Reading Time: 4 minutes

السمنة هي مرض مزمن يتسبب بملايين الوفيات عبر العالم، وتصيب نحو نصف سكّان الولايات المتحدة، وهي مرض لا يتعلّق بمقدار وزنك فقط. بل هناك مجموعة كبيرة ومتنوعة من العوامل التي تتسبب به، من الصحة البدنية والعقلية إلى الوراثة والتربية، جميعها تسهم في انتشار وباء السمنة على المستوى الوطني، بالإضافة للدور الذي تلعبه أنظمة دفاع الجسم البشري بزيادة الوزن من خلال محاولتها «المحافظة على الوزن» كلما كان ذلك ممكناً

يقول الأطباء إن علاج السمنة، مثل أيّ مرضٍ آخر مرتبطٍ بالعديد من العوامل، يتطلب مقاربةً وفهماً أكثر تفصيلاً وتعقيداً. لكّن نظام التصنيف المرضي الذي يستخدمه أخصائيو الرعاية الصحية يتخلّف عن هذا الفهم، مما يؤدي لتدني مستوى الرعاية الصحية المُقدّمة، وذلك ما خلصت إليه ورقةٌ بحثية جديدة نُشرت في دورية «أوبيسيتي جورنال». 

تُعدّ رموز التشخيص مهمةً للغاية. فنظراً لأن الأطباء يلتزمون بهذه الرموز في توصيف ما يقومون به، وشرح المسببات كشرطٍ للحصول على الأموال مقابل ذلك من شركات التأمين، يمكن أن يؤّثر هذا الترميز على طريقة تفكير الأطباء حول المرض، وما هي إمكانية التدخّل التي يمكنهم أن يقدموها. في الوقت الحالي، لا يمكن للأطباء الذين يعالجون السمنة الحصول على مستحقّاتهم سوى بالاعتماد على «رمز تشخيص» بسيط على الفواتير يُشار إليه بـ «E66.0». يقدم التصنيف الدولي للأمراض هذا الرمز الذي يحدد «سبب السمنة بزيادة السعرات الحرارية». وكي يتم التشخيص، يعتمد مقدّم الرعاية الصحية على مؤشر كتلة الجسم لشخص ما كمقياسٍ فقط. لكن مؤشر كتلة الجسم ليس بالضرورة مؤشراً جيداً على كمية الدهون لدى شخصٍ ما، ما يعني أن التشخيص قد يكون غير دقيق.

يقول «تيموثي جارفي»، أحد مؤلفي الدراسة الجديدة: «بالإضافة إلى ذلك (رمز التشخيص)، فالقول بأن الناس يعانون من السمنة المفرطة بسبب «السعرات الحرارية الزائدة»، يساهم في تكوين صورة خاطئة بأن السمنة هي خيارٌ شخصي، مرتبط بنمط الحياة، ولا يشجّع الأطباء على التفكير في السمنة كمرضٍ مزمن، كما بات يُعرف الآن بأنه ناتج عن عوامل معقدة، يمكن أن تختلف اختلافاً جذرياً من مريضٍ لآخر».

يقترح جارفي والمؤلف المشارك في الدراسة الجديدة «جيفري مكانِك»، أخصائي الغدد الصماء في كلية طب «ماونت سيناي»، نظام تصنيفٍ جديد يأملان في أن يتبنّاه التصنيف الدولي للأمراض، والذي تنشره منظمة الصحة العالمية، ليحل محل رمز «السّمنة بسبب زيادة السعرات الحرارية». بدلاً من ذلك، حسب مقترحهم، سيستخدم الأطباء الرمز (إيه بي سي دي) للحصول على مستحقاتهم، والذي يعني «مرض مزمن قائم على السمنة»، والذي يرتبط بأربعة أنواع مختلفة من الرموز المتعلقة بالعلاج.

من شأن اعتماد ذلك النظام المُقترح أن يمنح مقدمي الرعاية الصحية حيزاً أكبر لتوفير الرعاية الفردية، القائمة على الأدلة لمرضى السمنة المزمنة، بدلاً من إخبارهم بأنهم بحاجة إلى إنقاص وزنهم فقط؛ بحسب وصف المؤلفين.

