Image

حلّق هذا الطعام الأميركي الشعبي في الكثير من البعثات

Bread assortment طاقم بعثة أبولو 13 بعد العودة بأمان إلى الأرض، على متن سفينة إيوا جيما التابعة لسلاح البحرية الأميركي.
مصدر الصورة: ناسا على كومونز

منذ ثمانية وأربعين عاماً وبضعة أيام، انطلق صاروخ ساتورن 5 من مركز كينيدي الفضائي، حاملاً على متنه رواد الفضاء جيم لوفيل وجاك سوايجرت وفريد هايز، في بعثة أبولو 13 التابعة لناسا. من المرجح أنك سمعت بهذه الرحلة، التي دخلت التاريخ كأكبر الانتصارات في تاريخ البرنامج الفضائي للولايات المتحدة الأميركية، وذلك إثر عودة الطاقم بسلام إلى الأرض بعد أن أدى انفجار كارثي إلى تعطيل المركبة، وإلغاء خطتهم للهبوط على القمر.

أما المعلومة التي قد لا تعرفها حول هذه البعثة التاريخية، فهي أنها تمت بمشاركة أحد أكثر الأطعمة الأميركية تميزاً وشهرة: النقانق. كما يظهر في الفقرة التالية، والتي اقتطفت من النص المكتوب المسجل رسمياً لليوم الثاني من البعثة:

جيم لوفيل: مرحباً يا هيوستن (مركز ناسا في مدينة هيوستن)، معكم أبولو 13.

جو كيروين (مسؤول الاتصال في مركز ناسا): معكم هيوستن. نسمعكم.

لوفيل: لدي تعليق سريع يا جو، نحن نتناول الغداء حالياً، وقد صنعت لنفسي شطيرة النقانق بالكاتشب. إنها لذيذة للغاية، كما أن تناولها بهذه الطريقة أمر غير مسبوق.

كيروين: هذا صحيح يا 13. وفقاً لدليل الرحلة، كما أتذكر، فمن المفترض أن تضع الخردل على النقانق، لا الكاتشب، ولكننا سنغض النظر عن هذا.

جاك سوايجرت: لقد ارتكبنا خطأ فادحاً.

لوفيل: صحيح.

كيروين: ما الأخبار حالياً؟

لوفيل: جيدة للغاية. لقد توصلنا حالياً إلى حوالي 4 طرق مختلفة لوضع الكاتشب.

النص المكتوب لبعثة أبولو 13

نعم… لقد سجل التاريخ أن لوفيل صنع شطيرة مسطحة من النقانق (من المرجح أنه استخدم فيها شريحة أو عدة شرائح من الخبز المعالج خصيصاً للرحلة من ناسا)، وأنه فضل استخدام الكاتشب، مخالفاً لوائح الأنظمة التي حددت وجوب استخدام الخردل. ولم يطل الوقت حتى ظهرالنقانق مرة أخرى في النص المكتوب، بعد حدوث الانفجار الشهير، عندما بدأت درجة الحرارة داخل المركبة بالانخفاض.

لوفيل: هيوستن، معكم أكواريوس (كانت مركبة بعثة أبولو 13 مؤلفة من المركبة القمرية أكواريوس و مركبة القيادة أوديسي)

كيروين: نسمعكم يا أكواريوس

لوفيل: لدينا ملاحظة أخرى للمسؤولين عن الأنظمة الخاصة بالطاقم. قل لهم ألا يتكلفوا مشقة وضع براد على متن المركبة. فقد ذهبت لإحضار بعض النقانق، ويبدو أنها متجمدة.

كيروين: حسناً، وصلت ملاحظتك يا جيم.

النص المكتوب لبعثة أبولو 13

لا شك أن لوفيل كان يمزح بشأن البراد، ولكن وفقاً للكتاب (أبولو 13)، والذي شارك لوفيل شخصياً في كتابته، فقد كانت قطع النقانق المتجمدة مصدر تسلية كبيرة لأفراد الطاقم، الذين أخذوا يقذفون بها إلى جدران غرفة القيادة لمشاهدتها وهي ترتد عنها. أما السؤال فهو كيف تحول النقانق إلى طعام فضائي؟

خلال مشروع ميركوري، لم يعرف العلماء ما إذا كان ممكناً للبشر تناول الطعام في الفضاء، حيث أنه كان يعتقد أن الجاذبية تلعب دوراً في عملية الهضم. وعلى الرغم من أن البعثات الأولى كانت قصيرة ولم يكن رواد الفضاء بحاجة لتناول الطعام خلالها، أثبتت تجارب ميركوري 7 أنه يمكن للبشر أن يستهلكوا الطعام الصلب والسائل في الجاذبية شبه المعدومة بأمان. غير أن قائمة الطعام كانت تقتصر على أشياء سيئة المذاق، مثل مكعبات غذائية مغطاة بالجيلاتين، وأغذية مجففة بالتجميد، وعصارات تحتوي على معاجين غذائية.

