Reading Time: 3 minutes

في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018، أعلن العالِم الصيني «خه جيان كوي»، الباحث في الجامعة الجنوبية للعلوم والتقنية في الصين، أنه قام بتعديل جيني لأجنة بحذف جين يُسمى  CCR5 المسؤول عن الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة، عن طريق تقنية كريسبر.

نتج من ذلك ولادة طفلتين لأبٍ مصاب بالإيدز، لكن الأم غير مصابة. ونشر فيديو على يوتيوب، يصرّح فيه بأن التوأم «لولو» و«نانا» في منزلهما، وبصحة جيدة مثل كل الأطفال العاديين. وأضاف أن الأم كانت قد بدأت الحمل بعد التلقيح الصناعي، بعد أن قام بحذف الجين، وفي الحقيقة هو  أجرى التجربة على 7 أجنة، نجح الحمل لحالة واحدة، وأغلق الباب الذي يدخل منه فيروس المناعة المكتسبة ويصيب البشر، بحذف جين CCR5. فأصبحت المولودتين تمتلكان مقاومة ضد الإيدز.

كما ذكر أن الأب كان يواجه التمييز والإهمال الطبي بسبب إصابته بالإيدز، ولم يكن ينوي أبداً الإنجاب. وأكد أن العملية تمت بشكلٍ آمن، ولم يتغير أي جين سوى الجين الخاص المستهدف. الأمر الذي قوبل بثورة من قِبل المجتمع العلمي، أولاً لأنه أمر لم يحدث قبل ذلك، ولأنه خَرق الأعراف والقواعد العلمية، وأثار تساؤلاً مهماً: هل نحن مستعدون لخطوة التعديل الجيني للأجنة؟

يقول الباحث الصيني أن العالَم واجه ولادة أول طفل بالتلقيح الصناعي منذ 40 سنة بالثورة والخوف، ثم جاء بعد ذلك التلقيح الصناعي بثمانية مليون طفل إلى العالم، وأن التعديل الجيني للأجنة هو تلقيح صناعي متقدم.

ما هي تقنية كريسبر؟

كريسبر هي أداة جديدة للتعديل الجيني تشبه المَقص، تقوم باستهداف جين معين وقطعه. تهدف هذه العملية إلى المنع أو الحماية من الإصابة بالمرض. هذه التكنولوجيا لها استخدامات شتى، ولها القدرة على تغيير الجينوم البشري بالكامل. وقد عرف البشر هذه التقنية من البكتيريا، فهي تستخدمها بشكل طبيعي للتخلص من الفيروسات.

والتعديل الجيني  هو التدخل بالحذف أو الإضافة في الجينات، وله نوعان:

  1. تعديل الخلايا الجسدية، أو خلايا الجسم العادية. هذا النوع لا ينتقل للجيل الثاني.
  2. تعديل آخر ينتقل للأجيال المقبلة، ويستهدف الحيوانات المنوية، والبويضات. هذه التقنية تمثل الأمل في التخلص من الأمراض الوراثية الناتجة من خلل في جين واحد مثل التليف الكيسي، وفقر الدم المنجلي، لكن يحتاج الأمر إلى المزيد من التجارب أولاً قبل أن نقوم بتعديل البشر.

تعديل آخر قادم من روسيا
يخطط العالِم الروسي «دينيس ريبريكوف»، المتخصص في البيولوجيا الجزيئية لتعديل المزيد من الأطفال جينياً. تستهدف هذه التجربة الجين نفسه الذي استُهدف في المرة الأولى، لكن هذه المرة الأمر سيختلف؛ حيث سيقوم بتعطيل الجين المتسبب في الإصابة بالإيدز في الجنين، وحقنه في رحم أم مصابة بالفعل بالإيدز، على عكس الباحث الصيني، فقد كان الأب هو المصاب بالمرض، ونسبة نقل المرض من الأب إلى الأبناء ضئيلة من الأساس.

وأخبر دينيس دورية نيتشر أنه يتعاون مع مركز لعلاج الإيدز في موسكو لإيجاد نساء مصابة بالفيروس، توافق على المشاركة في التجربة، التي يأمل أن تبدأ قبل نهاية العام الجاري، 2019. ويقول إن التجربة ستكون آمنة، ولن ينتج عنها تعديلات أو طفرات غير مقصودة في جينات أخرى.

لماذا يتخوّف المجتمع العلمي من الأمر؟

اعترض المجتمع العلمي على ما فعله خه جيان كوي، وجاء هذا الاعتراض بسبب استخدامه لحيوان منوي من أب مصاب بالإيدز، كما أكد الباحث أن هدفه كان حماية الناس من الإصابة بالإيدز، لكن الاعتراض كان لأن إصابة الأطفال المعدلة بالإيدز نسبتها ضعيفة، بالإضافة إلى وجود وسائل وأدوية بالفعل تمنع انتقال الفيروس، فلماذا نقوم بتعديل جيني غير ضروري؟ أيضاً الاعتراض كان بسبب التخوف من إمكانية حدوث طفرات، أو تعديلات أخرى غير مقصودة، لكنه ادعى أن هذا لم يحدث.

كما جاء الاعتراض نتيجة أن التجربة تمت في الخفاء، فقد أعلنت جامعته أنها لم تكن تعلم شيئاً. وأنهت خدمته لاحقاً. كما لم تكن الصين حينها تمتلك قانوناً يجرم التعديل الجيني للأجنة بالذات، لكن في عام 2003، كان قد أصُدر قانوناً يمنع التلاعب بالخلايا الجنسية البشرية، لكنها لم تحدد عقوبات معينة. ولا أحد يعلم ما العقوبة التي يواجهها كوي حتى الآن.

مشكلة التعديل الجيني للأجنة هو أن هذا التعديل يستطيع العبور إلى الأجيال المستقبلية. وما حدث للتوأمين المُعدلين يشرح لماذا تخوف العلماء من الأمر من البداية بحسب ما ورد في دورية نيتشر؛ فقد تسبب التعديل الجيني للتوأم في تقصير معدل أعمارهم المتوقع، دون قصد من كوي. حيث وجدت الباحثة «أبريل وي» من جامعة كاليفورنيا علاقة بين الجين المحذوف ومعدل العمر.

وبحسب دورية نيتشر؛ يتخوف العلماء والمهتمين بأخلاقيات علم الأحياء من خطة الباحث الروسي؛ فتقول «جينفير داودنا» عالمة الأحياء الجزيئية، بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وأحد الرائدات في استخدام تقنية كريسبر وهي ليست متفائلة بشأن هذه التجارب: «إن هذه التكنولوجيا غير مهيأة الآن لمثل هذه التجربة». ويقول «ألتا شارو» الباحث في أخلاقيات علم الأحياء والقانون في جماعة ويسكونسين الأمريكية: «إن ما سيقدم عليه الباحث الروسي استخدام غير أخلاقي لهذه التقنية»، ويضيف: لا يمكن استرجاع التعديلات التي حدثت».
يُذكر أن تعديلات الجينات محظور في كثير من الدول. أما بالنسبة لروسيا فهي تمتلك قانوناً يحظر الهندسة الوراثية في ظروف كثيرة، لكن الأمر غير واضح كلياً خاصة وأن قوانينها لا تذكر التعديل الجيني صراحةً. يقول دينيس ريبريكوف إنه مجنون بما يكفي ليقدم على هذه التجربة، لكن ربما تحتاج الأطفال المعدلة القادمة للحياة لمزيد من الضمانات بالسلامة والأمان، أكثر مما تحتاج للجنون.