Reading Time: 5 minutes

لماذا لا نمتلك أدوية فعّالة لعلاج مرض كوفيد-19 حتى الآن، وكم من الوقت سيستغرق اكتشافها؟ في الواقع، فيروس كورونا الذي يُسبب مرض كوفيد-19 جديد كلياً، ويهاجم الخلايا بطريقةٍ لم نعهدها من قبل. تختلف الفيروسات عن بعضها البعض، وكذلك تختلف الأدوية المستخدمة لعلاج كل منها، لذلك لا يوجد هناك دواء جاهز لمعالجة فيروس كورونا الذي ظهر منذ بضعة أشهر فقط.

بصفتي مُختصاً في علم أنظمة الأحياء، فأن أدرس ومهتم بشكلٍ خاص بكيفية تأثر الخلايا بالفيروسات أثناء العدوى. عادة يستغرق الكشف عن نقاط ضعف الفيروس وتطوير علاج له عدّة سنوات، لكن فيروس كورونا الجديد باغَت العالم، ولم يمنحنا الوقت الكافي لذلك. ومع حالة الإغلاق التي تشهدها معظم الدول، والتهديد الذي بات يلوح في الأفق بحدوث ملايين الوفيات؛ يحتاج الباحثون إلى إيجاد علاج فعّال في أسرع وقت.

لقد قدّمت الأزمة الحالية لي ولزملائي فرصة نادرة لتقديم المساعدة في حلّ هذه الأزمة الصحية والاقتصادية الضخمة التي فرضتها جائحة فيروس كورونا العالمية.

ضمن جهودنا للمساعدة على مواجهة فيروس كورونا، قمنا بتجميع فريق هنا في معهد العلوم البيولوجية الكمّية في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو من أجل اكتشاف كيف يهاجم الفيروس الخلايا. لكن بدلاً من محاولة تطوير دواء جديد بناءً على ما سنكتشفه، سنركّز أولاً على معرفة إذا ما كان هناك أية أدوية متاحة اليوم يمكن أن تعطّل مسار تطور الفيروس في الجسم، والقضاء عليه. وحتى الآن، حددنا 27 دواءً معتمداً من إدارة الغذاء والدواء، ونأمل أن يؤدي ذلك إلى حصر عملية البحث وتسريعها.

يعمل الفريقُ الذي ينتمي إلى 22 مختبراً رائداً عبر البلاد -أسميناه «كيو سي آر جي»- بسرعةٍ كبيرة على مدار الساعة، وفي نوبات لسبعة أيام في الأسبوع. نشعر بأننا نخوض حرباً حقيقة ضد عدو يهدد البشرية، حيث يأمل فريقنا بنزع سلاحه الفتّاك من خلال فهم آلية تأثيره علينا.

فيروس كورونا

فيروس كورونا بسيط التركيب، لكنّ طريقة إصابته للشخص مُعقّدة —الصورة: حنّا أ. بولوك/ مركز السيطرة على الأمراض

عدو خفي

الفيروس كائن صغير جداً لا يمكنه التكاثر بمفرده مقارنة بالخلايا البشرية. كما يحتوي فيروس كورونا على حوالي 30 بروتيناً، بينما تحتوي الخلية البشرية على أكثر من 20 ألف بروتين.

يقوم الفيروس بذكاء بدفع الجسم حتى يعمل ضد نفسه للدخول إلى خلاياه. عادةً ما تكون الطريق المؤدية إلى الخلايا البشرية عصية أمام الغزاة الخارجيين، لكن الفيروس يستخدم بروتيناته الخاصة كمفاتيح لفتح هذه «الأقفال» والدخول إلى الخلايا.

بمجرد تمكنّه من دخول الخلية، يقوم الفيروس بالارتباط بالبروتينات التي تستخدمها الخلية لأداء وظيفتها الخاصة، وبذلك يختطف الخلية فعلياً ويحثّها على إنتاج نُسخ جديدة منه. تموت الخلية بعد أن تُستنفذ طاقتها ومواردها في إنتاج آلاف النسخ من الفيروس.

تعدّ خلايا الرئة معرضة بشكل خاص للإصابة بالفيروس، نظراً لأنها تحمل كميات كبيرة من البروتينات (القفل) التي يستخدمها الفيروس للدخول إلى الخلايا، وبذلك يتسبب الفيروس بموت عدد هائل من الخلايا الرئوية، مما يؤدّي إلى ظهور الأعراض التنفسية الشديدة لمرض كوفيد-19.

هناك طريقتان لمواجهة الفيروس. تعتمد الأولى على مهاجمة الأدوية لبروتينات الفيروس، ومنعها من التعرّف على بروتينات الخلايا الرئوية ودخولها أو نسخ مادتها الوراثية بعد دخولها. هذه هي الطريقة التي يعمل بها دواء «ريمديسفير»، وهو ما يزال قيد التجارب السريرية حالياً لعلاج فيروس كورونا.

مشكلة هذه الطريقة في أنّ الفيروس يتغير ويطفر بمرور الوقت. وقد يتطوّر الفيروس في المستقبل بطريقة تجعل من الأدوية مثل ريمدسفير عديمة الفائدة. لهذا السبب نحتاج إلى أخذ لقاح الأنفلونزا كل عام.

بدلاً من ذلك، يمكن أن يعمل الدواء عن طريق منع البروتين الفيروسي من التفاعل مع البروتين البشري الذي يحتاج إليه للتكاثر. وهذا النهج -أي حماية الخلايا المضيفة بشكلٍ رئيسي- له ميزة كبيرة مقابل نهج تعطيل الفيروس نفسه، لأن الخلية البشرية لا تتغير بالسرعة نفسها التي يتغيّر بها الفيروس. وبمجرد اكتشاف دواء جيد، يجب أن تستمر فعاليته مع مرور الوقت. هذا هو النهج الذي يتبعه فريقنا، والذي قد يعمل أيضاً ضد الفيروسات الناشئة الأخرى.

