Image

تحتاج الحياة إلى مناخ مستقر.

Bread assortment تخيل فني يصور الكوكب الخارجي كيبلر 186-إف
مصدر الصورة: مركز أميس للأبحاث التابع لناسا/ مختبر الدفع النفاث-معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/ ت. بايل

لماذا لدينا فصول على كوكب الأرض؟ بفضل ميلان محوره بالطبع. ولكن ميلان المحور يفعل ما هو أكثر من مجرد نقلنا من الربيع، إلى الصيف، إلى الخريف، ثم إلى الشتاء. فهو يمثل عامل استقرار مهم لغلافنا الجوي، الذي لولاه لكانت الحياة على الأرض مستحيلة بشكل شبه مؤكد. ولذا من المنطقي أن يلعب الميلان دوراً مهماً في تعزيز الحياة على عوالم أخرى أيضاً.

يقودنا هذا إلى عدد من النتائج الجديدة التي نشرت في دورية Astronomical Journal، والتي تشير إلى وجود زوج من الكواكب الخارجية التي يحتمل أنها صالحة للعيش؛ يمتلك كل منهما ميلاناً مستقراً مما يعزز فرص كونهما أكثر شبهاً بالأرض مما نتصور.

هذان الكوكبان هما “كيبلر 186-إف” و “كيبلر 62-إف”، حيث يبعدان عن الأرض مسافة 550 و 990 سنة ضوئية على الترتيب. الأول بينهما، والذي تم الإعلان عن اكتشافه لأول مرة في العام 2014، كان أول كوكب بحجم الأرض خارج المجموعة الشمسية يتم العثور عليه في المنطقة الصالحة للعيش من محيط نجمه. أما الثاني، فلديه كتلة تعادل 2.8 ضعفاً من كتلة الأرض (ما يجعله يسمى أرضاً فائقة).

يقول مؤلف الدراسة جونج جيه لي، الأستاذ المساعد في معهد جورجيا التقني: “من المعروف سابقاً أن هذين الكوكبين الخارجيين صخريان على الأرجح، ويقعان في المنطقة الصالحة للسكن، حيث يمكن للماء السائل أن يتواجد على سطح الكواكب”. ويتابع: “نحن نسعى إلى تحديد صلاحية هذه الكواكب بشكل أكبر، لكي نعرف بشكل أفضل إلى أي مدى تبدو استضافة هذين الكوكبين للحياة أمراً مرجحاً”.

يحدد محور الدوران بشكل أساسي الكيفية التي يتم بها توزع الحرارة والإشعاعات المنبعثة من النجم عندما تصل إلى الكوكب. تسمح بعض المحاور لهذا التوزع بأن يكون معتدلاً نسبياً، في حين قد يتسبب البعض الآخر بظهور بيئات أكثر قساوة. بالإضافة إلى أن ميلان محور الكوكب سوف يتأرجح في بعض الأحيان إلى الأمام والخلف، وقد تتسبب التذبذبات الأكبر في وضعية المحور بحدوث تفاوتات أكبر في كيفية توزع الإشعاعات النجمية، ما يؤثر على دوران الغلاف الجوي للكوكب ومناخه.

يقول لي: “ليس معروفاً بشكل تفصيلي كيف يمكن لتغيرات محور الدوران والمناخ أن يؤثرا بشكل فعلي على وجود الحياة بشكل عام، فأشكال الحياة المنيعة يمكنها التواجد في بيئات قاسية أيضاً، ولكن البيئة المستقرة قد تكون وسيلة جيدة للبدء”.

على سبيل المثال، يُعتقد بأن ميلان الحور هو أحد الأسباب التي جعلت المريخ، على الرغم من كونه يقع في منطقة صالحة للعيش من نظامنا الشمسي، يفقد غلافاً جوياً سميكاً ويتحول من كونه عالماً مائياً دافئاً إلى جحيم جاف وبارد خلال الأربع مليارات سنة الأخيرة.

تغير ميلان محور الكوكب الأحمر بشكل كبير من صفر إلى 60 درجة، وعدم الاستقرار هذا يعني العجز عن الحفاظ على تمسكه بشكل جيد بغلافه الجوي.

من الناحية الأخرى، يتأرجح محور الأرض فقط بين الدرجتين 22.1 و 24.5، وذلك كل 10,000 سنة قريباً، وهو ما يبرر بقاء الكوكب الأزرق مكاناً رائعاً للحياة ولمدة طويلة. وتشير يوتونج شان من مركز هارفارد سميثونيان للفيزياء الفلكية، والتي شاركت لي في تأليف الدراسة إلى أن: “الزاوية المحورية للأرض كان يمكن لها أن تفقد استقرارها بشكل أكبر لو لم يكن لديها قمر كبير الحجم، والذي لديه أثر في تحقيق الاستقرار في هذه الحالة “.

حظي كل من كيبلر 62-إف و كيبلر 186-إف باهتمام خاص لأن كلاً منهما يبعد عن نجمه المضيف أكثر مما تبعد الأرض أو المريخ عن شمسنا. تقول شان: “والأمر الآخر المهم أيضاً، هو أن ديناميات محور الدوران تزداد مؤثراتها إلى أقصى حد في الأنظمة متعددة الكواكب، لأن تغيرات محور الدوران تكون محصلة التفاعلات التجاذبية بين الكواكب. يقع كل من 26-إف و 186-إف في نظام يضم 5 كواكب، ونحن ندرك خصائص الكواكب الأخرى جيداً لأن كلاً منها يعبر من أمام نجمه”.

بعد إجراء الحسابات، قام كلا الباحثين بتنفيذ بعض عمليات المحاكاة استناداً إلى الأرقام التي كانت بحوزتهما، ووجدا أن محور الدوران لكل من الكوكبين مستقر جداً، على الرغم من أن كلاً منهما لا يمتلك أي قمر. وعلى الرغم من وجود عدد قليل من الكواكب الخارجية المجاورة للتكيف معها ضمن النظام الشمسي لكل منهما، إلا أنهما لا يواجهان تأثيرات تجاذبية من شأنها أن تزعزع استقرار محوريهما. تقول شان: “هذا خبر جيد لتلك الأنواع من أشكال الحياة التي يرتكز نشوءها وبقاؤها على الاستقرار طويل الأمد للكواكب التي ترعرعت فيها”.

يعتقد لي أن هذا النوع من التحليل الديناميكي لمحور الدوران “يمكن تطبيقه بسهولة على أنظمة الكواكب الخارجية الأخرى”، ويمكنه أن يقدم مساعدة كبيرة في تأييد أو رفض الشكوك المتعلقة بصلاحية العوالم الأخرى للعيش.

يقول إريك أجول، عالم الفلك في جامعة واشنطن وهو أول من اكتشف كيبلر 62-إف: “أعتقد أن الأمر المثير الذي علينا استخلاصه؛ هو أن هذا النوع من الدراسات الديناميكية يمكن ربطه بأنظمة حقيقية. الآن، لدينا بالفعل فرص محتملة لتحديد خصائص أنظمة متعددة الكواكب مثل هذه. في كثير  من الأحيان، يعد القيام بعمل نظري مشكلة حقيقية، فمع وجود الكثير من العوامل المتغيرة التي يجب أخذها بعين الاعتبار، لا يكون من الواضح دائماً أي الأهداف التي يُعقد عليها أكبر الآمال بالنسبة لصلاحية العيش، وأيها ليست كذلك”.

من جهتها ليزا كالتينجير، مديرة معهد كارل ساجان في جامعة كورنيل وأحد أعضاء الفريق الذي اكتشف كيبلر 62-إف (و كيبلر 62-إي)، تعتقد أن النتائج تشكل جزءاً من نقاش حيوي حول دور ميلان المحور في صلاحية كوكب خارجي للسكن. ولكنها تؤكد أن “الحياة التي تتطور على عوالم أخرى… يجب أن تكون قادرة على التطور مهما اختلف ميلان المحور. ربما كانت الحياة لتتطور بشكل مختلف لو كان لدى الأرض ميلان مختلف لمحورها، ولكن لا أحد يعرف هل كان ممكناً للاختلافات أن تكون كبيرة، أو هل كان ممكناً لنا العيش في أجزاء مختلفة من كوكبنا الأزرق”.

error: Content is protected !!