Image

قد يساهم إطلاق مركبة سبيس إكس الفضائية الشهر القادم في إنهاء اعتماد الولايات المتحدة على الصواريخ الروسية، إن لم يحدث أي تأجيل بالطبع!

Bread assortment إطلاق أحد صواريخ سبيس إكس في وقتٍ سابق هذا العام الصورة: سبيس إكس

مضى حوالي ثماني سنواتٍ منذ آخر مرةٍ تم فيها إرسال رواد فضاء أمريكيين إلى الفضاء من الأراضي الأمريكية، وذلك منذ أن قررت ناسا إيقاف برنامج المكوك الفضائي”Space Shuttle program” عام 2011 أملاً بأن يكون القطاع الخاص مستعداً وقادراً على اتخاذ خطوة كبيرة للأمام في الشراكة مع ناسا للعمل على نقل رواد الفضاء ذهاباً وإياباً بين محطة الفضاء الدولية والأرض وغيرها من الوجهات الأخرى المحتملة في مدار الأرض المنخفض على بُعد من 160 إلى 2000 كيلومتر عن  سطح الأرض.

أصبح ذلك الأمل على وشك أن يصبح حقيقة، حيث ستطلق شركة “سبيس إكس Space X” أخيراً- إن كانت ظروف الطقس ملائمةً- مركبتها الفضائية المأهولة الأولى “كرو دراغون Crew Dragom” أو اختصاراً “دراغون 2” في 2 آذار/مارس نحو الفضاء على متن صاروخ “فالكون 9” وذلك كجزءٍ من عقد شراكتها مع ناسا في إطار برنامج الطاقم التجاري التابع لناسا  “CCP”، وهو بمثابة شراكة بين القطاعين الخاص والعام كلفت بموجبه ناسا شركتين من القطاع الخاص- سبيس إكس وبوينغ- بتصميم مركباتٍ فضائية لنقل روادها. لن تحمل مركبة “دراغون 2”  البشر على متنها في هذه الرحلة التجريبية المسماة (Demo-1)، ولكن إن سار كل شيءٍ على مايرام فستكون هذه الرحلة مقدمةً لرحلة( Demo-2) التي ستحمل على متنها رائدي فضاء في تموز/يوليو، منهيةً بذلك ثمان سنواتٍ من اعتماد الولايات المتحدة على روسيا في تلبية حاجتها في نقل رواد الفضاء، وتستعيد الولايات المتحدة بذلك قدرتها على إرسال رواد الفضاء والإعتماد على نفسها مجدداً في هذا المجال.

وقد علّق “فيل ماكليستر” مدير تطوير برنامج الرحلات الفضائية التجارية في ناسا على الأمر قائلًا:” ينتابني خليطٌ من المشاعر، لا أريد ان أتكلم نيابةً عن الفريق بأكمله، ولكن بالنسبة لي شخصياً فلدي مزيجٌ من مشاعر الحماسة وبعض القلق”.

ما الذي أدّى بالولايات المتحدة الأمريكية إلى الإعتماد على الصواريخ الروسية؟

فكرت ناسا فعلياً ببدائل محتملة لبرنامج مكوك الفضاء حتى قبل أن تتخلى عنه رسمياً عام 2011. فقد قررت إدارة أوباما عام 2010 – بعد إنهاء برنامج “Constellation” الذي كان مخخطاً له إرسال البشر إلى القمر مجدداً – تحويل تركيز ناسا من الرحلات الفضائية المأهولة إلى تطوير نظام الإطلاق الفضائي، ومركبة “أوريون” الفضائية التي ستنقل البشر إلى أقاصي الفضاء، مما سيدعم الهدف بعيد المدى في إرسال البشر إلى المريخ في وقتٍ ما من ثلاثينيات القرن الحالي.

في ذلك الوقت، وحتى تتفرغ ناسا وتركز جهودها في تطوير واختبار تقنيات استكشاف أعماق الفضاء الجديدة، قامت بالإعتماد على شركات القطاع الخاص لتلبية حاجتها في نقل رواد الفضاء إلى مدار الأرض المنخفض من وإلى محطة الفضاء الدولية، مما يمنح ناسا الوقت في تطوير تقنياتها الفضائية. لذا قامت ناسا ببساطةٍ بالتعاقد مع روسيا لنقل روادها إلى المحطة الدولية على متن رحلات “سويوز” التي تنطلق من كازخستان، وقد كان هذا الأمر حلاً  مناسبًا لجميع الأطراف.

