Reading Time: 4 minutes

فيروس كورونا يطفر بسرعة. وهذا أمر مقلق لأن سلالات كورونا الجديدة هي الأكثر قدرة على الانتقال من الفيروس أصبحت موجودة في الولايات المتّحدة، والمملكة المتّحدة وجنوب إفريقيا، وعدد من البلدان الأخرى. يتساءل العديدون الآن ما إذا كانت اللقاحات الحالية ستحمي من هذا الفيروس. كما يتساءل العديدون أيضاً حول قدرتنا على التعامل مع سلالات كورونا الجديدة، والتي ستظهر في المستقبل لا محالة.

في مختبري الخاص؛ أنا أدرس البنية الجزيئية فيروسات الرنا (المادة الوراثية فيها هي الحمض النووي الريبوزي)؛ مثل فيروس كورونا، وأدرس الطريقة التي تتكاثر فيها هذه الفيروسات في الجسم المضيف. مع استمرار الجائحة وانتشار فيروس كورونا بإصابة كثير من الناس؛ فإن الفيروس سيتطور. عملية التطور هذه مستمرّة وتسمح للفيروس بأن يتكيّف مع البيئة، وينتقي التغيّرات التي تجعله يتكاثر بكفاءة أكبر. ولذا؛ فمن الضروري مراقبة تطوّر هذه الفيروسات والطفرات التي قد تجعلها أكثر فتكاً، وأكثر قدرة على الانتشار، أو الاثنين معاً.

فيروسات الرنا تتطوّر بسرعة

المادّة الوراثية لكل الفيروسات هي إما «دنا» (الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين) أو «رنا»، وإحدى الصفات المميَّزة لفيروسات الرنا هي أنّها تتغيّر بسرعةٍ أكبر بكثير من فيروسات الدنا. في كل مرّة يصنع الفيروس ذو المادة الوراثية «رنا» نسخة عن نفسه؛ فهو يرتكب خطأً أو بضعة أخطاء. وعملية النسخ هذه تحدث عدة مرّات داخل جسم الشخص المصاب بمرض كوفيد-19.

قد يعتقد المرء أن وجود الأخطاء في المعلومات الوراثية هو أمر سيئ. في النهاية؛ فالأخطاء هي مصدر الأمراض الوراثية عند البشر. وبالنسبة لفيروسات الرنا؛ فقد يتسبب تغيير واحد في مادتها الوراثية باعتبارها «ميتة». وليس أمراً سيئاً كثيراً أن تُصنع آلاف النُّسخ من الفيروس داخل خلية بشرية مصابة إذا كانت بعضها ليست مفيدة.

ولكن، قد يحصل تغيير على المادة الوراثية يُعتبر مفيداً لبقاء الفيروس: ربما يسمح هذا التغيير للفيروس أن يقاوم الأجسام المضادّة (وهي بروتينات ينتجها الجهاز المناعي للقضاء على الفيروسات) أو الأدوية المضادة للفيروسات. قد يسمح تغيير مفيد آخر للفيروس بأن يصيب نوعاً مختلفاً من الخلايا أو حتّى نوع آخر من الحيوانات مثلاً. وعلى الأرجح أن هذه هي الطريقة التي تسببت بانتقال فيروس كورونا من الخفافيش إلى البشر.

أي تغيير يمنح أخلاف الفيروس أفضلية في التكاثر سيتم تفضيله (انتقاؤه)؛ وستبدأ الأخلاف (السلالات الجديدة) بالتكاثر بمعدّل أكبر من الفيروس الأصلي. يتّبع فيروس كورونا هذه الطرق مع ظهور الأشكال الجديدة التي تمتلك قدرات مُعزّزة على التكاثر. وفهم طبيعة هذه التغيّرات في المادة الوراثية للفيروس سيسمح للعلماء بتطوير آليّات للتعامل مع الأشكال الجديدة.

يحتوي جسم الشخص المصاب على مئات ملايين الفيروسات الإفرادية. وإذا استعرضنا هذه الفيروسات واحداً تلو الآخر، فسنجد عدداً من الطفرات والأشكال الجديدة. والسؤال هو: أي من هذه الفيروسات له أفضلية في التكاثر؟ أي، ما هي الفيروسات التي تكون قادرة على التطور لأنها أكفأ من الفيروس الأصلي؟ هذه الفيروسات التي ستكون ناجحة خلال الجائحة.

من بين الطفرات التي تم التعرّف عليها؛ هل توجد واحدة مقلقة بشكلٍ خاص؟

أغلب السلالات الجديدة للفيروس أو التغيرات التي تطرأ عليه لن تمثّل أي مشكلة. التغيّر الإفرادي الذي يطرأ على بروتين «سبايك» (وهي المنطقة من الفيروس التي تتصل بالخلايا البشرية)؛ لن يشكّل خطراً كبيراً على الأرجح خلال فترة إصدار اللقاحات.

طباعة ثلاثية الأبعاد لبروتين «سبايك» الخاص بفيروس كورونا، أمام جسيم فيروس كورونا، يمكّن البروتين الشائك (في المقدمة) الفيروس من دخول الخلايا البشرية وإصابتها. في نموذج الفيروس، سطح الفيروس (الأزرق) مغطى ببروتينات شائكة (حمراء) تمكن الفيروس من الدخول وإصابة الخلايا البشرية. – الصورة: NIH Image Gallery/ فليكر

تُحفّز اللقاحات الحاليّة الجهاز المناعي لينتج الأجسام المضادة التي تتعرّف على بروتين سبايك الموجود على الفيروس وتهاجمه، وهو جزء ضروري يحتاجه الفيروس ليدخل إلى خلايا الجسم. لاحظ العلماء التغيّرات المتراكمة التي طرأت على بروتين سبايك الخاص بالشكل الجديد الذي ظهر في جنوب إفريقيا.

