى إنعاش وتجديد سطح الأرض بشكل مستمر، على حين أن سطح الزهرة عبارة عن كتلة واحدة فقط”.

على الرغم من أن الزهرة يفتقر في الوقت الحالي للصفائح التكتونية، فمن المحتمل أنه كان مشابهاً للأرض في مراحله المبكرة. يقول واي: “حافظت الأرض بنجاح على مناخ معتدل نسبياً لمدة تتراوح ما بين 3.5 و4 مليار سنة”. ونظراً لتشابه الكوكبين في الكثير من النواحي، فهذا يقترح أن الزهرة كان يتمتع أيضاً بمناخ مستقر ومحيطات في مرحلة ما من تاريخه، وفقاً لواي.

في الواقع، يوجد دليل على وجود المياه على الزهرة سابقاً. حيث قامت بعثة بايونير فينوس الأميركية، والتي أطلقت في 1978، بقياس تركيز الديتريوم، أو الهيدروجين الثقيل، على هذا الكوكب. على الأرض، يتواجد هذا النظير بكمية أقل بكثير من الهيدروجين العادي. غير أنه ليس بهذه الندرة على الزهرة بالمقارنة مع الهيدروجين، ما يشير إلى اختفاء كمية كبيرة من الشكل الأخف من هذا العنصر. يقول واي: “إذا وجدت فرقاً كبيراً بين هذه الأرقام، يمكنك أن تستنتج أن شيئاً ما قد اختفى من هذا الكوكب، أي الماء”.

حصلنا على دليل آخر عندما قام فينوس إكسبرس، وهو مسبار مداري أطلق في 2005 من قبل وكالة الفضاء الأوروبية، بقياس الهيدروجين والأوكسجين المتسربين من الغلاف الجوي للكوكب، حيث كانت كمية الهيدروجين تساوي ضعف كمية الأوكسجين، ما يقترح أن العنصرين كانا متحدين معاً على شكل ماء.

تقول لوري جلايز من ناسا: “الزهرة كوكب رائع للغاية، لأنه يجب أن يكون مشابهاً جداً لكوكبنا، وعلى الرغم من هذا فقط تطور ليصبح شديد الاختلاف عنه”.
مصدر الصورة: بابليك دومين

لا نعرف بالضبط كمية المياه التي كانت موجودة على سطح الزهرة فعلياً، وقد تتراوح ما بين مياه بعمق بضعة أمتار تغطي سطح الكوكب بأكمله وصولاً إلى مئات الأمتار أو أكثر، وفقاً لواي. ولمعرفة وضع كوكب الزهرة منذ زمن، استخدم واي وزملاؤه مجموعة من النماذج الحاسوبية لمحاكاة الغلاف الجوي للكوكب. واستنتجوا أنه من المحتمل أن الزهرة كان فيه محيط ضحل ودرجات حرارة مشابهة لحرارة الأرض الحالية، واستمر على هذه الحال لبضعة مليارات من السنوات وصولاً إلى ما قبل 715 مليون سنة تقريباً.

يدور الزهرة بشكل أبطأ من الأرض، وهو ما كان سيجعل منه أكثر صلاحية للسكن. ونظراً لأن اليوم على الزهرة طويل للغاية، فإن الشمس تسخن بعض الأجزاء من سطحه لفترة تصل إلى أشهر كل مرة، وعندها “يصعد الهواء الدافئ بسرعة ويتسبب بنشوء سحابة على مستوى الكوكب كفيلة بحجب معظم أشعة الشمس”، كما يقول واي. ويتابع: “هذا يعني تأمين درع يمكّن الكوكب من البقاء قريباً من نجمه الأم، أي الشمس، بدون أن ترتفع حرارته كثيراً أو تتبخر محيطاته”. يمكن لهذه السحابة أن تؤدي إلى هطول أمطار غزيرة، على الرغم من أنها قد تكون متركزة في المنطقة المواجهة للشمس مباشرة.

