Reading Time: 4 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


يوماً ما ستنتفخ شمسنا متحولة إلى عملاق أحمر، محرقة بذلك كل شيء في طريقها قبل أن تنهار على نفسها لتشكل قزماً أبيض حاراً. في الأنظمة النجمية التي تمتلك نجوماً كنجمنا، يتسبب هذا الأمر في محو أية كواكب داخلية. إلا أنه مهما كان الذي ينجو، فلديه فرصة للتمتع بعرض ثانٍ؛ حسب علماء الفلك.

الأقزام البيضاء هي عبارة عن نوى محترقة خفيفة بما يكفي لتجنب الانهيار إلى نجم نيوتروني أو ثقب أسود، وهي مبعثرة عبر مجرة درب التبانة. وعلى الأقل سيمتلك بعض منها كواكب خارجية نظراً لأنها كانت في حيواتها السابقة نجوماً تشبه الشمس، إلا أنه لم يرصد أحد لحد الآن نظاماً نجمياً لقزم أبيض. لكن من خلال أعمال تحري فلكية دقيقة، يظن باحثون أنهم وجدوا الآن واحداً. فقد عثروا على بصمة كيميائية محيرة على بُعد مئات السنوات الضوئية تقترح وجود قزم أبيض يتغذى على الغلاف الجوي لكوكب بالقرب منه.

يقول «بوريس جانسيكي»، فيزيائي في جامعة ويريك في المملكة المتحدة ومؤلف مشارك للبحث الذي نُشر في مجلة نيتشر: «إنه تركيب فريد لدرجة أنني أظن أنه لابد مرتبط بكوكب من نوع ما، وبسبب مواد الغلاف الجوي فلابد من أنه كوكب يمتلك غلافاً جوياً كبيراً للغاية وعميقاً للغاية».

وبالإضافة إلى إثبات أنه على الأقل يكون لبعض الكواكب مستقبل يمتد للمرحلة التي تلي مرحلة العملاق الأحمر، فإن هذا الكشف الأول لنظام كوكبي لقزم أبيض يبين لنا قيمة تقنية جديدة لتحري الأغلفة الجوية للكواكب الخارجية.

وبين آلاف الأقزام البيضاء التي عثر عليها خلال مشروع سلون للمسح الرقمي للسماء فإن هذا النجم -الذي يبعد عنا حوالي 1500 إلى 2000 سنة ضوئية في اتجاه كوكبة السرطان- قد بدا غريباً منذ البداية. وكالعديد من التلسكوبات، فإن التلسكوب الكبير جداً يستطيع معرفة التركيب الكيميائي لجرم سماوي ما، من خلال دراسة ألوان الضوء التي يصدرها. ووجود ضوء أكثر من المعتاد وصادر عن الهيدروجين يقترح بأنه كان يمتص الغاز من نجم مصاحب له، إلا أن جانسيكي لاحظ أيضاً القليل من الضوء المنبعث من ذرات الأكسجين، وهذا أمر نادر في النجوم.

ولإلقاء نظرة أقرب، قام هو وفريقه بقضاء 4 ساعات من وقت الرصد باستخدام التلسكوب الكبير جداً في تشيلي؛ أحد أقوى التلسكوبات في العالم. وقد عَلِم منذ النصف ساعة الأولى أنهم على طريق اكتشاف شيء كبير. فهذا التلسكوب القوي التقط بوضوح فوتونات منبعثة من ذرات الأكسجين والكبريت، وهو أمر لم يره جانسيكي ولا زملائه من قبل أبداً. يقول: «كان ذلك أمراً استثنائياً». كما أمكنهم أيضاً ملاحظة أن النجم لم يكن عارياً، بل كان محاطاً بقرص دوّار من الغاز يحتوي على الهيدروجين والأكسجين والكبريت.

في البداية حاول الفريق تفسير ما شاهدوه بالأمور الاعتيادية المعروفة لديهم. هل يمكن للعناصر الثلاثة التي لا يُفترَض أن تكون موجودة هنا بأن تكون قادمة من نجم قريب؟ إن ذلك مُستبعَد. فنجم مرافق سيجرّ القزم الأبيض جيئة وذهاباً، في حين أن القزم الأبيض بدا مستقراً تماماً. ماذا عن كويكبات محلية أو حطام من كواكب ماضية كانت شبيهة بالأرض أو المريخ؟ كما يقول جانسيكي؛ إن كواكب صخرية صغيرة كهذه تكون غنية بالكالسيوم والمغنسيوم والحديد، لكن الفلكيين لم يلاحظوا أية علامة تدل على وجود هذه المعادن.

