Reading Time: 7 minutes

عندما نُفكر في المستقبل، فنحن نميل إلى التفكير في كوكبنا: الأرض، والعلامات التي نتركها على محيطاته، ومساحاته الخضراء التي تُميزه، والخراب والدمار الذي تسببنا له فيه. وهنا تواجهنا الكثير من الأسئلة: أي البلاد ستغرق بسبب ارتفاع مستوى المحيطات؟ وكيف سيواجه كوكب الأرض الزيادة المفرطة في تعداد البشر؟ وكيف سيلبي احتياجاتهم من غذاء وطاقة وموارد طبيعية؟

بالطبع يرى المتشائمون الأسوأ، وبعضهم لا يعتقد أن البشر سيتمكنون من النجاة لنحو 1000 عام مُقبلة في المقام الأول؛ لأن جشع البشر يبتلع موارد الأرض بمعدلات أسرع مما يمكن لكوكبنا أن يواجهها، وسيبدو المستقبل من هذا المنظور مظلماً، ولكن هناك رأي يعتقد أن التكنولوجيا ستتيح لنا الحلَّ الأمثل لكل مشكلاتنا البيئية.

على الرغم من ذلك، يجب أن نسأل: ما الذي سيمنع الكويكبات والمذنبات من الاصطدام بالأرض، ومحو المحيط الحيوي من عليها تماماً؟ وما الذي سيحمي كوكبنا من لفحات أشعة جاما الناتجة عن انفجار النجوم التي تعادل في قوتها ملايين القنابل الذرية؟ وما شكل المستقبل الذي ينتظر الأرض في ظل هذه المخاطر؟

على مر السنين عانى كوكبنا الكثير من التقلبات المناخية الشديدة، وعلى الرغم من كثرتها كان هناك عامل أساسي مشترك في معظمها، وهو تغير نسبة الكربون المتراكم في الجو؛ وهذا يتسبب عادةً في زيادة معدل الاحتباس الحراري وسخونة الكوكب، بالإضافة إلى أن هناك الكثير من الفترات المتشابهة في مناخها تمتد من ملايين السنين من الوراء إلى آلاف السنين القادمة، فهل ستقع أحداث خطيرة أصابت الكوكب من قبل؟

الأرض في عام 2100

المناخ, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, مستقبل المناخ

التغير المناخي — حقوق الصورة: Matt Barringer/ Unsplash

قام مجموعة من العلماء من جامعتي ميتشجان وأريزونا بنشر ورقة بحثية في الـ 18 من سبتمبر/ أيلول الماضي، في مجلة «ساينس أدفانسيس»، وللمرة الأولى قاموا باستخدام نموذج لمحاكاة معاناة الأرض من الاحتباس الحراري الشديد في حقبة عصر «الإيوسين» المبكر. اختار العلماء هذه الحقبة الزمنية لأنها تُعتبر مثالاً لما ستلاقيه الأرض في المستقبل. وجدت المجموعة أن الاحتباس الحراري في ازدياد شديد مع زيادة مستويات ثاني اكسيد الكربون، مما سيكون سبباً في تغيرات خطيرة مستقبلية في مناخ الأرض، يمكن أن يتسبب في ارتفاع متوسط درجة حرارة الكوكب إلى 14 درجة مئوية.

وفي حديثه الخاص لـ «بوبيولار ساينس – العلوم للعموم» صرّح «جيانج تشو»؛ المؤلف الأول للدراسة وباحث ما بعد الدكتوراه في قسم علوم الأرض والبيئة بجامعة ميتشجان قائلاً: «لقد فوجئنا بزيادة حساسية المناخ بقدرٍ كبير مع زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون. هذه النتيجة مخيفة؛ لأنها تشير إلى أن استجابة درجة الحرارة لزيادة مستوى ثاني أكسيد الكربون في المستقبل قد تكون أكبر من الاستجابة للزياده نفسها في وقتنا الحالي».

وأضاف: «ومن المتوقع أن يؤدي الاحتباس الحراري العالمي إلى تغيير توزيع السحب وأنواعها في الغلاف الجوي للأرض، ويمكن أن يكون للغيوم تأثيرات على المناخ في زيادة الحرارة وتقليلها».

