Reading Time: 4 minutes

عندما كنت أعيش مع والدي في ماساشوتس؛ دأب والداي في شهر أكتوبر/تشرين الأول من كل عام على مراجعة «تقارير أوراق الخريف» التي تصدر دورياً، حتى يحددا وجهتهما لرؤية مشاهد الغابات الخريفية الملونة الخلّابة، وحتى الآن ما زالوا يقومون بذلك. تُعتبر صناعة السياحة الخريفية؛ صناعةً تدرّ أرباحاً تصل إلى مليار دولارٍ سنوياً، حيث يسافر الملايين لرؤية مشاهد الغابات الخلّابة في فصل الخريف. يطلق على هذه الصناعة اسم «صناعة أوراق الشجر – leaf peeping»، وتقوم بها شركات السياحة التي تنظيم رحلات لمشاهدة سقوط أوراق الأشجار في فصل الخريف في نيو إنجلاند.

في منتزه «أكّاديا الوطني» في ولاية ماين الأميركية، تضاعفت الزيارات إليه في شهري سبتمبر/ أيلول، وأكتوبر/ تشرين الأول من كل عامٍ منذ تسعينيات القرن الفائت، حيث كان السائحون يحجزون مختلف أنواع الرحلات والإقامات الفندقية مسبقاً؛ بحيث تتزامن مع موسم «أوراق الخريف» المتّوقع في العادة.

لكن مناخ الأرض يتغير، والسؤال الكبير هنا، كيف سيؤثر التغير المناخي على موسم رحلات «أوراق الخريف» السياحية من ناحية توقيتها ومدتها ومتعة القيام بها؟

جمع البيانات

يتطلّب استيضاح العلاقة بين المناخ وموسم «أوراق الخريف» وعدد السوّاح في منتزه أكاديا الوطني –موضوع البحث الذي أقوم به– مجموعةً متنوعة من البيانات تشمل؛ بيانات الرصد الجوي، استطلاعات الزوار، معرفة متى يبدأ موسم «أوراق الخريف»، ووقت ذروته ومتى ينتهي في كلّ عام.

وبصفتي عالمةً بيئية، أستخدم بيانات الأقمار الصناعية كإحدى الطرق الرئيسية التي أدرس بها التغيرات «الفينولوجية» في النباتات (المراحل البيولوجية لدى النباتات مثل الإزهار أو تساقط الأوراق أو ما يهمنا هنا بداية موسم أوراق الخريف). تدور العشرات من هذه الأقمار الصناعية كلّ يومٍ لجمع البيانات المتعلقة بالأرض؛ من طقسٍ وحرارة سطح البحر ودراسة المياه الجوفية وحتى تركيب الغلاف الجوي الكيميائي.

تُعد بيانات الأقمار الصناعية مهمّة جداً في إظهار التغيرات البيئية. لقد استخدم العلماء بيانات الأقمار الصناعية المتعلقة بالغطائين الأرضي والنباتي؛ لإظهار أنّ الإحتباس الحراري يدفع الأشجار للإزهار في أوقاتٍ أبكر من المعتاد أكثر فأكثر.

ولكن، ومثل كلّ التقنيات الحديثة، لا نملك بياناتٍ دقيقة للأقمار الصناعية تعود لتواريخ أقدم. والأسوأ من ذلك، لم يتوفر لدينا بيانات موثوقة من هذا النوع لمنطقة منتزه أكاديا الوطني -موضوع بحثي- قبل عام 2000 إطلاقاً، لذلك كان على فريقي أن يبتكر حلاً للمشكلة.

لماذا تتساقط أوراق الأشجار في الخريف؟

من الناحية البيولوجية، مع تقدمنا من فصل الصيف إلى الخريف تصبح الأيام أقصر وأبرد يوماً بعد يوم، ما يعطي النبات إشارةً أو محفزاً لتخفيض عملية التمثيل الضوئي وإنتاج الكلوروفيل الذي يعطي للأوراق خضرتها. وهنا، ومع بدء زوال الكلوروفيل من الأوراق، تحل الأصباغ الكاروتينية الأخرى الصفراء والبرتقالية محلها؛ لتمنح الأشجار مناظرها الخلّابة الملوّنة مع بداية فصل الخريف.

تحفّز برودة الطقس عند بعض الأشجار إنتاج مادةٍ كيميائية تُدعى «الأنثوسيانين»، والتي تساعد الأشجار على سحب المواد الغذائية من أوراقها إلى منطقة الجذع والجذور؛ لمواجهة فصل الشتاء. يُعد الأنثوسيانين المسؤول عن الألوان الحمراء والبنفسجية المبهرة التي تصطبغ بها أوراق بعض الأشجار؛ كأشجار القيقب الأحمر، والأشجار التابعة لجنس القرانيا.

وبالرغم من أن كل شجرةٍ تختلف عن الأخرى في سلوكها البيولوجي، إلا أنّ الأبحاث اكتشفت أن انبثاق البراعم المبّكر على غير العادة المترافق مع ارتفاع درجات الحرارة والمسبوق بفصل الخريف الجاف؛ يؤثران على توقيت ومدة موسم تساقط الأوراق لاحقاً. فمثلاً، يمكن أن يكون قصر مدة موسم تساقط الأوراق لاحقاً لفصل الصيف الحار والخريف الرطب. وقد وجدت الدراسات أيضاً أن تركيز النيتروجين في الغلاف الجوي -الناتج عن النشاط البشري بوتيرةٍ أسرع مما تنتجه الطبيعة-، يؤثر على مدى جمال احمرار أوراق أشجار القيقب.

في الواقع، لقد أصبحت منطقة شمال شرق الولايات المتحدة أكثر دفئاً ورطوبةً خلال القرن الماضي. كيف أثّر هذا التغير المناخي على توقيت وجمال ومدّة موسم تساقط الأوراق الخريفي في منتزه أكاديا الوطني إذاً؟ وهل تأثر توقيت زيارة السواح إليه والطريقة التي يختارونها للقيام بزيارتهم بسبب ذلك؟

للإجابة عن هذا السؤال، قام الفريق بالاستعانة ببياناتٍ تاريخية لدرجة الحرارة والأمطار المسجّلة في منتزه أكاديا الوطني. لكننا عانينا من عدم وجود بياناتٍ عن موعد بداية موسم أوراق الخريف، ووقت ذروته التي تعود إلى عقودٍ من الزمن. فمعظم السجلات التاريخية (الفينولوجية) والتي وجدناها كانت تُركّز على فصل الربيع، مثل البيانات التي جمعها «هنري ديفيد توري»، لقد واجهنا صعوبةً في العثور على بياناتٍ تاريخية متعلقةٍ بموسم أوراق الخريف.

ورغم ذلك، بحثنا وفريقي عميقاً في تقارير المنتزه الوطني وفي المقالات القديمة التي تتحدّث عنه، مثل مقال وجدنا يعود إلى 12 أكتوبر/ تشرين الأول في يومية «بار هاربر تايمز» المحلية في أكاديا. هنا مقتطف من المقال الذي يتحدّث عن أحد مواسم الخريف:

«لم نشهد هذا العام موسماً لأوراق الخريف في «ماونت ديسيرت» بهذا الجمال من قبل. تشع التلال بالألوان الصفراء والقرمزية، وتظهر البيوت الريفية الخشبية بمنظهر مذهل في الخلفية. لكن للأسف؛ سيذهب كل هذا الجمال الخريفي الأخّاذ بعد أسابيعَ قليلة، حيث سيحل فصل الشتاء، ويُلبس المشهد غطاءً أبيض من الثلج».

السجلات القديمة

وجدنا سجلاً من البيانات المتصلة عن موسم أوراق الخريف يعود إلى عام 1975، لكنه لا يركّز على منطقة أكاديا؛ موضوع بحثنا. كانت شركة «Polly’s Pancake Parlor» في «شوجار هيل» بولاية نيو هامبشاير تقوم بجمع بياناتٍ عن بداية موسم أوراق الخريف وأوقات ذروته منذ منتصف سبعينيات القرن الفائت. ومن المثير للاهتمام أن بياناتهم بيّنت أن موسم أنه منذ عام 1975، بدأ موسم أوراق الخريف يحلّ أكثر في وقتٍ مبكرٍ من العام، لكن وقت ذروته يحدث في وقتٍ متأخرٍ أكثر.

صور «سيلفي» نبحث عنها

لقد أدت بنا هذه الفجوة في البيانات إلى اللجوء للمواطنين لمساعدتنا على سدّها. لقد سهّلت تطبيقاتٌ وبرامج مثل «Nature’s Notebook، iNaturalist، BudBurst و eBird» كثيراً على أي شخصٍ مشاركة بياناته وصوره وملاحظاته المتعلقة بمحيطه، أينما ذهب حول العالم. يقوم العلماء مؤخراً بمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي مثل؛ تويتر، فليكر، انستاجرام للبحث عن بياناتٍ لتقدير معدلات زيارة المنتزهات، وتتبع هجرة فراشات الملكية وبومة الثلج؛ ولتكوين فهمٍ أفضل للطرق المختلفة التي يقدّر بها الناس قيمة المناظر الطبيعية المختلفة.

بالنسبة لبحثنا، يساعدنا جمع الصور من الأشخاص الذين قاموا بزيارة أكاديا في التحقّق من دقة الصور الفضائية التي بحوزتنا. فمثلاً، بمقارنة صور الأشخاص في أكاديا مع الصور الفضائية، يمكن لفريقي التأكد من أن ما نراه في الصور الفضائية؛ موجودٌ في الواقع على أرض المنتزه. ونحن نثمّن الصور التي أرسلها لنا أشخاصٌ كثر زاروا منتزه أكاديا هذا العام، والتي التقطها مرسلوها بكاميرات الهاتف الجوّال الحديثة، والتي بلغ عددها 907 صور على وجه الدقة.

في الحقيقة، لا تغطي هذه الصوّر التي حصلنا عليها الفجوة الزمنية في بيانات الأقمار الصناعية المستمرة التي كانت تلزمنا، نحتاج إلى صورٍ شخصية تعود إلى ما قبل عام 2000، لمساعدتنا في معرفة توقيت حلول موسم أوراق الخريف سابقاً.

لقد كان صعباً الحصول على مثل تلك الصور، التي كنا نلتقطها في السابق بواسطة الكاميرات العادية، التي تخضع أفلامها للتحميض حتى تظهر الصور. ليس لدينا حتى الآن سوى صورتين فقط تعودان لما قبل عام 2010، وتحديداً، واحدة عام 1987 وأخرى تعود لعام 1981.

إن فهم العلاقة بين التغير المناخي وموسم أوراق الخريف وزيارة المنتزهات؛ له أهميةٌ كبيرة في إدارة المنتزهات والاقتصاديات المحلية في جزيرة «ماونت ديزيريت» وما حولها، وأهميةً خاصة لأولئك الذين يحبّون زيارة أكاديا في الخريف. لذلك، ساهموا في خدمة العلم، ولو بصورةٍ شخصيةٍ قديمة.

تم نشر هذا المقال بواسطة «ستيفاني سبيرا» في موقع ذا كونفيرسيشن