Image

الرؤية لا تعني اليقين

Bread assortment هل ما زال هناك شيء حقيقي.
حقوق الصورة: بيكسيلز

تَعدِل صورة واحدة آلاف الكلمات. يكفي أن ترى الصورة حتى تصدق محتواها. إما أن أرى الصور، أو لن أصدق أن هذا الأمر قد حدث بالفعل. إن الثقة التي وضعناها في الإشارات البصرية كلها مشفرة إلى لغتنا. ولكن ما الذي يحدث عندما تكون المعلومات البصرية نفسها كذبة؟ ما مدى فعاليتنا في استخراج الحقيقة من الخداع البصري. والجواب هو : فعاليتنا في ذلك ليست كبيرة، وذلك وفقاً لدراسة حديثة نشرت في مجلة: “البحوث المعرفية: المبادئ والآثار”.

وقد وجدت الدراسة أن الناس يستطيعون تحديد كون الصورة زائفة بنسبة 60 في المائة. وحتى عندما يكونون على علم بأن الصورة زائفة، فإن دراسة الأجسام يمكن أن تحدد مواضع التلاعب في الصورة بنسبة 45 في المائة.

والنتائج مهمة لأننا-وفقاً لما لاحظه واضعو الدراسة- نعيش في عالم يتم فيه تعديل الصور بشكل روتيني. وقبل جيل من الآن، كان التلاعب المقنع بالصور صعباً ويحتاج إلى عمل مكثف، هو مجال للخبراء فقط. أما اليوم، ومع بروز التصوير الفوتوغرافي وبرامج التحرير رخيصة الثمن، أصبح بإمكان أي شخص مع القليل من الوقت وإمكانية الوصول إلى جهاز حاسوب أن يجعل المادة المعدلة مقنعة إلى حد معقول. وهذا يعني وسيلة أكثر إمتاعاً لعمل الحيل المرئية على وسائل التواصل. ولكنه أيضاً يمكن أن يغير نظرتنا للواقع، ما يؤدي بنا إلى تصديق أشياء ليست حقيقية.

فعلى سبيل المثال، تم توثيق الرسم بالمرذاذ الهوائي في صناعة الأزياء بشكل جيد في قدرته على تعديل تصورنا عما يبدو الجسم البشري عليه؟ العرَق، والتجعدات الصغيرة، والمسام. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت الصور الزائفة من الميمات السياسية، وساهمت في نشر التضليل، بداعي الحقد أو غيره.

صورة معدلة متداولة على نطاق واسع لابني الرئيس الأميركي ترامب، دونالد جونيور وإيريك. الصورة على اليسار حقيقية. أما الصورة على اليمين فتم تعديلها لتبدو أقل جاذبية.
حقوق الصورة: مصدر مجهول/سي. أليرجري/جيتي إيميجز

تُوهم هذه الصورة المعدلة رقمياً أنها بطاقة جامعية للرئيس الأميركي أوباما عندما كان طالباً في جامعة كولومبيا، وقد استخدمت في محاولة لتأكيد اعتقاد لا أساس له بأن الرئيس الأميركي السابق ليس مولوداً في الولايات المتحدة. وقد فشلت هذه الصورة في اختبار المصداقية: فقد حضر أوباما إلى جامعة كولومبيا عام 1981، بينما لم تصدر البطاقات ذات الرمز الشريطي في الجامعة إلا بعد هذا التاريخ بعقد من الزمن. حقوق الصورة: مصدر مجهول

وقد اعتمدت الدراسة التي قادتها الباحثة النفسية صوفي نايتينجيل، على اختبار على شبكة الإنترنت. وبدأ الباحثون بعشر صور حقيقية من صور جوجل (صور غير متلاعب بها). وقد تعرضت ست صور منها لخمسة أشكال مختلفة من التلاعب بالبيانات، وينتج كل منها 30 صورة إضافية. وقد نتج عن بعضها صور ممكنة مادياً، وبقي بعضها الآخر ضمن حدود المنطق. وقد تضمنت هذه التلاعبات الرسم بالمرذاذ الهوائي، وإضافة وإزالة أشخاص أو أجسام، وتغييرات في درجة الإضاءة، وتغييرات في جغرافية المكان. وتم عرض عشر صور عشوائية لكل واحد من المشاركين الذين بلغ عددهم 707 مشاركين. وكانت الصور العشوائية العشر تحتوي دائماً على كل أنواع التلاعبات الخمسة والصور الخمس الأصلية،دون تكرار لنفس النوع أو الصورة الأصلية. وقد طلب من المشاركين تحديد وثوقية الصور.

وفيما يلي واحدة من الصور المعدلة. بإمكانك أن تحرك الخط الفاصل إلى الأمام والخلف مع الصورة الأصلية. هل يمكنك اكتشاف الفرق؟ سوف نشرح لك الفرق في نهاية المقال.