50 مليون عام إلى الوراء

كان عصر الإيوسين المبكر -قبل 48 مليون إلى 56 مليون سنة تقريباً- أكثر الفترات في ارتفاع درجة حرارة المناخ خلال الـ 66 مليون سنة الماضية. لقد بدأ بـ «Paleocene-Eocene Thermal Maximum»، الذي يُعرف اختصاراً باسم «PETM»، وهو ارتفاع الحرارة الأكثر خطورة بين عدة أحداث قصيرة مشابهة في حقبة الإيوسين المبكر. فقد ارتفعت تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ودرجات حرارة السطح 14 درجة مئوية، عن الدرجة المعتادة التي كانت أكثر حرارة من اليوم.

ووفقاً لعلماء المناخ، تشير الدلائل الجيولوجية إلى المناخ في حقببة الإيوسين المبكر كان أكثر حساسية لنسبة ثاني أكسيد الكربون؛ لذا كانت درجة حرارة الأرض فيه مرتفعة. كما تشير الدلائل إلى أن مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي آنذاك قد وصلت إلى 1000 جزء في المليون. أي أكثر من ضعف المستوى الحالي البالغ 412 جزءاً في المليون. وإذا لم يتم التعامل للحد من انبعاثات الكربون الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري، فقد تصل مستويات ثاني أكسيد الكربون مرة أخرى إلى 1000 جزء في المليون بحلول عام 2100.

حساسية المناخ

أقرّ الباحثون أن الزيادة الكبيرة في حساسية المناخ التي لاحظوها -والتي لم نشهدها في المحاولات السابقة لمحاكاة الإيوسين المبكر باستخدام كميات مماثلة من ثاني أكسيد الكربون- ترجع على الأرجح إلى تحسين تمثيل العمليات المستخدمة في نموذج المناخ، الذي أصدره مجتمع «Earth System Model»، الإصدار«1.2 أو CESM1.2».

وفي طريقهم إلى محاكاة الإيوسين المبكر، وجد الباحثون انخفاضاً في «التغطية السحابية» والعتامة التي أدت إلى تضخيم الاحتباس الحراري الناجم عن ثاني أكسيد الكربون. بحسب دراسات الباحثين فإن العمليات السحابية نفسها المسؤولة عن زيادة حساسية المناخ للاحتباس الحراري في محاكاة الإيوسين المبكر؛ أصبحت نشطة اليوم.

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على دور العمليات السحابية الصغيرة في تحديد عمليات التغير المناخي واسعة النطاق، وتشير إلى زيادة محتملة في حساسية المناخ مع ارتفاع درجات الحرارة في المستقبل. لم تتمكن نماذج المناخ -إلى الآن- من محاكاة الدفء السطحي الشديد لعصر الإيوسين المبكر، بما في ذلك طفرات درجات الحرارة المفاجئة والمثيرة لـ PETM، وذلك من خلال الاعتماد فقط على مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وأنه لابد من إجراء تغييرات على النماذج.

وعلى مدى عقود، قلَّلت النماذج من درجات الحرارة هذه، وقد افترض المجتمع منذ فترة طويلة أن المشكلة تتعلق بالبيانات الجيولوجية، أو أن هناك آلية للاحتباس الحراري لم يتم التعرف عليها بعد. لكن نموذج «CESM1.2» الذي استخدمه الباحثون، كان قادراً على محاكاة كل من الظروف الدافئة، وتَدرُّج حرارة خط الاستواء إلى القطب المنخفض في السجلات الجيولوجية.

ويطابق نموذج المناخ -للمرة الأولى- الدليل الجيولوجي دون إجراء تعديلات مُتعمّدة على هذا النموذج. إنه تَقدُّم كبير لفهمنا للمناخات الدافئة الماضية. كان النموذج «CESM1.2» أحد النماذج المناخية المستخدمة في تقرير التقييم الخامس الموثوق من الفريق الحكومي الدولي المعني بالتغير المناخي، والذي تم الانتهاء منه في عام 2014.

ربما نفكر على نحو خاطئ

نعلم يقيناً أن كوكبنا يشهد حالياً تأثيرات حقيقية بسبب التغير المناخي، لكنه -وبعد الدراسة الحالية- بات أيضاً عُرضة لتغيرات أكيدة في مجالات العمل المختلفة، والمهارات التي سنحتاجها للتعامل مع تلك التغيرات.