غير أن الزهرة بدأ يتمايز عن الأرض، في مرحلة ما من تاريخه، وانتهى به المطاف متحولاً إلى “جحيم لا يصلح للحياة”، كما وصفه واي وزملاؤه في ورقة بحثية نشروها مؤخراً في arXiv. ليس من الواضح ما الذي أدى إلى هذا التحول، وفقاً لواي. أحد الأسباب المحتملة هو تبخر بحار الزهرة بسبب تعرض الكوكب للطاقة الشمسية بشكل أكثر من الأرض، وتفكك بخار الماء في الطبقات العليا إلى أوكسجين وهيدروجين وتسربهما إلى الفضاء. وبدون المياه الضرورية لإضعاف القشرة وتقسيمها، لا يمكن أن توجد الصفائح التكتونية التي نعرفها، وبالتالي ترتفع الحرارة مع استمرار تبخر الماء وتراكم ثنائي أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

يقول واي: “لقد وصل الكوكب إلى مرحلة الدفيئة ولم يعد بالإمكان التراجع عنها. أصبح كل الكربون في الغلاف الجوي، ولا مجال لتخزينه لانعدام المحيطات المائية”.

يا سكان الأرض، خذوا العبرة

يمكن أن نرى لمحة من تاريخ الأرض بالنظر إلى كوكب الزهرة، الذي تحول إلى مكان سامّ وحارق.

عندما دارت بعثة ماجلان حول الزهرة في التسعينيات، التقطت صوراً رادارية لسطح الكوكب، وكشفت وجود مناطق جبلية. تشبه هذه التضاريس الجبال والسهول التي تشكلت من الحمم المتبردة على الأرض، عندما كانت قطع القشرة تتدافع بسبب حركة الوشاح أسفلها، كما قال العلماء في اجتماع الاتحاد الأميركي للجيوفيزياء في ديسمبر في نيو أورليانز. من المحتمل وجود قوى مماثلة على الزهرة، ومن المحتمل أن الحرارة الشديدة على الكوكب تؤدي إلى انفصال قطع صغيرة من الوشاح على عمق ما بين 9.6 و 14.4 كيلومتر. لقد تشوهت بعض من السهول المحيطة بجبال الزهرة، ما يشير إلى أن بعض الكتل من القشرة كانت تتحرك مؤخراً.

ليست هذه القطع بمثابة صفائح تكتونية حقيقية، بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنها قد تكون الخطوة الأولى في العملية. لا نعرف بالضبط كيف نشأت الصفائح التكتونية على الأرض منذ ملايين السنوات، وبالتالي فإن هذه النشاطات الحديثة على الزهرة قد تقدم لنا بعض الدلائل، كما تقول سمريكار.

خريطة لسطح الزهرة بناء على صور ماجلان، بايونير فينوس، وفينيرا 13 و 14.
مصدر الصورة: ناسا

تقول سمريكار أنه يمكن لكوكبنا التوأم أن يساعدنا على فهم الوضع الحالي للأرض أيضاً. ففي السبعينيات، أثبت الزهرة أنه كان هاماً في اكتشاف التهديد الذي تمثله مركبات الكلوروفلوروكربون –مواد كيميائية تستخدم في مثبتات الشعر والمكيفات وغيرها من المنتجات- لطبقة الأوزون. حيث اكتشف مجموعة من الباحثين في هارفارد وإم آي تي أن الكلور يمتلك قدرة كبيرة على تفكيك مركبات الأوكسجين، مثل الأوزون، وذلك أثناء تصميم نماذج حاسوبية للغلاف الجوي للزهرة. وخلال وقت قصير، أدركت مجموعة أخرى في جامعة كاليفورنيا في إيرفين أن كميات الكلور الكبيرة التي نطلقها في الغلاف الجوي لها نفس المفعول على الأرض.

يقدم الزهرة لنا أيضاً لمحة عن المستقبل. فمع مرور الزمن، يزداد سطوع النجوم، ما يعني أن الكواكب التي تدور حولها ستتعرض لكمية أكبر من الطاقة. وبالنسبة لكوكب ذي مياه سائلة ومناخ معتدل، مثل الأرض، فهذا يعني مصيراً مثل مصير الزهرة. يقول كين: “ما أن يتفكك الغلاف الجوي لكوكب ما، تصبح إعادة تشكّله أمراً شبه مستحيل. وقد يكون مثال الزهرة هو المصير النهائي لتطور أي غلاف جوي”. في الواقع، يبدو أن الأرض ستلحق بالزهرة “بشكل محتوم”، وفقاً لكين، ويتابع: “تعتمد الأرض حالياً على توازن دقيق، ولن يدوم هذا إلى الأبد”.

الوجه اللطيف أم الوجه الموحش؟

لقد ازدادت براعتنا في اكتشاف الكواكب البعيدة عن نظامنا الشمسي، بما في ذلك التي تقارب الأرض في الحجم، غير أننا لا نستطيع دراسة غلافها الجوي لمعرفة مدى صلاحيتها للحياة. يقول كين: “حالياً، نحن ندرس بعض الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى، ولكننا لن نستطيع أن نذهب إليها، على الأقل إلى ما بعد بضعة مئات من السنوات. يمثل فينوس تحذيراً واضحاً لنا، فلولا وجوده في نظامنا الشمسي، لكنا افترضنا بسهولة أن الكواكب ذات الحجم القريب من حجم الأرض، والتي نكتشفها خارج النظام الشمسي، صالحة للعيش أيضاً”.

بدلاً من هذا، أدركنا وبدون شك أن هذين الكوكبين الصخريين المتشابهين عن بعد هما في الواقع على طرفي نقيض. تقول لوري جلايز، أخصائية بالبراكين والكواكب في معهد جودارد التابع لناسا: “مع اكتشاف المزيد من الكواكب، يبقى نظامنا الشمسي الأساس الوحيد للمقارنة. وإذا أردنا مواصلة عملية الاستكشاف، يجب أن نكون قادرين على التمييز بين الكواكب الخارجية المماثلة للأرض والمماثلة للزهرة”.

من المحتمل أن قرب الزهرة من الشمس هو السبب الأساسي لتحوله إلى هذا الشكل المختلف جذرياً عن الأرض. ولكن قد تكون هناك عوامل أخرى أخف أثراً أيضاً، مثل افتقار الزهرة لمجال مغناطيسي قوي. يقول كين: “يجب أن نأخذ هذه العوامل بعين الاعتبار، لأنها قد تعني وجود كوكب مماثل للزهرة بين الكواكب التي نكتشفها قرب نجوم أخرى”. إضافة إلى هذا، إذا كان الدوران البطيء للزهرة عاملاً مساعداً للمحافظة على الظروف الصالحة للعيش، فقد يكون من المنطقي أن نقيس سرعة دوران الكواكب الخارجية التي نكتشفها أيضاً.

تقول سمريكار: “يحوي نظامنا الشمسي على صدفة كونية عظيمة، وهي وجود كوكبين متشابهين في الحجم ومتجاورين ضمن النظام الشمسي، ولكنهما على طرفي نقيض من ناحية الصلاحية للعيش. إذ أردت أن تفهم ما يجعل الكواكب صالحة للعيش، يجب أن تجيب على هذا السؤال المهم: لماذا كل هذا الاختلاف ما بين الأرض والزهرة؟”

التخطيط للقيام بزيارة

قد يكون الزهرة أقرب جيراننا، ولكن هناك الكثير مما لا نعرفه عنه. حيث أن الغيوم الكثيفة التي تغلفه تجعل من مراقبته أمراً صعباً، على الرغم من أن بعض البعثات، مثل ماجيلان وفينوس إكسبرس قامت بالتقاط صور رادارية وبالأشعة تحت الحمراء لسطحه. وقد تبين وجود صعوبة أخرى بعد تفحص هذه الصور، وهي افتقار سطح الزهرة للحفر، ما يشير إلى أن هذا السطح جديد نسبياً ولم يتعرض للكثير من الضربات. تقول سمريكار: “على مدى المليار سنة المنصرمة، وربما أقل من هذا، أعيد تشكيل سطح الزهرة بشكل كامل”. من المحتمل أن عدم وجود صفائح تكتونية في الزهرة أدى إلى تراكم الحرارة تحت القشرة، وبشكل دوري، إلى أن يذوب السطح، ولهذا فقد اختفت جميع الأدلة على تكوين سطح المريخ في الماضي.

علاوة على ذلك، فإن الظروف القاسية على الزهرة تؤدي إلى تدمير أي مسبار سطحي خلال ساعات. يقول واي: “إن إرسال البعثات إلى مكان كهذا أمر صعب للغاية، ومكلف وينضوي على المخاطر. التعامل مع المريخ أسهل بكثير”.

يعني هذا أن الحصول على التمويل لبعثات الزهرة أصعب بكثير من بعثات المريخ. تقول سمريكار: “النجاح يجتذب النجاح. فإذا اكتشفت شيئاً مثيراً على المريخ، فلا بد أنك سترغب بمتابعة العمل عليه، وقد مر زمن طويل للغاية على إرسال بعثة إلى الزهرة، لدرجة أن هذا الأمر أصبح شديد الصعوبة”.