مثلاً؛ هذه التغيّرات تسمح لفيروس كورونا أن يتّصل مع المستقبل «إيه سي إي 2» ويدخل الخلايا البشرية بكفاءة أكبر، وهذا وفقاً لدراسات أوليّة لم تُنشر بعد. هذه التغيّرات يمكن أن تسمح للفيروس بأن يصيب الخلايا البشرية بسهولة أكبر، ويمكن أيضاً أن تجعل قدرته على الانتشار أكبر. نتيجة لحدوث عدة تغيّرات في بروتين سبايك؛ يمكن أن تصبح اللقاحات عاجزة على تحفيز استجابة مناعية قوية ضد السلالات الجديدة من الفيروس. وهذا أمر سيئ من ناحيتين: الأولى هي انخفاض فاعلية اللقاحات، والثانية هي ظهور فيروس أكثر قوّة.

حالياً؛ ليس هناك أسباب تدعو لقلق العامّة حول اللقاحات الحاليّة. إذا أن الشركات الرائدة في تصنيع اللقاحات تراقب كفاءة لقاحاتها في التعامل مع السلالات الجديدة، وهي جاهزة لإجراء تعديلات على اللقاحات لضمان أنّها ستقي من الأشكال التي تظهر حديثاً. صرّحت شركة مودرنا مثلاً أنها ستعدّل الجرعة الثانية لتوافق السلسلة الوراثيّة للشكل الجديد الذي ظهر في جنوب إفريقيا. ما علينا إلّا أن نراقب لنرى إذا كانت معدّلات الانتشار ستنخفض مع تلقّي المزيد من الأشخاص اللقاحات.

لماذا تخفيض معدّل الانتشار أمر حاسم؟

انخفاض معدلات الانتشار يعني انخفاض عدد الإصابات. وانخفاض معدل نسخ الفيروس يعني أن فرصِه للتطور عند البشر ستقل. ومع انخفاض احتمال الطفور؛ سيصبح تطوّر الفيروس أبطأ، وسيقل احتمال ظهور السلالات الجديدة منه.

يجب على المجتمع الطبي أن يوفّر اللقاحات لأكبر عدد ممكن من البشر ليقيهم من الإصابة. وإذا لم يحصل ذلك، سيستمر الفيروس بالتطوّر وإنتاج سلالات جديدة في أجسام أعداد كبيرة من البشر.
ما المختلف في الأشكال الجديدة؟
السلالة الجديدة التي ظهرت في بريطانيا «بي.1.1.7» يبدو أنه يتصل بكفاءة أكبر مع المستقبل البروتيني «إيه سي إي 2»، والذي يوجد على سطح خلايا البشر.

لا أعتقد أن هناك أدلة حاسمة تبيّن أن السلالات الجديدة مُمْرضة أكثر، وهو الأمر الذي يجعلها مميتة أكثر. ولكن يمكن أن تكون أسرع أو أكثر كفاءة في الانتقال. هذا يعني أن عدد المصابين سيزداد؛ مما يعني أن عدد الأشخاص الذين سيضطرون لدخول المستشفيات سيزيد.

الشكل الجديد الذي ظهر في جنوب إفريقيا المسمى «501. في 2»، يحتوي على عدد من الطفرات في المورّثة المسؤولة عن تركيب بروتين سبايك. هذه الطفرات تسمح للفيروس بمقاومة الاستجابة المناعية.

للأجسام المضادة دقة مذهلة في مكافحة الأجسام التي تستهدفها، وإذا غيّرت هذه الأجسام شكلها ولو قليلاً (وذلك ما حصل في السلالة التي ظهرت في بريطانيا، كما ويدعو علماء الفيروسات هذه الفيروسات بـ «الطافِرات الهاربة») فلن يستطيع الجسم المضاد أن يرتبط بالجسم بكفاءة، وسيخسر قدرته في المقاومة.
لماذا يتعيّن علينا مراقبة الطفرات؟
يجب علينا أن نضمن أن الاختبارات التشخيصيّة تكشف كل الأشكال. إذا وُجدت طفرات في المادّة الوراثية للفيروس؛ فمن الممكن ألا تكون الأجسام المضادة أو اختبارت «بي سي آر» (تفاعل البلمرة المتسلسل) قادرة كشف الفيروس بكفاءة، ويمكن ألّا تكون قادرة على كشفه على الإطلاق.

لضمان فاعلية اللقاحات؛ يحتاج الباحثون أن يعلموا إن كان الفيروس يتطوّر ويقاوم الأجسام المضادة التي حفّز اللقاح تركيبها.

أحد الأسباب الأخرى التي تجعل مراقبة ظهور السلالات الجديدة أمراً ضرورياً؛ هو أن الأشخاص الذين أصيبوا قد يصابوا مجدداً إذا طفر الفيروس، ولم يستطع جهازهم المناعي التعرّف والقضاء عليه.

أفضل طريقة للبحث عن السلالات الجديدة بين البشر هي إجراء عمليات السَلسَلة العشوائية لفيروسات كورونا؛ والتي يتم الحصول عليها من عيّنات من مرضى ينتمون لخلفيات وراثية ومواقع جغرافية متنوّعة.

كلما جمّع الباحثون بيانات أكثر من السَلسَلة؛ سيتمكن مصنعو اللقاحات من الاستجابة بشكلٍ أفضل للتغيرات الكبيرة التي تطرأ على الفيروس. وتعمل العديد من المراكز البحثية في الولايات المتّحدة والعالم على زيادة إمكانياتها المتعلّقة بالسلسلة بهدف تحقيق ذلك.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «ذي كونفيرسيشن» من هنا.