عندما بدأ مشروع جيميناي، تمكن العلماء من تحسين الطعام الفضائي بشكل واضح من ناحية المذاق والقوام، ولكنه بقي مؤلفاً بشكل أساسي من الأغذية مزالة الماء أو المجففة بالتجميد، ولم تكن الخيارات متنوعة. بل إن أحد رواد الفضاء في برنامج جيميناي قام بتهريب شطيرة من لحم البقر على متن المركبة في إحدى البعثات، ما دفع الكونجرس الأميركي إلى عقد جلسة استجواب حول الحادثة، وأدى إلى تشديد صارم حول الفتات ما زال مستمراً حتى اليوم، ومنع رواد الفضاء من تناول الكربوهيدرات التي تتفتت.

خلال حقبة برنامج أبولو، تغيرت قائمة الطعام جذرياً، وذلك بفضل اختراع ما يسمى بالعبوات الرطبة. وهي عبارة عن عبوات معدنية تفتح بحلقة على الغطاء، وتحفظ الطعام بدون تجفيف، أي تقريباً بقوامه العادي على الأرض، وهو ما يلبي الاحتياجات النفسية والفيزيولوجية لتغذية رواد الفضاء أكثر من البدائل المجففة بالتجميد. ولحفظ هذا الطعام، يتم إخضاعه لعملية تسمى الاستقرار الحراري، حيث يُسخن لقتل البكتيريا والعوامل الممرضة، ما يجعله أقل عرضة للفساد. وتبين سجلات ناسا أن النقانق المدخنة والمتبلة كانت فعلاً ضمن قائمة الطعام في أبولو، وظهرت لأول مرة في بعثة أبولو 11، إضافة إلى مربعات لحم الخنزير، وحساء الكركند، وحلوى الشوكولاته.

أتيحت لرواد الفضاء في بعثات أبولو إعادة تسخين طعامهم، على عكس رواد بعثات ميركوري وجيميناي، وذلك باستخدام مسدس مياه ساخنة لإعادة ترطيب الطعام وتدفئته. ولكنهم لم يحظوا بمطبخ صغير مع لوح تسخين من النوع الذي أصبح متوفراً لاحقاً في محطة سكايلاب الفضائية، والمكوك الفضائي، ومحطة الفضاء الدولية، ما يعني أنهم كانوا يتناولون بعض الوجبات بدرجة حرارة الغرفة، ومن تلك الأطعمة النقانق على الأرجح، لأنها كانت بحالتها الأصلية بدون الحاجة إلى ترطيب.

عندما بدأ برنامج المكوك الفضائي، تم توسيع قوائم الطعام لتشمل 74 نوعاً من المأكولات و20 نوعاً من المشروبات، وتقول السجلات أن القائمة كانت تتضمن النقانق أيضاً. بل محطة سكايلاب كانت مزودة ببراد ومجمد، ما أتاح لرواد الفضاء أيضاً التمتع بالمأكولات المجمدة، مثل المثلجات وضلوع البقر. لا يتمتع رواد الفضاء حالياً بهذه الميزات جميعها، ولكن قوائم الطعام التي تقدم لهم أكبر بكثير.

تقول ستيفاني شيرهولز، الناطقة الرئيسية باسم ناسا وأخصائية الشؤون العامة للرحلات البشرية: “حالياً، يجب أن تتمتع جميع الأغذية التي ترسل مسبقاً إلى محطة الفضاء الدولية بفترة صلاحية تصل إلى 18 شهراً، لأن البعثات على متن المحطة تدوم حوالي ستة أشهر”. من المؤسف أن النقانق لم يعد جزءاً من القائمة المعتمدة لمحطة الفضاء الدولية، والتي تتضمن حوالي 200 نوع من الطعام والشراب، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن لرواد الفضاء طلبه بشكل خاص. تقول بريندا بويكنز، الدليل في مركز هيوستن الفضائي، والعاملة المخضرمة في ناسا بخبرة 17 عاماً: “يعمل رواد الفضاء بشكل مكثف مع أخصائيي التغذية قبل الرحلات، ويمكن لهم أن يطلبوا أغذية محددة يحبونها”.

هناك أيضاً استثناء لقاعدة الأشهر الثمانية عشر: ففي بعثات التزويد بالإمدادات، يتم إيصال الأطعمة الطازجة (عادة الخضار والفواكه) إلى محطة الفضاء الدولية. كما تحمل هذه البعثات أحياناً بعض الأطعمة المميزة لرواد الفضاء، مثل المثلجات أو البيتزا، حيث أقيمت حفلة البيتزا الأولى في الفضاء العام الماضي، بعد أن عبر رائد الفضاء الإيطالي باولو نيسبولي عن رغبته بتناولها. وبالتالي، إذا رغب رائد فضاء بنقانق شبه طازج في محطة الفضاء الدولية، لن يكون من المستحيل تلبية طلبه.

تقول بويكنز: “ولكن من المرجح أنك لن تحصل على قطعة الخبز المستطيلة المخصصة للنقانق، لأن الفتات ممنوع في الفضاء!”

error: Content is protected !!