ولكن جلايز تقول: “بدأ الدعم لاستكشاف الزهرة بالازدياد”. وقد باشر أكاتسوكي، وهو مسبار مداري لوكالة الفضاء اليابانية جاكسا، بجمع المعلومات حول مناخ الزهرة. وفي السنة الماضية، اقترح علماء ناسا بعثتين لإرسال مسابر إلى الغلاف الجوي للزهرة مباشرة. لم تختر ناسا أية من البعثتين للبقاء في برنامج نيو فرونتييرز، ولكن هذا لم يقلل من حماس سمريكار وجلايز وزملائهما.

كانت سمريكار ستقود بعثة مستكشف أصول الزهرة (فوكس) لدراسة السلوك الحالي للزهرة. وكانت ستستخدم المسبار المداري لمسح سطح الكوكب واستخلاص عينات غازية من الغلاف الجوي. ومن أحد الأسئلة التي كانت سمريكار ستحاول الإجابة عنها، بالاشتراك مع زملائها، ما إذا كانت حفر الزهرة مغمورة بالحمم المتدفقة، والتي تعتبر علامة على نشاط جيولوجي حديث. كما كانوا سيحاولون العثور على آثار غازية لأي نشاط بركاني حديث، مثل طبقات جديدة من المواد المعدنية تتشكل عندما تتعرض الحمم المتدفقة للغلاف الجوي.

حصلت بعثة أخرى تترأسها جلايز، وتسمى دراسة التكوين الحالي للزهرة (فيسي)، على التمويل اللازم لتحسين التكنولوجيا من أجل المنافسات المستقبلية لاختيار البعثات. وتقوم على إرسال مسبارين سطحيين لدراسة الهضبات المرتفعة الأقدم من باقي سطح الزهرة. وقد تكون هذه التضاريس مماثلة للقارات الأرضية، والتي تتألف من أنواع من الصخور تختلف عن قشرتها المحيطية. كان سيتم في هذه البعثة إطلاق ليزر على هذه الصخور لتبخير جزء صغير منها، وقياس المواد المعدنية ضمن البلازما الناتجة والصخور العادية غير المتبخرة. وإذا كان تركيز الهضبات مختلفاً عن تركيز باقي السطح، فقد يعني هذا أن الماء كان له دور في تشكيلها.

هضبة مرتفعة على الزهرة.
مصدر الصورة: ناسا

كانت المركبة الفضائية ستقيس ضمن عملها بعض الغازات مثل الكريبتون والزينون. تقول جلايز: “ما أن تدخل هذه الغازات في الغلاف الجوي أثناء تشكّل الكوكب، فمن الصعب أن تتغير أو تزول. بل ستبقى هناك وكأنها أحفوريات هوائية لتخبرنا عما حدث أثناء تكوّن الغلاف الجوي للزهرة”.

قامت جلايز وزملاؤها ببناء نموذج أولي بالحجم الكامل للمسبار السطحي واختبار قدرته على الهبوط هنا على الأرض. يبلغ عرض المركبة حوالي 14 متر، كما أنها مزودة بمعززات استقرار جانبية الامتداد، مثل أرجل العنكبوت، حتى لا تنقلب بسهولة.

لم تخشَ جلايز وفريقها من الظروف الصعبة على الزهرة. وتقول: “نقوم هنا على الأرض بإرسال أشياء مشابهة إلى أعماق كبيرة في المحيطات ذات ضغط أكبر بكثير مما هو موجود على سطح الزهرة”. كما يمكن أخذ معظم القياسات الأساسية للبعثة في فترة لا تتجاوز الساعتين، وبالتالي لن تتمكن حرارة الزهرة الحارقة من تذويب الإلكترونيات في المسبار قبل أن تنتهي من عملها.

تقول سمريكار: “لا شك في أن استكشاف الزهرة عملية صعبة. ولكن سبق وقمنا بهذا منذ أربعين سنة”. لم نقم بإرسال مسبار إلى السماوات السامة للزهرة منذ بعثات فينيرا وفيجا وبايونير فينوس في القرن الماضي، ولمعرفة ما يمكن أن نتوقعه على الكواكب الخارجية التي نكتشفها بعيداً، يجب أن نذهب في رحلة أخرى إلى هذا الكوكب المجاور. تقول جلايز: “إن العودة إلى الزهرة أمر هام للغاية”.

error: Content is protected !!