نتيجةً لذلك، في عام 2014، وُلد رسمياً برنامج الطاقم التجاري( CCP)، حيث وقعت الوكالة في إطاره عقوداً مع شركتي بوينغ وسبيس إكس، وكلفتهما بتطوير واختبار مركباتٍ فضائيةٍ جديدة يمكن أن تحل كبديلٍ أقل كلفةً وأكثر كفاءةً وأمانا من مكوك الفضاء. وفي أثناء ذلك، كانت ناسا تشهد بالفعل نجاحاً منقطع النظير في برنامج خدمات إعادة التموين التجاري(CRS)، حيث تعاقدت من خلاله مع شركتي سبيس إكس وأوربيتال ساينس لشحن الإمدادات إلى محطة الفضاء الدولية – كما تعاقدت لاحقاً مع شركة Orbital ATK، ومؤخراً مع شركة Northrop Grummen –  حيث كانت شراكةً ناجحةً إلى حدٍّ بعيد، وتعتقد ناسا أن بإمكانها أن تقوم بشراكةٍ مماثلة لهذا النموذج كجزءٍ من مشروع رحلاتها الفضائية المأهولة أيضاً.

ولسوء الحظ، فقد عانى برنامج الطاقم البشري التجاري( CCP) من التأخير عدة مرات منذ إنطلاقته تقريباً. فقد كان الهدف الأساسي من المشروع هو إطلاق شركتي سبيس إكس وبوينغ أولى رحلاتهما المأهولة للفضاء بحلول عام 2017، إلا أنه وبعد سنتين لم تقم أيٌّ من الشركتين بإطلاق حتى ولو مركبةٍ فضائية غير مأهولة إلى مدار الأرض. يبدو أن تأجيل سبيس إكس إطلاق رحلتها التجريبية غير المأهولة Demo-1 متعلقٌ بروتين عملها المعتاد في هذه المرحلة، بينما  لن تختبر بوينغ أول رحلة طيرانٍ غير مأهولةٍ لها قبل نيسان/ابريل القادم، وكذلك لن تجري اختبار أولى رحلاتها المأهولة قبل أواخر هذا الصيف.

وفي هذه الأثناء تدخل الولايات المتحدة عامها الثامن في شراء مقاعد لروادها على متن رحلات سويوز لنقلهم إلى محطة الفضاء الدولية، وتلك العملية لم تعد آمنةً وموثوقةً في ظل التوتر القائم بين البلدين. بيد أنه وفي خضم العلاقات المتدهورة بين واشنطن وموسكو، تبذل كلٌّ من ناسا وروسكوسموس( وكالة الفضاء الروسية) أقصى جهودهما لضمان حسن سير وسلاسة عمل محطة الفضاء الدولية. لكن تقليل روسيا من اهتمامها بمحطة الفضاء الدولية (أعلنت أنها ستتخلى عن المحطة الدولية عام  2024 وبناء محطتها الخاصة بها) أدى إلى تقليل عدد المقاعد المُتاحة للولايات المتحدة على متن رحلاتها ورفع سعر تكلفتها مما كلّف ناسا مليارات الدولارات. في الحقيقة، لا تتحمل كلٌ من شركتي سبيس إكس وبوينغ اللوم كله، حيث يمكن القول أن الكونغرس يتحمل معظم اللوم بسبب تخفيض تمويله لبرنامج الطاقم التجاري CCP سابقاً، وربما تشعر الشركتان الآن بخيبة الأمل والإحباط نتيجة ذلك القرار، فوفقاً لموقع SpaceNews، كان الإلتزام بالجدول الزمني السبب في منح ناسا عقداً لشركة(United Lunch Alliance) أو إختصاراً( ULA) بدلاً من منحه لشركة سبيس إكس لإطلاق بعثة “لوسي Lucy” القادمة إلى حزام كوكيبات طروادة الغامض الموجود في مدار كوكب المشتري في عام 2021، ما أدّى لنشوب خلافٍ ودفع سبيس إكس لتقديم اعتراض على العقد بحجة أن بإمكانها إطلاق بعثة لوسي بتكلفةٍ أقل.