معرفة خطط العدو

كان على فريقنا في البداية تحديد كل جزء من «المصنع الخلوي» الذي يعتمد عليه الفيروس التاجي في التكاثر. كنّا بحاجة إلى معرفة البروتينات الخلوية التي يستخدمها ويسخّرها الفيروس لخدمته.

للقيام بذلك، حاول الفريق في مختبري تمييز الجزيئات داخل الخلايا البشرية التي يعتمد عليها الفيروس، واستخدموا لذلك البروتينات الفيروسية بعد وَسمها بمادة كيميائية دقيقة ترتبط بها لمتابعتها. يطلق على هذه البروتينات اسم «الطعم». نقوم بحقن هذه الطعوم في خلايا بشرية منمّاة مخبرياً، ثم نقوم بإخراجها مجدداً لنرى ما هي البروتينات التي ارتبطت بها، والتي تُمثل البروتينات البشرية التي يقوم الفيروس بتسخيرها أثناء العدوى لخدمته.

بحلول 2 مارس/ آذار الماضي، كان لدينا قائمة أولية بالبروتينات البشرية التي يحتاجها الفيروس لتكاثره، وقد كانت هذه القرائن الأولى التي يمكننا استخدامها. كانت المعركة ما تزال مستمرة حينها.

الهجوم المضاد

بمجرد حصولنا على قائمة الأهداف الجزيئية التي يحتاجها الفيروس لتكاثره، تسابق أفراد الفريق لتحديد المركبّات المعروفة التي قد ترتبط بهذه الأهداف، ومنع الفيروس من استخدامها للتكاثر. إذا كان المركّب قادراً على منع الفيروس من نسخ نفسه في جسم المريض، تتوقف العدوى. ولكن لا يمكنك ببساطة التدّخل في العمليات الخلوية دون إلحاق الأذى بالجسم. كان على فريقنا التأكد من أن المركبّات التي حددناها ستكون آمنة، وغير سامة على المرضى.

قد تنطوي الطريقة التقليدية للقيام بذلك على سنوات من الدراسات ما قبل السريرية، بالإضافة إلى التجارب السريرية التي تكلف ملايين الدولارات. لكّن هناك طريقة سريعة وغير مكلفة للتحايل على هذا الأمر، وهي البحث في الأدوية التي يقارب عددها نحو 2000 دواء، والتي نالت موافقة إدارة الغذاء والدواء، وخضعت لاختبارات السلامة بالفعل. ربما يوجد دواء في هذه القائمة الكبيرة يمكنه محاربة فيروس كورونا.

استخدم الكيميائيون لدينا قاعدة بيانات ضخمة لمطابقة الأدوية المعتمدة، والبروتينات التي تتفاعل معها مع البروتينات التي حددناها في قائمتنا. وقد وجدوا 10 أدوية مُرشحة الأسبوع الماضي. على سبيل المثال، كان أحد الأدوية المرشحة عبارة عن دواء للسرطان يسمى «JQ1». بالرغم من أنه لا يمكن التنبؤ بكيفية تأثير هذا الدواء على الفيروس، لكن لديه فرصة جيدة لفعل شيءٍ ما. عموماً، سنعرف ما إذا كانت هذه الأدوية تساعد المرضى بالفعل من خلال اختبارها.

وتحسّباً لإغلاق الحدود العالمية، قمنا فوراً بشحن كميات كافية من هذه الأدوية إلى 3 من المختبرات القليلة التي تعمل على عينات حيّة من فيروس كورونا، منها معهد «باستور» في باريس، والآخر في معهد ماونت سيناي في نيويورك. بحلول 13 مارس/ آذار، جرى اختبار الأدوية على الخلايا لمعرفة ما إذا كانت تمنع الفيروس من التكاثر.

رسائل من ساحة المعركة

في القريب العاجل؛ سيعلم فريقينا من خبراء معهد ماونت سيناي ومعهد باستور على حدٍ سواء؛ أيٌّ من هذه الأدوية العشرة الأولى يعمل على محاربة فيروس كورونا. في غضون ذلك، يواصل الفريق تجاربه باستخدام الطعوم الفيروسية، وحتّى الآن، وجدنا 332 بروتيناً بشرياً يمكن أن يستغلّها الفيروس، ولدينا بالفعل أدوية يمكنها التعامل مع 66 بروتيناً منها. في النهاية نشرنا نتائج بحوثنا التي لم تخضع بعد لمراجعة الأقران في 22 مارس/ آذار، وذلك على أمل أن تستفيد منها المختبرات في جميع أنحاء العالم وتبدأ في اختبار الأدوية والعثور على علاجٍ مناسب في أسرع وقت ممكن.

الخبر السار هو أنه حتى الآن، عثر فريقنا على 69 دواءً قادراً على الارتباط بالبروتينات البشرية التي حددناها. و27 دواءً منها حائز على موافقة إدارة الغذاء والدواء، و42 منها يخضع حالياً للتجارب السريرية أو ما قبل السريرية. يعطينا هذا العدد الكبير من الأدوية الأمل في العثور على دواء لمحاربة فيروس كورونا. إذا وجدنا دواءً معتمداً يبطئ تطوّر الفيروس، فيجب أن يكون الأطباء قادرون على البدء في إعطائه للمرضى بسرعة، وإنقاذ الأرواح.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن