Image

التلسكوب العملاق يحصل على تقنيات بصرية تكيفية جديدة

Bread assortment صورة للتجمع النجمي RCW 38 تم التقاطها بأدوات التلسكوب العملاق.
مصدر الصورة: المرصد الأوروبي الجنوبي/ ك. موزيك

تستحق اللقطة أعلاه النجومية، بكل المعاني الممكنة للكلمة، حيث تبين تجمعاً نجمياً على بعد 5,500 سنة ضوئية من الأرض، مليئاً بالأجسام السماوية الناضجة، إضافة إلى التي ما زالت في مرحلة النمو.

التقطت هذه الصورة بالألوان المزيفة، ما يعني أن نفس المنطقة من السماء تبدو مختلفة للغاية عن الصورة إذا نظرنا إليها بالعين المجردة. تمثل هذه الألوان الضوء بالدرجات تحت الحمراء، والتي يستحيل على البشر رؤيتها. تعتبر هذه اللقطة للتجمع النجمي RCW 38 من أكثر الصور التي التقطت لهذه المنطقة دقة وعمقاً، ولم يكن التقاط صورة بهذه الروعة محض صدفة، بل نتيجة استخدام معدات تصوير عالية الدقة والجودة، كما في جميع الصور المماثلة.

تعمل كوراليكا موزيك كعالمة باحثة في جامعة ليسبون في البرتغال، وهي التي تولت قيادة المشروع. استخدم فريقها التلسكوب العملاق في تشيلي (أجل… إنه عملاق فعلاً) لتحديد موقع التجمع النجمي. كما استخدمت كاميرا هوك آي، والتي قد تتفاجأ إذا عرفت أنها ليست متطورة أكثر من كاميرتك الرقمية العادية إلا بقليل. سميت الكاميرا هوك آي “HAWK-I” اختصاراً لعبارة نظام التصوير عالي الدقة واسع الحقل للحزمة K. تم تركيب الكاميرا في 2007، وكانت تلتقط صوراً رائعة للأجسام السماوية البعيدة، ولكن مؤخراً، قام العلماء بتركيب تحديث عليها باسم “جرال GRAAL”، ويتضمن هذا التحديث الجديد استخدام الليزر. حتى بوجود كاميرا قوية مثل هوك آي، يوجد حدود لا يستطيع التلسكوب الأرضي تخطيها، أي السماء. صحيح أن الغلاف الجوي المحيط بنا يسمح لنا بالتنفس، ويحمينا من الإشعاعات الشمسية، ويلعب عموماً دوراً هاماً في الحياة على الأرض، ولكنه بارع للغاية في إفساد التصوير السماوي.

تقول موزيك: “الغلاف الجوي دائم الاضطراب ويتسبب بظهور الغشاوة في صورنا”. وحتى في ليلة صافية، يمكن لاضطرابات الغلاف الجوي أن تشوش شكل النجوم للفلكيين، وتتسبب بتغشية وانحناء المنظر في جلسات التصوير. وتلعب الرياح المتقلبة والتيارات الهوائية وتغيرات درجات الحرارة والكثافة دوراً هاماً في الهواء المضطرب الذي يقف عائقاً ما بين التلسكوب والمنظر المثالي للسماء، وهذه الاضطرابات هي السبب الذي يجعل النجوم تبدو وكأنها تتلألأ، حتى في ليلة صافية.

يعمل نظام جرال للتصدي لهذا الأثر باستخدام تقنية تسمى البصريات التكيفية. تقول موزيك: “تعمل البصريات التكيفية بإشراف حاسوب يعمل في الزمن الحقيقي على حساب تأثير الاضطرابات على الأطوال الموجية”. يقوم الحاسوب بحساب تشويه الصورة الناتج عن الاضطراب، ومن ثم يرسل هذه المعلومة إلى مرآة خزفية قابلة للتشويه، لا تتجاوز ثخانتها المليمترين، ويبلغ عرضها 1.1 متر. يوجد 170 مشغلاً ميكانيكياً خلف المرآة للتحكم بها، وتقوم هذه المشغلات بدفع المرآة بشكل خفيف، بحيث تعاكس أثر السماء المضطربة في الأعلى. يمكن تعديل هذه المشغلات الميكانيكية بمعدل 800 مرة في الثانية، وذلك لمجاراة التغيرات في الهواء نفسه. تقول موزيك: “يسمح لنا هذا بالحصول على صور أكثر دقة، ومن المستحيل الحصول عليها بدون هذه التقنية”. كانت هذه الصورة جزءاً من الاختبار العلمي لنظام جرال الجديد. وقريباً، ستتيح هذه التقنية المزيد من الفرص البحثية الجديدة.

يحتاج نظام جرال إلى نقطة مرجعية حتى يتمكن من إجراء كل هذه التعديلات الصغيرة والسريعة. تقول موزيك: “حتى تعمل البصريات التكيفية بشكل جيد، تحتاج إلى نجم ساطع داخل المنطقة التي يتم تصويرها أو قريباً جداً منها. غير أن النجوم الساطعة ليست كثيرة في السماء”. من حسن الحظ أنه يوجد خيار بديل، كما تشرح موزيك: “يمكن أيضاً أن نشكل نجماً اصطناعياً باستخدام الليزر”.

يحمل نظام جرال أربعة ليزرات موجهة إلى الأعلى نحو الغلاف الجوي. وتقوم الليزرات بإثارة ذرات الصوديوم في الجزء الأعلى من النظام، ما يسبب إطلاق ضوء ساطع بما يكفي لمحاكاة النجوم. ويمكن للحاسوب في التلسكوب العملاق أن يقارن الشكل الافتراضي المثالي لليزرات مع صورتها المضطربة الواقعية، ويجري تعديلاته السريعة، بحيث تصبح الصورة أكثر دقة وصفاء.

طُرحت فكرة البصريات التكيفية لأول مرة في 1953، ولكن لم تصل إلى حد من التطور يسمح بتركيبها في التلسكوبات حول العالم إلا منذ بضعة عقود. قام الباحثون بتطوير مرايا قابلة للتشويه، مثل المرآة المستخدمة في التلسكوب العملاق، ومرايا سائلة يتم التحكم بها بحقول مغناطيسية، وعدلت البصريات التكيفية لتصميم ميكروسكوبات متطورة، وبالطبع، ترافق كل هذا بالتقاط بعض الصور الجميلة.

غير أن قيمة هذه الصور بالنسبة للباحثين من أمثال موزيك لا تتجسد في جماليتها. فقد جلبت الصور معها الكثير من البيانات. تتركز أبحاث موزيك بشكل أساسي حول الأقزام البنية، وهي أجسام تتمتع بخصائص تتراوح ما بين الكوكب الكبير والنجم الصغير. وقد رصد بعض منها في تجمعات نجمية قريبة، ولكن موزيك تأمل بأن تعثر على بعض هذه الأجسام الخافتة في RCW 38، وهو تجمع نجمي بعيد لا يمتلك نفس البيئة المحيطة بالتجمعات النجمية القريبة. وتعمل حالياً على تحليل البيانات لكشف وجود الأجسام الخافتة في الصورة.

error: Content is protected !!