Reading Time: 4 minutes

مع ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد القطبي وانتشار الأمراض، ليس من المستغرب أن يثير التغير المناخي مخاوفنا. وفي الواقع فقد انتشرت إحدى القصص حول التغير المناخي في مجلة نيويورك على نطاق واسع، وهي تبدأ بالكلمات التالية: “أعِدُك أن الأمر أسوأ مما تظن”.

يقول سيث واينز (وهو باحث في قسم الجغرافيا في جامعة كولومبيا البريطانية): “ترسم هذه المقالة صورة كئيبة، وأرى من المهم أن ندرك أنه ما زال أمامنا الخيار في تحديد مستقبلنا. وحتى لو لم نستطع تحقيق السيناريو المثالي (وهو عدم وجود الاحترار المناخي؛ حيث إننا دخلنا في هذه المرحلة من قبل) فما زال أمامنا مستقبل أفضل بكثير إذا اتخذنا الإجراءات الضرورية بسرعة وأحدثنا تغييرات كبيرة”.

ويقترح بعض الباحثين أنه أمامنا فقط بضع سنوات حتى نبدأ في محاربة الاحترار العالمي بشكل فعلي لتجنب الآثار الأسوأ. وبالطبع يثير هذا الاقتراح التساؤل حول المعنى الدقيق للتصرف بسرعة لمواجهة التغير المناخي، خصوصاً على المستوى الشخصي؛ حيث إن الموضوع يؤول في نهاية المطاف إلى تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة.

وتنتج غازات الدفيئة (مثل ثنائي أكسيد الكربون) عن الكثير من المصادر، منها حرق الوقود الأحفوري كالفحم، أو الغازات التي تطلقها قطعان الماشية التي نربيها للحصول على البرجر. وعندما تدخل هذه الانبعاثات في الغلاف الجوي، تقوم باحتباس دفء الشمس ورفع حرارة الكوكب؛ إنها مسألة بسيطة من الناحية الفيزيائية. ويمكن لهذه الحرارة المرتفعة أن تتسبب في الكوارث عند إذابة الجليد القطبي، ورفع مستويات مياه البحار، والتسبب في أنماط طقسية أكثر عشوائية وخطورة وأصعب على التوقع. ونظراً لبدء عملية التسخين هذه منذ بدايات الثورة الصناعية، فليس من الممكن أن نتجنب الآثار بشكل كامل. ولكن بتخفيض الانبعاثات فورياً، يمكننا أن نتفادى الآثار الأسوأ.

وهذا المخطط البياني يوضِّح انبعاثات ثنائي أكسيد الكربون في الولايات المتحدة مثلاً (مقدرة بالطن لكل شخص)، وهو يعتمد على بيانات صادرة عن البنك الدولي:

ووفقاً لواينز (الذي شارك في تأليف دراسة جديدة نُشرت في مجلة Environmental Research Letters مع كيمبرلي نيكولاس من جامعة لوند في السويد)، فإن الممارسات الأربع التي يمكن أن تؤدي إلى أكبر تخفيضات في الانبعاثات على المستوى الشخصي هي ممارسات يتجنبها معظمنا، وهي: إنجاب عدد أقل من الأطفال، والعيش دون سيارة، وتجنب رحلات الطيران العابرة للمحيطات، والاعتماد على نظام غذائي شبه نباتي.

وقد توصل واينز ونيكولاس إلى هذا الاستنتاج عن طريق دراسة الأدبيات العلمية التي تتضمن تحليل دورات الحياة، أو حسابات الانبعاثات التي يتسبب في إطلاقها فعلٌ ما خلال فترة تأثيره. وفي حالة المنتجات، فإن دورة الحياة عادة ما تغطي الانبعاثات الناتجة عن تصنيع المنتج، واستخدامه، والتخلص منه. وعلى سبيل المثال، إذا تناولت الهمبرجر فأنت تضيف إلى أثرك الكربوني الخاص تلك الانبعاثات الناتجة عن تربية المواشي وزراعة المكونات الأخرى، والانبعاثات الناتجة عن تصنيع ونقل وتخزين قطع اللحم والخبز وغيرها، والانبعاثات الناتجة عن تعفُّن الطعام ومخلفات التغليف، وهي أمور تتراكم بسرعة.

وقد درس الباحثان أيضاً الإجراءات التي عادة ما تنصح بها التقارير الحكومية والكتب الكندية، فقد كان واينز مدرس علوم في الثانوية قبل أن يقرِّر نيل درجة الدكتوراه، وهو يعرف من خبرته العملية حماسةَ الكثير من الطلاب لفعل شيء ما حيال التغير المناخي، ويقول: “يهتم الطلاب بمعرفة ما يمكنهم فعله لحل هذه المشكلة، وفي ذلك الوقت، لم يكن لديَّ الكثير من الأجوبة”.

