Reading Time: 4 minutes

بدت أيام الحجر الصحي الماضية وكأنها عادت بنا إلى 100 مليون سنة إلى الوراء. ولكن إذا قُدّر لنا أن نعود بالفعل إلى تلك الفترة، وتحديداً إلى الصحراء الكبرى، فكيف كانت ستبدو يا تُرى؟ وفقاً لدراسة حديثة، فمن المحتمل أننا سنواجه أعداد كبيرة لديناصورات هائلة الحجم في كل مكان.

سنجد بدلاً من الصحراء الحالية، مناطق تتدفّق عبرها شبكة كبيرة من الأنهار الطويلة تعبر دول المغرب والجزائر الحالية. لكن الغريب في الأمر أن علماء الأحياء الدقيقة لم يجدوا إلا القليل جداً من أحفوريات الديناصورات العاشبة التي كانت منتشرة في جميع أنحاء العالم آنذاك. بينما وجدوا الكثير من الحفريات التي تعود إلى الديناصورات آكلة اللحوم والزواحف الطائرة التي تُدعى «التيروصورات»، بالإضافة إلى أسلاف التماسيح المعاصرة.

يقول «نزار إبراهيم»، عالم الحفريات بجامعة «ديترويت ميرسي»: «ربما يمكن القول أن الصحراء الكبرى كانت أخطر مكانٍ في تاريخ كوكب الأرض لأنها كانت موطناً للعديد من الأنواع المختلفة من الحيوانات المفترسة مختلفة الأشكال والأحجام. هذه الشبكة النهرية العملاقة لا تشبه أي نظام بيئي اليوم، هي في الواقع نظامٌ بيئي فريد أيضاً مقارنة بالنظم البيئية الأخرى التي سادت في عصر الديناصورات».

ألقى إبراهيم وزملاؤه نظرة شاملة على سكان وجيولوجيا هذا النظام البيئي، والتي حُفظت آثاره في مناطق التشكلات الصخرية في شرق المغرب المعروفة باسم «كم كم». ويستند تقرير الفريق الذي نُشر في 21 أبريل/ نيسان في دورية «زوكيز» إلى النتائج التي توصّل إليها الفريق بعد عقدين من البعثات الاستكشافية إلى المنطقة، بالإضافة إلى المعلومات التي جُمعت من متاحف الحفريات المختلفة حول العالم.

يقول «أندريا كاو»، باحث مستقل تعاون مع المتاحف والجامعات في إيطاليا والمملكة المتحدة وأماكن أخرى، في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني لدورية «بوبيولار ساينس»: «يمثل هذا العمل أول دراسةٍ تفصيلية تجمع الأعمال السابقة كلها حول جيولوجية وحفريات منطقة «كم كم»، والمحاولة الأولى لإعادة بناء الظروف البيئية التي كانت سائدة في تلك المنطقة من شمال أفريقيا منذ 100 مليون سنة مضت».

ويضيف كاو الذي درس مجموعة «كم كم» وغيرها من النظم البيئية القديمة: «بالرغم من أن بعض الاكتشافات الحفرية لا تزال أولية وتحتاج إلى تأكيدٍ عبر دراسات لاحقة أكثر تفصيلاً، يمكن أن يوفر تقرير هذه الدراسة مصدراً قيماً لخبراء الحفريات في البعثات المستقبلية في المنطقة».

تتكون منطقة «كم كم» من طبقاتٍ من الصخور الرسوبية المتكشّفة على جرفٍ طويل ومتعرج بالقرب من الحدود بين المغرب والجزائر. تتكوّن الحفريات المكتشفة هناك من مجموعات متنوعة.

يقول إبراهيم: «ستجد أشياء متنوعة تتراوح أحجامها من الصغيرة جداً، مثل البرمائيات والنباتات الرهيفة، وحتّى الديناصورات الضخمة». وقد اُكتشفت القليل من الأحفوريات التي تشير إلى الديناصورات العاشبة مثل الصربوديات طويلة العنق. لكّن هذه المخلوقات لا يبدو أنها شائعة مثل أقاربها اللاحمة، وبحسب كاو، هو نمط لاحظ انتشاره علماء الحفريات في مواقع عدة عبر شمال إفريقيا منذ الثلاثينيات.

ديناصورات, حفريات, أحياء قديمة

ديناصورات ضخمة مفترسة متنوعة سادت في منطقة «كم كم» منذ 100 مليون سنة – مصدر الصورة: عمل فني لدافيدي بونادونا، تحت إشراف علمي من سيمون ماجانوكو ونزار إبراهيم

تضم هذه الوحوش المخيفة أربعة ديناصورات مفترسة كبيرة على الأقل. ينتمي أحدها إلى مجموعة من الديناصورات تُدعى «الآبيليصوريدات»، وهي ذات خطمٍ قصير وأسنانٍ صغيرة نسبياً مما يشير إلى أنها ربما كانت ديناصوراتٍ قمّامة. كما اكتشف علماء الأحافير أحافير تعود إلى السبينوصورات، وهي ذات خطم ضيق (الجزء البارز في وجه الحيوان الذي يضم الأنف والفك والفم)، وأسنان قوية مخصصةٍ لصيد وطحن الأسماك، بالإضافة إلى أحفوريات طائر أرضي يبلغ طوله حوالي 8 أمتار، وديناصور صياد عملاق بأسنان مدببة تشبه سكاكين تقطيع اللحوم، ويعرف باسم «كاركارودونتوصور» ويقترب حجمه من حجم الديناصور «تي ريكس». وفي الوقت نفسه، حلّقت التيروصورات المجنحة التي يبلغ طول جناحيها بين 4 و6 أمتار في الأجواء، وكانت أسماك القرش تجوب في المياه بجانب مخلوقاتٌ شبيهة بالتماسيح بطول حافلةٍ مدرسية.