وما حيرهم أيضاً هو الضوء الغريب المنبعث من القزم الأبيض. استمرت هذه الحيرة حتى بدؤوا بالتفكير في المكونات التي تدخل في تركيب الكواكب الضخمة. لقد أتى إنجاز جانسيكي الكبير أثناء تصفحه السريع لكتاب حول التركيب الكيميائي للنظام الشمسي. فقد قرأ بأنه لو حفرنا عميقاً بما يكفي في العمالقة الجليدية؛ مثل أورانوس ونبتون، فسنجد طبقات من جليد الماء (هيدروجين وأكسجين) وجليد كبريت الهيدروجين (الهيدروجين وكبريت). وفجأة باتت العناصر غير الاعتيادية للقزم الأبيض مفهومة: لقد أتت من القرص الغازي والذي كان يغلي مبتعداً عن كوكب قريب مشابه لنبتون.

وعلى الرغم من أن الفريق لا يستطيع قياس حجم وموقع وكتلة الكوكب مباشرة، إلا أن النماذج تقترح بأن هذا العملاق الغازي -الذي يتراوح حجمه بين حجم نبتون وحجم المشتري- قريب للغاية من القزم الأبيض، ويدور حوله مرة كل 10 أيام. ويقوم النجم بقذف الكوكب بضوء فوق بنفسجي شديد مما يسحق جزيئات الجليد في الغلاف الجوي، ويرسلهم إلى الفضاء الخارجي، وهناك يتحركون خلف الكوكب كذيل المذنب. أما الأشعة فوق البنفسجية فتدفع بالذيل أبعد وأبعد إلى الفضاء، إلا أن بعض الجزيئات تسقط للداخل إلى القرص الغازي، ومن هناك تصل بعض الذرات إلى القزم الأبيض بحد ذاته.

وكما قدّر الفريق، فمع تبرّد النجم، فإن إشعاعه لن يؤثر في الكوكب بنفس الدرجة مما يجعل تدفق الذرات عليه يتوقف في النهاية. وكمحصلة نهائية سيفقد الكوكب نسبة مئوية قليلة من كتلته.

أما الأحجية الأخيرة هي حول كيفية انتقال كوكب شبيه بنبتون من المسافات البعيدة عن النجم في أعماق الفضاء، إلى المملكة الداخلية (أي مملكة الكواكب الصخرية)، وعن كيفية نجاته من الدمار أثناء مرحلة العملاق الأحمر للنجم. يقول جانسيكي: «إن أكثر شيء معقول هو وجود أكثر من كوكب إضافي في هذه المنظومة».

يعتقد الفريق بأن هناك عمالقة أكبر من ذلك، لكنها موجودة على مسافات بعيدة من النجم. في وقت ما وبعد أن تحوّل هذا النجم إلى قزم أبيض، حصلت مواجهة عن قرب بين هذا العملاق الجليدي وبين الكواكب الأخرى كانت نتيجته قذف هذا العملاق الجليدي باتجاه الداخل قرب النجم.

وفي المرحلة القادمة، يأمل الفريق بأن يستخدموا هذه المنظومة لمعرفة لأي درجة بالضبط يشبه هذا الكوكب نبتون. دراسة الأغلفة الجوية للكواكب الخارجية هو حقل مزدهر في علم الفلك، لكن بسبب إظلام الكواكب، فإن التعرّف على ذرات بعينها يبقى أمراً بعيداً عن متناول اليد إلى حدٍ كبير، لكن القزم الأبيض وقرصه الغازي يشعّون مباشرة من خلال عناصر مسروقة، مما يجعل فهم تركيب هذا النبتون مهمة أسهل.

سيقوم تلسكوب هابل بإدارة مراياه باتجاه تلك المنظومة لمراقبة القزم الأبيض باستخدام الضوء فوق البنفسجي، مما يمنح الفريق فرصة جيدة للعثور على الكربون والنيتروجين. وبالإضافة إلى الكيمياء الكونية، فإن جانسيكي يأمل في النهاية بأن نلمح القليل من ديناميكيات المنظومة في حد ذاتها، مثل آثار الذيل المبتعد عن النجم الذي خلّفه الكوكب. «سنرى ما إذا كان بإمكاننا اكتشاف هذا الأمر في الأرصاد المستقبلية أم لا، سيكون ذلك رائعاً».