كان المشاركون أفضل في تحديد كون الصورة قد تعرضت للتلاعب إذا كان هناك شيء ما في الصورة غير قابل للتصديق (تناقضات في الأشكال الهندسية، تناقضات في ظلال الأجسام، أو وجود شيء غير قابل للتصديق تمت إضافته للصورة). لكن ومع ذلك، فإن الأجسام لم تكن بالضرورة شيئاً هاماً في تحديد موضع التلاعب في الصورة. كان الأمر كما لو أن تلك الأنواع من الصور أثارت نوعاً من الإحساس بوجود خطأ ما، ولكن ما يزال مستعرضو الصور يجدون صعوبة في تحديد ما الذي يجعلها مثيرة للريبة.

إن واضعي الدراسة ليسوا متأكدين تماماً من السبب الذي يجعل البشر يظهرون بهذا الضعف في تخمين موضع الخطأ في الصورة. وقد وجدوا أن البشر قد يكون لديهم طرق بصرية قصيرة في أدمغتهم تجعل الدماغ سريعاً جداً في الاتهام. فعلى سبيل المثال، يفهم أكثرنا كيف يجب أن يسقط ظل الأجسام على الأرض، ولكن أدمغتنا غير مصممة للتركيز في موضع الظل عندما ننظر إلى الصورة. فنحن نتجاوز الكثير من التفاصيل التي نراها في الصورة بحيث تستطيع أدمغتنا معالجة المعلومات التي تبدو أكثر أهمية بشكل أسرع. ويخلص واضعو الدراسة إلى أنهم لا يبدون تفاؤلاً كبيراً حول تدريب الأفراد ليكونوا أكثر تبصراً في تمييز الصور، ولكنهم يشيرون إلى أن بذل المزيد من الجهد اليدوي في التعامل مع الصور قد يساعد.

وقد جاء في الدراسة: “قد تتقصى الأبحاث المستقبلية أيضاً عن طرق محتملة لتحسين قدرة الناس على اكتشاف الصور التي تم التلاعب بها، إلا أن النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن ذلك لن يكون مهمة سهلة. ولم نجد أي دليل قوي يشير إلى وجود عوامل فردية لتحسين قدرة الناس على الكشف عن التلاعب أو تحديده. وبالتالي، فإن نتائجنا تسلط الضوء على مختلف الاحتمالات التي تستدعي مزيداً من الدراسة، مثل تدريب الناس على استخدام القوانين المادية في العالم على نحو أفضل، وتحديد المدة التي يتعين على الناس فيها الحكم على صحة الصورة، والتشجيع على اتباع نهج أكثر حذراً واعتباراً في اكتشاف التلاعب. وما أظهرته نتائجنا هو أن البحث الأكثر حذراً في المشهد يشجع الناس على التشكيك في صحة الصور”.

بعبارة أخرى، لا تنظر فقط إلى الصورة وأنت تتوقع أنها حقيقية. انظر إلى الأشياء التي تشير إلى أنها ليست كذلك. وبالطبع، فإن لهذا الأمر سلبياته المحتملة. فالتعامل مع الصورة الرقمية على افتراض أنها وهمية حتى يثبت العكس، يسهل التشكيك بالأدلة التي لا تدعم قناعاتك الشخصية. وتضيف الدراسة: “التشكيك المتزايد ليس مثالياً، لأن له ضريبة، وهي فقدان الثقة بالصور الحقيقية”.

يصبح المشهد ككل أكثر رعباً عندما تتأكد أن التلاعب الرقمي نفسه يمكن أن يطال مقاطع الفيديو أيضاً. وتكشف الكثير من هذه التعديلات نفسَها بالقليل من التدقيق، حيث أن البيانات التي تحتويها الصور الرقمية تترك عادة أدلة على ما إذا كان الملف قد تم تعديله أم لا. ولكن أكثرنا ليس لديهم الوقت لينفقوه وهم يدققون في الصور المتداولة على نطاق واسع ليتأكدوا من كونها حقيقية.

يقول المؤلف المشارك في الدراسة ديريك واتسون في تصريح له: “للصور تأثير فعال على ذاكرتنا، وإذا كان الناس لا يستطيعون التفريق بين التفاصيل الحقيقية والتفاصيل الزائفة للصور، فإن التلاعب بالصور يمكن أن يغيّر بشكل متكرر ما نؤمن به ونحتفظ به في ذاكرتنا”.

ولهذا عليك الانتباه، فحقيقة أنك ترى شيئاً ما لا تعني أن عليك أن تصدقه.

لمعرفة الفرق في الصورة: انظر إلى خط الأشجار.
حقوق الصورة: صوفي نايتينجل- مجلة البحوث المعرفية 2017

 

error: Content is protected !!