يقول إبراهيم: «إذا قُدر لك زيارة هذا المكان، فهناك العديد من الطرق المختلفة للموت، لن تكون بأمان في أي مكان مطلقاً».

ويضيف أنه ومن خلال دراسة هذه التشكيلة الواسعة من الحفريات التي عاشت في تلك البيئة المخيفة، كان يأمل وفريقه في أن يفهموا بصورةٍ أفضل كيف تعايشت هذه «الوفرة العظيمة» من الحيوانات المفترسة معاً، وما هي نوعية الغذاء الذي اقتاتوا عليه. في الواقع، لاحظ الباحثون أن الجماجم التي تعود إلى الحيوانات آكلة اللحوم من مجموعة «كم كم» كانت متنوعة إلى حدٍ ما، مما يشير إلى أنها كانت متخصصة في تناول أنواع مختلفة من الفرائس، وربما سمح لها ذلك بالبقاء بعيدة عن بعضها البعض وتجنّب المنافسة على مصدر الغذاء نفسه فيما بينها. وقد تكوّن غذاءها في الكثير من الحالات من الأحياء البحرية، ويبدو أن الأسماك كانت مصدر الطعام الأكثر وفرةً في ذلك الوقت، حيث كان يصل حجم بعضها في ذلك الوقت إلى حجم سيارات الدفع الرباعي.

أما أعداد الحيوانات المفترسة العليا في المشهد الطبيعي اليوم -مثل الذئاب والأسود- يفوق أعداد فرائسها العاشبة. لكن، حتّى خلال منتصف العصر الطباشيري في الوقت الذي كانت شبكات الأنهار الشاسعة تعمّ شمال أفريقيا، كانت النظم البيئية التي تهيمن عليها الكثير من الحيوانات المفترسة الضخمة نادرة. يقول إبراهيم: «لقد كان النظام البيئي السائد آنذاك أشبه إلى حدٍ ما بالنظم البيئية البحرية، والتي تسود فيه الحيوانات المفترسة».

ويضيف إبراهيم موضحاً بأن البيئة الطبيعية التي عاشت فيها تلك الحيوانات كانت مليئة بالأنهار المتعرجة والبحيرات والسهول الطينية. يشير هذا إلى أن المنطقة لم يكن باستطاعتها دعم نمو النباتات لفترةٍ طويلة لتكون غذاءً لأعدادٍ كبيرة من الديناصورات العاشبة.

ومع ذلك، قد تكون هناك أسباب أخرى تفسّر اكتشاف علماء الحفريات عدداً قليلاً من أحفوريات الديناصورات الكبيرة العاشبة في هذه المنطقة. يقول «فيليب مانيون»، عالم الحفريات في جامعة «يونيفرسيتي كوليدج لندن» وغير المشارك في البحث في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني: «معظم أحافير الصربود المكتشفة في هذه المنطقة هي إما عظامٌ مفردة، أو شظايا معزولة وليست هياكل عظمية مكتملة، مما يجعل من الصعب تحديد الأنواع التي تنتمي إليها. وعادة ما تميل أسنان الصربوديات لأن تكون متشابهة المظهر، بينما غالباً ما تكون فقراتها المميزة لها أكثر هشّة، وأقل قابلية للحفظ».

ويتابع مانيون: «في النهاية، لا يمكن الجزم بأنّ الأحافير المكتشفة لا تعكس تنوعاً أكبر، فمن الممكن أيضاً أن تكون هذه الديناصورات العاشبة عاشت أساساً وماتت في موائل قريبة أخرى، ونادراً ما حاولت المغامرة والدخول إلى المناطق التي ربما كانت لتحافظ عليها في مجموعة كم كم».

بالنسبة لإبراهيم، تُعد مجموعة «كم كم» بمثابة تذكير بأن النظم البيئية في الماضي يمكن أن تحكمها قواعد مختلفة تماماً عن تلك التي نراها اليوم. لن يكون ذلك مفاجئاً كما يقول، لأن أكثر من 99% من جميع الكائنات الحية التي عاشت على كوكب الأرض يوماً ما قد انقرضت قبل وقتٍ قصير من الوقت الحالي.

ويقول ابراهيم أخيراً: «الصحراء مكانٌ مدهشٌ بلا شك، ولكن عندما تكون هناك في تلك البيئة الجافّة التي لا يمكن العيش فيها، وتبدأ بالعثور على حراشف الأسماك العملاقة وأسنان التماسيح، فإن ذلك يمنحك إحساساً عميقاً بالوقت عندما تدرك مقدار التغير الذي طرأ على كوكبنا وما يمكن أن تغيّر بمرور الوقت».