Reading Time: 4 minutes

إنْ تمكنا من النظر بعيداً عن الأرض لنتجاوز الشمس ومجرتنا، وأبعد من كل مجموعة المجرَّات المجاورة، وتأملنا هذا الكون الشاسع بأسره؛ سيبدو المشهد وكأنه كرةٌ من «غَزْل البنات» لا يقتنع بها حتى طفل صغير.

سترى غالباً ثقوباً ضخمة خالية تماماً من المجرات، والنجوم، والذّرات. وسترى بين تلك البقع الميتة خيوطاً رفيعةً لا حصر لها من مختلف الأطوال والأحجام. وسيبدو حجم مجرة درب التبانة مع مجرة أندروميدا وما حولهما صغيراً جداً، لا يتجاوز بضع بيكسلاتٍ في هذا المشهد المهيب الغامض الذي أضحى علماء الفلك يسمونه «الشبكة الكونية».

وفي الحقيقة معظم ما نملكه من معلوماتٍ حول هذه الشبكة الكونية ناتجٌ عن عمليات المحاكاة الحاسوبية والاستقراء، إلا أن مجموعةً دولية من الباحثين تمكنت من رصد أول شبكتين شَعريتين من الغاز مباشرةً تتخذان شكل الخيوط. ويعتقد العلماء أن المجرات يربط بعضها بعضاً في فراغ هذا الكون. وبالرغم من أن توزعها لا يغطي سوى بقعةٍ صغيرة من هذه الشبكة الكونية الهائلة، فإن هذا الاكتشاف يؤكد أن نماذج المحاكاة الحاسوبية تسير على الطريق الصحيح في رسم خرائط الشبكة الكونية، ويؤكد أيضاً على دور هذه الشبكة الرئيسي في تشكيل المجرات ونموها.

فضاء, المجرات, شبكة كونية, الكون, علم الكونيات

تُظهر المحاكاة الحاسوبية أن المجرات تتصل ببعضها من خلال شبكة من الخيوط تُدعى «الشبكة الكونية» — حقوق الصورة: فولكر سبريغل/ معهد ماكس بلانك للفيزياء الفلكية

يقول «كي جان لي»، عالم الكونيات في معهد «كافالي» للفيزياء والرياضيات، وغير المشارك في البحث: «تعمل الشبكة الكونية بوصفها سلسلةً من الممرات التي تتدفق خلالها المادة تحت تأثير الجاذبية، وبالتالي فإن خصائصها ذات أهميةٍ كبيرة في كيفية تشكُّل المجرَّات»، وهو يصف عمليات الرصد الأولى لهذه الشبكات الشَّعرية «الخيوط» التي تربط المجرات بعضها ببعض بأنها «حدثٌ هائل».

كان العلماء يشككون في العقود الأخيرة في الفكرة السابقة القائلة بأن الشبكة الكونية ليست أكثر من مجرّد تجمّع سلبي للمجرات، تمددت بسبب توسّع الكون، وتضغط عليها قوى الجاذبية في الوقت نفسه كما تقترح نماذج المحاكاة، ما أدى في النهاية إلى أن تصبح رفيعةً، تظهر على شكل شبكةٍ من الخيوطٍ بمرور الوقت. وقد لاحظ علماء الفلك في الآونة الأخيرة أن المجرَّات المُشكلة للنجوم باهتة ولا تتألق كما ينبغي. تبدو وكأن شيئاً ما يقف في الطريق يمنع وصول أضوائها إلينا، ويؤكد هذا التداخل الظاهر بشكلٍ غير مباشر أن الشبكة الكونية مكونةٌ من تراكماتٍ من غاز الهيدروجين.

تقول النظريات الحديثة بأن الغاز يتدفّق بين هذه الخيوط الرفيعة إلى نقاط التقاطع -التي تُعتبر أماكن التقاء عدّة خيوط من الشبكة- وتظهر كثيفةً وساطعة أكثر من باقي الشبكة، وهناك تحديداً يتجمَّع الهيدروجين، ويغذي تشكّل ونمو مجرّات ضخمة، بالإضافة إلى تشكّل ثقوب سوداء هائلة. تُظهر الخريطة الجديدة -التي نُشرت في دورية «ساينس» منذ بضعة أسابيع -أول تصوّر مباشر للخيوط المجرّيّة في إحدى نقاط التقاطع تلك.

يقول «لوتس ويستوزكي»، عالم الكونيات في جامعة بوتسدام في ألمانيا، الذي يعمل على مواضيع مماثلة: «كان هناك سباق خلال السنوات الأخيرة للكشف عن هذه التدفقات بين المجرات، وأراد الجميع أن يروا الأشياء على حقيقتها، وليس مجرّد استقراءٍ أو محاكاةٍ لنكتشف وجود شيءٍ ما هناك».

تتميز هذه الشبكة بكونها باهتة للغاية؛ مما يجعل من الصعب اكتشافها في الفراغات الموجودة بين المجرات، ويقول «لوتس ويستوزكي» في هذا الشأن: «لا يمكن لأدواتنا اكتشاف هذه الخيوط إلا في حالة حدوث عوارض ضوئية يجعلها تتوهج بطريقةٍ تمكننا من رؤيتها؛ لذلك فإن البحث عن الخيوط المعتمة في الكون يشبه إلى حدٍّ ما البحث عن الغيوم في الليل».