غير أن الكثير من الحلول التي يُنصح بها حالياً (مثل استبدال المصابيح الكهربائية بمصابيح أخرى أعلى فعالية)، لا تتمتع في الواقع سوى بتأثير متوسط على التغير المناخي، حيث يُعرف التأثير المنخفض بتقليل انبعاثات الكربون سنوياً بمقدار أقل من 0.2 طن سنوياً، والتأثير المتوسط هو تقليلها بمقدار يتراوح ما بين 0.2 و0.8 طن سنوياً.

وقد يبدو هذا كثيراً، غير أن الأميركيين مثلاً يصدرون مقداراً ضخماً من الكربون يصل إلى 16.1 طن لكل شخص سنوياً وفقاً للبنك الدولي، وهو رقم أقل تعاسة مما كان في السبعينيات؛ حيث كانت الانبعاثات تحلق عالياً بقيمة 22.5 طن من الكربون لكل شخص سنوياً، وعلى الرغم من هذا، فما زال أكبر من الهدف الذي حدَّدته اتفاقية باريس المناخية في 2050. ويقوم هذا الهدف -الذي تم حسابه لمنع وقوع التأثيرات الكارثية للتغير المناخي- على تخفيض انبعاثاتنا الكربونية السنوية لكل شخص إلى حوالي 2.1 طن.

بيانات من دراسة واينز ونيكولاس، 2017.
الإنفوجرافيك: سارة تشودوش

يقول واينز: “إذا قرأت في كتاب ما أن من الممكن حل هذه المشكلة عبر أفعال صغيرة للغاية (مثل استخدام الأكياس القماشية بدلاً من البلاستيكية)، فقد تظن أن التغير المناخي ليس بالمسألة المستعصية، في حين أنه من أخطر المشاكل التي تواجه البشرية”.

وقد وجد واينز أن استبدال المصابيح الكهربائية يُخفض من انبعاثات ثنائي أكسيد الكربون بمقدار أقل من 0.2 طن سنوياً، أما الاستغناء عن السيارة كلياً فهو كفيل بتخفيض الانبعاثات بمقدار يتجاوز 3 طن سنوياً، وإذا أنجبت عدداً أقل من الأولاد بمقدار ولد واحد فسوف يؤدي هذا إلى تخفيض آثار التغير المناخي بمقدار 120 طن سنوياً، ولا يقتصر هذا التخفيض على الانبعاثات المترافقة بالولد، بل الانبعاثات الناتجة عنه أيضاً.

غير أن هذه الاستنتاجات ليست ثابتة في جميع الحالات. وعلى سبيل المثال، فقد تفترض أن قيادة سيارة كهربائية هي الحل الأفضل إذا لم تكن قادراً على الاستغناء عنها؛ حيث إن السيارات التي تعمل بالوقود تُصدر الكربون كلما قدتها. ولكن إذا كنت تعيش في مكان ما حيث يتم إنتاج الكهرباء نفسها من مصدر مؤذٍ للمناخ (مثل الفحم)، فقد يكون من الأفضل أن تقود سيارة هجينة.

ويحذر واينز ونيكولاس من مخاطر آثار الاستبدال والارتداد؛ حيث يؤدي تخفيض الانبعاثات الكربونية بطريقةٍ ما إلى زيادتها بطريقة أخرى، فقد تقوم مثلاً بعزل بيتك حرارياً بشكل ممتاز لتخفيض انبعاثات المنزل وفواتير استهلاك الطاقة، ولكن إذا استخدمت المال الذي وفَّرته للذهاب في عطلةٍ تتطلب ركوب الطائرة في رحلة عابرة للمحيط، فلن تقدم أية فائدة تُذكر للكوكب.

ومن ناحية أخرى، يعترف الباحثان بأنه يستحيل على الجميع تطبيق جميع هذه الأساليب؛ فمن السخافة مثلاً أن نفترض أن واينز ينصح بتخفيض عدد الأولاد بعد إنجابهم (لا يمكن أن تفعل هذا دون أن تترتب عليك مسؤولية جنائية).

يقول واينز: “لقد تحدَّثنا عن العوائق العملية التي تمنع تطبيق بعض هذه التغييرات. فبالنسبة للبعض، قد يتطلب هذا التغيير في نمط الحياة الانتقال إلى مسكن آخر، ولهذا توجد خيارات أخرى يمكن اللجوء إليها”، حيث يمكنك على سبيل المثال أن تخفض من استهلاك عائلتك للحم، أو تنظِّم عملية نقل مشترك إلى المدرسة، أو تدفع باتجاه تخصيص مجازات للدراجات في الطرقات ودعم النقل العام في بلدتك.

ولا يقصد واينز بطبيعة الحال أننا يجب أن نعود إلى استخدام المصابيح المتوهِّجة، أو نعاود استخدام الأكياس البلاستيكية، أو نبدأ في رمي ملابسنا في النشَّافة لأقل سبب؛ حيث إن الابتعاد عن هذه الأفعال يقلِّل من الهدر ويحمل أثراً إيجابياً دون شك، ولكن يجب أن نحرص على أن تكون هذه الإجراءات الصغيرة مرافقةً لبضعة إجراءات كبيرة وهامة. وهو يضيف: “إن توفير قرش واحد وهدر عشرة قروش ليس من الحكمة في شيء”.