خلاصة القول إن إمكانية وصول رواد الفضاء الأمريكيين إلى محطة الفضاء الدولية أصبح محفوفاً بالمشاكل ومكلفاً جداً، حيث أن عقد ناسا مع الروس لإيصال رواد الفضاء إلى المحطة الدولية ينتهي فعلياً في أيلول/سبتمبر القادم، لذلك فإن أي تأخيرٍ أكثر من ذلك قد يعني غياب أمريكا عن محطة الفضاء الدولية كُلياً لفترةٍ من الوقت.

ما سبب كل هذا التأخير؟

لا يتفق “ماكليستر” مع التصوّر السائد عن البرنامج بأنه مشوبٌ ومليءٌ بالتأخير والتسويف، ويعتقد أن العمل في كواليس البرنامج يسير بسلاسةٍ وهدوء نسبياً. ويقول متفائلاً: “عندما ننظر إلى المدة التي استغرقت الإنسان لتطوير معدات الطيران الفضائية، نرى أن العمل في برنامج (CCP) يتطور بسرعةٍ إلى حد ما”، ويتابع قائلاً: “أعلم أننا قد أخفقنا في الإلتزام بالجدول الزمني المقرر مرتين، لذا قد يقول البعض أننا تأخرنا كثيراً. لكننا وقعنا العقود في سبتمبر 2014، وها نحن اليوم، وبعد أربع سنوات، نتحدث عن قيامنا برحلاتنا التجريبية الأولى، وذلك ليس بالوقت الطويل فعلياً في المشاريع الضخمة كمشروعنا هذا”.

صحيحٌ أن مركبة “Crew Dragon” قد تبدو ظاهرياً نسخةً مطورةً من مركبة “Dragon” الأساسية، إلا أنها بحاجةٍ لتجهيزها لإيواء الناس في رحلاتها الفضائية- وذلك يستغرق وقتاً لإنجازه، حيث ينبغي على الشركات تصميم مقاعدَ مريحة وآمنة، وتطوير نظام الهروب وقت الطوارئ والنوافذ ولوحات المعلومات التي يستخدمها الطاقم لإدارة عناصر التحكم والكثير غير ذلك.

والتأخير من وجهة نظر ناسا لم يكن بذلك القدر الكبير غير المتوقع. حيث يقول ماكليستر: “عموماً، نميل في مجال صناعة الفضاء إلى وضع جدول زمنيٍّ طموح مقدّماً، مما يمنح الفريق حافزاً للعمل بكفاءةٍ ويمنحه وقتاً فائضاً لإنجاز التعديلات عندما تظهر المشاكل والتحديات”. يشرح توجه الشركة هذا سبب تأجيل ناسا لمواعيدها النهائية بإستمرار، والفكرة التي يحاول ماكليستر وفريقه إيصالها مستوحاةٌ من مقولة “جون وودن ” مدرب فريق جامعة كاليفورنيا لكرة السلة التي تقول: “كن سريعاً، ولكن لا تستعجل”.

هذا العام -عام الرحلات التجريبية- ليس منيعاً ضد حدوث تغييراتٍ على الجدول الزمني، فقد تضطر الرحلات التجريبية للتأجيل مجدداً ، حيث يقول ماكليستر: “من المحتمل أن تكون السنة القادمة واحدةً من أصعب السنوات التي نعيشها في هذه المرحلة، فقد نواجه مشكلاتٍ علينا معالجتها، فكل عملية إطلاقٍ فيها مخاطر قد تؤدي للتأخير وعدم الإلتزام بالجدول الزمني المحدد لها”.

هل يستحق الأمر كل هذا الإنتظار؟

هذا يعتمد على كيفية تقييمك له. لا شك في أن كلاً من مركبتي “Crew Dragon” و”Starliner” ستصبحان نظامي طيران مناسبين من حيث التكلفة على المدى الطويل، فمتوسط تكلفة إطلاق المكوك الفضائي تبلغ حوالي 450 مليون دولار أمريكي، ولا ينبغي أن تكلف المركبة الجديدة كثيراً، ولاسيما المركبة التي ستصنعها سبيس إكس على وجه الخصوص، وذلك بفضل إنجازها الرائع بإثبات جدوى استخدام الصواريخ القابلة لإعادة الإستعمال. فمن المفترض أن تكلّف كل عملية إطلاقٍ لصاروخ فالكون-9 (والتي ستحمل طاقم Crew Dragon إلى الفضاء) حوالي 62 مليون دولار أمريكي فقط، لذا من المفترض ألا يكلف نقل رواد الفضاء أكثر من ذلك بكثير.

بالإضافة إلى ذلك، ستضم كلا المركبتين أنظمة أمانٍ أفضل بكثير من تلك التي كانت موجودةً سابقاً في مكوك الفضاء وأنظمة الطيران الفضائية السابقة الأخرى، حيث يستخدم كلاهما نظام الهروب من حوادث الإطلاق عند حدوث خللٍ أو أمر طارئ  أثناء عملية الإطلاق. ففي حالة حدوث هذا السيناريو، يقذف النظام المركبة الفضائية بعيداً عن محركات الصاروخ عالية الطاقة نظراً لخطورة انفجارها على رواد الفضاء، ويبقى نظام الدفع للمناورة وتعديل الإرتفاع ملحقاً بالمركبة لتأمين عودتها نحو الأرض.

وأخيراً، فإن السير ببرنامج الطاقم التجاري CCP يعني أن ناسا لن تصبح مضطرةً للإعتماد على مزوّد خدمة نقلٍ وحيد لتلبية حاجتها في نقل روادها نحو الفضاء، حيث يقول ماكليستر:” أعتقد أن ذلك سيكون ذا فائدةٍ عظيمة لناسا، فمن المهم ألا تعتمد حكومة الولايات المتحدة على وكيلٍ وحيد لنقل روادها للفضاء”.

ويدعم فشل عملية إطلاق مركبة سويوز MS-10 إلى المحطة الدولية التي حدثت مؤخراً في اكتوبر 2018 وجهة نظر ماكليستر. في الحقيقة يُعد نظام المركبة الفضائية سويوز أحد أكثر أنظمة المركبات المأهولة أماناً عالمياً واستُخدم لعقودٍ في مئات عمليات نقل الرواد للفضاء نحو مدار الأرض بنجاح. إلا أن ماكليستر يقول: “بالرغم من تاريخ سويوز المليء بالنجاح، كان هناك فشل، فعند اعتمادك على مزود خدمةٍ وحيد فأنت تزيد المخاطر. إن مايعنيه توافر عدة مزودين لهذه الخدمة أنه سيكون لدينا خياراتٌ متاحةٌ أكثر في حال واجهت إحدى الشركات صعوباتٍ أو مشاكل من أي نوع”.

ينتظر الجميع بفارغ الصبر أن تستقل الولايات المتحدة عن روسيا فيما يخص رحلات الفضاء، علماً أن نجاح برنامج الطاقم التجاري CCP قد يطال ما هو أبعد من البعثات المتعلقة بمحطة الفضاء الدولية. فإذا سارت تجربة إطلاق DEMO-1 بسلاسةٍ وتمنكت الرحلات اللاحقة من حمل الرواد إلى الفضاء وإعادتهم للأرض، حينها قد تطلب الوكالة توسيع هذا النمط من الشراكات لتشمل رحلات الفضاء الأخرى أيضاً والإستفادة من إمكانيات هذه التقنيات الجديدة.

تقوم ناسا بالعمل فعلياً في الوقت الحالي على تطوير أنظمة الرحلات الفضائية الخاصة بها للسفر إلى القمر والمريخ وربما إلى وجهاتٍ أخرى، إلا أنه ليس من المستبعد أن تلعب النسخة المستقبلية من مركبة Crew Dragon والمصممة للسفر إلى أعماق الفضاء دوراً في تلك الخطط. دعونا نأمل الآن أن يتم إطلاق الرحلات التجريبية الشهر القادم بدون أي عوائق.

error: Content is protected !!