لذلك يقترح جارفي والمؤلّف المشارك في الدراسة تقسيم تشخيص الرمز المقترح إلى 4 رموز محتملة يتبنّاها التصنيف الدولي للأمراض، والتي تشير إلى العلاج الصحّي ذي الصلة والمقدّم للمريض. ستكون الرموز التي تبدأ بـ «إيه» مرتبطة بزيادة الوزن والعوامل الأخرى المرتبطة بالسمنة، والتي تعود أسبابها إلى مشكلة صحية، أو اضطرابات قائمة. ستكون الرموز «بي» مرتبطة بمؤشر كتلة الجسم، بينما ترتبط الرموز «سي» بمضاعفات أمراض القلب أو غيرها من الأمراض التي يمكن علاجها بإنقاص الوزن، ويشير الرمز «دي» إلى مدى خطورة المضاعفات التي قد تحدث بسبب السمنة. في الواقع، يمكن أن تساعد هذه الرموز الثانوية الإضافية في تفصيل العلاج بشكلٍ أكبر. وستكون نتيجة التشخيص أكثر تعقيداً بكثير من مجرّد التشخيص بكلمةٍ واحدة، أي «السمنة»، ولكّن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً قبل أن يبدأ العاملون في مجال الرعاية الصحية -وشركات التأمين بالطبع- بمعالجة السمنة باعتبارها مرضاً مُعقّداً.

 يعتقد جارفي أن تغيير الشفرة لتعكس تعقيد السمنة سيحفّز اخصائيي الرعاية الصحية على القيام بأكثر من مجرد إخبار المرضى بأنّ عليهم إنقاص وزنهم. يقول جارفي: «أنت تعالج مرضاً لتحسين نوعية حياة المريض. وذلك يعني -بالنسبة للمرض المزمن-، منع أو علاج مضاعفات المرض، وذلك ما يحسن حقاً نوعية الحياة. عندما يتمكن الأطباء السريريون من الحصول على مستحقاتهم مقابل الوقت الذي يقضونه في تشخيص المشاكل الرئيسية، والتي تتسبب في السمنة، كالاكتئاب أو عدم القدرة على الحصول على طعام صحي أو بسبب الإصابات التي تمنعهم من الحركة؛ فمن المُحتمل أن يقضوا وقتاً أكبر في معالجتهم، وبالتالي تحسين نوعية حياتهم». 

كما يقول «روبرت كوشنر»، أخصائي طب السمنة بجامعة نورثويسترن، في تصريح له عبر البريد الإلكتروني: «الترميز الحالي للسمنة لا يأخذ في الاعتبار تعقيد المرض كما نفكر فيه اليوم، أعتقد أن نظام الترميز الجديد المُقترح هو خطوة في الاتجاه الصحيح».

لا يُعتبر تشخيص الرموز الأربعة جديداً عموماً، فقد تبنّته الجمعية الأميركية لأخصائيي الغدد الصماء سابقاً من بين منظماتٍ طبية أخرى أيضاً. يقول جارفي: «إذا تبنّى التصنيف الدولي للأمراض هذا التشخيص، سيمثّل ذلك نقلةً نوعية في علاج المرض. فمن شأن الترميز الذي يتناول السمنة كمرضٍ مزمنٍ مرتبطٍ بالعديد من العوامل المعقّدة بدلاً من اعتباره مرتبطاً بالدهون الزائدة؛ من شأنه أن يسمح بدفعِ مستحقّات الرعاية الصحية التي يقدمها الأخصائيون، مقابل معالجة السمنة من كافة الاتجاهات المختلفة. كما نأمل أن يؤدي ذلك إلى نتائج أفضل للمرضى».

أما «ريخا كومار»، المديرة الطبية للمجلس الأميركي لطب السمنة، فتصرّح لبوبيولار ساينس في هذا الصدد: «في الوقت الحالي، سيؤدي ترميز تشخيص المرضى بـ «السمنة» أو أي شيء يحتوي على كلمة السمنة إلى تعويضٍ غير متّسق، أو قد لا يعوّض على الإطلاق. بينما، وبحسب جارفي؛ فقد يشمل الترميز الجديد تشخيص جوانب أكثر من المرض، وأكثر من مجرد وصفه بأنه سمنة، ولكن السؤال هل ستغير هذه المصطلحات فعلياً الممارسة الطبية وتعويضاتها؟.

يحذّر «أريا شارما»، المدير العلمي لـجمعية «أوبيسيتي كندا»، من أن الرموز الجديدة المقترحة سوف تستغرق وقتاً طويلاً حتى تدخل حيز التنفيذ رسمياً. ويقول أن التصنيف الدولي للأمراض على وشك إصدار النسخة 11 من أكواد ترميز الأمراض، والذي يشتمل على تعريفٍ منقّح للسمنة لا يعتبره مرضاً متعدد الأسباب. ويشير شارما إلى أن عملية تبنّي تشخيص الترميز الجديد في التصنيف القادم في نسخته الثانية عشر ستكون بطئية ومعقدة للغاية.

بالرغم من أن علينا الانتظار لنرى فيما إذا كان التصنيف الدولي للأمراض سيأخذ مقترح جارفي وميكانِك بعين الاعتبار في عملية إعادة التصنيف أم لا، إلا أن تغييره ضروري بلا شك. يقول شارما: «ليس هناك شك في أن رموز التصنيف الدولي للأمراض الحالية غير مفيدة».