ولرؤية تلك الخيوط الباهتة غير المرئية تقريباً، قام الفريق بتركيز التلسكوب على عقدة معينة تحوي مجرّات حديثة التشكل جداً، وقاسوا المسافة التي قطعها الضوء من تلك المنطقة الحافلة بالأحداث العنيفة خلال فترة ما يسميه العلماء «cosmic noon»، وهي حقبةٌ حدثت بعد بضعة ملياراتٍ من السنين من الانفجار الكبير؛ عندما كانت النجوم تتشكل بسرعةٍ وبشكلٍ عنيف. ومتابعة لنتائج دراسةٍ سابقة، قاموا بتوجيه التلسكوب -الضخم جداً التابع للمرصد الجنوبي الأوروبي في تشيلي- على جزءٍ من السماء حجمه بحجم فوهة صغيرةٍ قمرية، وبعد 30 ساعةً من المراقبة التي امتدت لعدَّة ليال، جمعوا ما يكفي من الضوء لتتبع ما بدت بوصفها أضواء خافتة لتجمُّعَين من الخيوط المتشابكة تمتد بين مجرتين، طول كل واحدةٍ منها يبلغ 3 ملايين سنةٍ ضوئية، أي ما يعادل طول مجرة درب التبانة 30 مرةً.

يقول المؤلف المشارك «هيديكي أومهاتا»، عالم الفلك بجامعة طوكيو: «لقد كانت شبكات الخيوط مرئيةً لنا لأن المجرَّات الوليدة فيها كانت تضيء الغاز بشكلٍ خافتٍ مثل الضوء المنعكس على الغيوم من المدينة»، ويضيف: «لقد حددنا الجزء المضيء منها نسبياً، وبذلك، ولحسن الحظ، وجدنا مكاناً متميزاً يُمكننا من خلال النظر إليه مشاهدة الشبكة الكونية لأول مرة».

ويقول ويستوزكي الذي ساعد في بناء الأداة التي التقطت الصورة: «إن البحث سجل رقماً قياسياً جديداً لأكبر كومة من الهيدروجين تم اكتشافها على الإطلاق». لقد كشفت عمليات البحث السابقة عن وجود خيوط الهيدروجين حول مراكز المجرَّات المتألقة تتدفق في الظلام، لكن هذه أول مرةٍ يُكتشف فيها سلاسل أو خيوط من الغازات تصل المجرَّات ببعضها ببعض. ويضيف ويستوزكي: «لكن خيوط الشبكة الكونية لا تمثل سوى أحد التفسيرات لما شاهدناه»؛ لأن رؤية الغاز تتطلب قدراً معيناً من الإضاءة، والفريق ركَّز النظر في منطقةٍ مضيئة؛ لذلك فإن «ويستوزكي» غير متأكدٍ تماماً من أن ما التقطوه أحد تجمعات خيوط الشبكة الكونية التي تربط المجرات ببعضها ببعض بالفعل؛ فربما كان بعض الضباب الكوني الشائع، أو بعض الحطام الكوني الموجود بين المجرَّات، ويقول متسائلاً هنا: «هل ما نراه هي الغازات المتوهجة أم أشياء أخرى متوهجةً تعكس الضوء على الغازات؟».

من جهته يُقرُّ أومهاتا بأنه ربما يوجد بعض حطام المجرات في المشهد، وأنه من الصعب فصل نوعٍ من الغاز عن الآخر، ويأملُ أن تكشف عمليات الرصد في المستقبل عن مدى طول شبكة الخيوط، وعنها بوصفها تصل بين المجرَّات.

يمكن أن تُمكِّن الاكتشافات التالية من استخدام الشبكة الكونية بوصفها أداة يمكن استخدامها في دراسة الكون على كافة المقاييس. فهي -بالإضافة إلى دورها المُفترض والمستمر في تشكُّل المجرات- تُعتبر من بقايا الانفجار الكبير، إذ يمثل كل خيطٍ من شبكة الخيوط النتيجة النهائية لبعض التدفقات المجهرية الأولى في اللحظات الأولى من تشكّل الكون، التي تمددت فيما بعد لأبعادٍ كونية هائلة، ويمكن على سبيل المثال أن نتنبأ من خلال قياسات الشبكة الكونية بكيفية عمل الجاذبية على تشكيل المادة عندما كان الكون في بداياته لا يزال صغيراً وهائجاً جداً.

وستساعدنا -حتى ذلك الحين- خريطة الخيوط الكونية الضخمة الجديدة -التي تمثل الزمن السحيق- على فهمٍ أفضل لمحيطنا الكوني من مكاننا الذي نسكن فيه هنا على كوكبٍ صغير، يدور حول نجم يدور بدوره في مجرّة يغذيها نهرٌ كوني من الغاز، الذي ربما يربطنا بمكانٍ آخر في هذا الكون.