قد نفكر على نحو خاطئ عندما نفكر في التغير المناخي؛ إذ يفكر أغلبنا في عواقب بيئية فقط؛ مثل: ارتفاع مستويات البحار، وارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الأنهار الجليدية. لكن هذه الآثار مجرد قمة جبل جليدي؛ لأن التغير المناخي يؤثر في كل شيء حولنا، بدايةً من قطاع البنوك إلى المؤسسات الصحية؛ ولذلك لا يواجه مسؤولو التخطيط في المجالس المحلية للمدن المخاطر وحدهم فيما يتعلق بضرورة تغيير إطار أعمالهم من أجل التخطيط للمستقبل. فمن المرجَّح أن يؤثر التغير المناخي في أعمال واضعي السياسات المالية، والمزارعين، والمهندسين المدنيين، والأطباء أيضاً، وكثير من أصحاب المهن والوظائف الأخرى.

المناخ, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, مستقبل المناخ

مستقبل المناخ — حقوق الصورة: Arani Mukherjee/ Unsplash

ومن الصعب معرفة مدى خطورة آثار التغير المناخي، ومدى تأثيره في العديد من الأعمال والمجالات، لكن ثمة تغيرات يمكننا بالفعل أن نراها حالياً؛ فهناك كوارث متعلقة بالمناخ، مثل: الجفاف والأعاصير التي تؤثر بشكلٍ كبير على المصالح الاقتصادية، ومستقبل شركات التأمين، التي تدفع الملايين مقابل الأضرار التي تلحق بالناس وممتلكاتهم.

وفي الوقت نفسه، هناك نظام عالمي مُعقّد لتجارة التجزئة قد يتأثر أيضاً، مما يعني أن حدوث اضطراب في مكانٍ ما من العالم؛ يمكن أن يؤثر بالطبع على أماكن أخرى. وقد ظهر هذا مؤخراً بعد وقوع زلزال اليابان في أبريل/ نيسان عام 2016، الذي دمر عدداً من المصانع التابعة لشركة «تويوتا» الشهيرة للسيارات، ودفع الشركة إلى تعليق إنتاجها.

وقد يتأثر القطاع الصحي بشكلٍ كبير أيضاً، بالإضافة إلى التأثير على كميات المياه النظيفة والأطعمة. فزيادة درجات الحرارة تزيد أيضاً من فرص تَعرّض بعض المناطق الفقيرة لأمراض مثل الملاريا وحمى الضنك، وقد يكون السبب في تفاقم وباء «زيكا» الطقس الأكثر حرارة. وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن التغير المناخي سيؤدي إلى وفاة ما يقرب من 250 ألف شخص حول العالم في الفترة ما بين 2030 و2050.

لكن كيف لنا أن نساعد هذا الكوكب؟ كان هذا أحد الأسئلة التي وجهتها «بوبيولار ساينس – العلوم للعموم» إلى المؤلف الرئيسي للدراسة «جيانج تشو» وكانت إجابته باختصار: «المخاطر كبيرة، ونحن بحاجة إلى سياسات مناخية ثابتة، تهدف إلى الحد من انبعاثات الكربون». ويُضيف: «يجب أن يواصل الاقتصاد النمو، فلا مناص من النمو، لكن ما يجب علينا فعله فصل النمو عن الانبعاثات الكربونية».

كيف نحمي كوكبنا؟

المناخ, التغير المناخي, الاحتباس الحراري, مستقبل المناخ

كوكب الأرض — حقوق الصورة: مكتبة نيويورك العامة

وضْع جميع الأجزاء في مكانها الصحيح هو جزء من المعادلة. ومن الأجزاء الأخرى بناء مستقبل مستدام لأن كل أنشطة التنمية تجري في سياق من تغير المناخ. وضع الباحثون في الدراسة 5 حلول مقترحة، يمكن أن تُساهم بشكلٍ أو بآخر في وضع الأمور في نصابها الصحيح، وحماية هذا الكوكب.

1. بناء المدن المرنة منخفضة الانبعاثات الكربونية

نعلم أن مرافق البنية التحتية التي ستشيد خلال العشرين سنة المقبلة تزيد عما شيّد خلال 6000 سنة مضت. فالمدن تنمو سريعاً، خاصة في العالم النامي. كما أن نحو نصف سكان العالم يعيشون في المراكز الحضرية اليوم. وبحلول عام 2050، من المتوقع أن تضمّ المدن ثلثي سكان العالم.

بالتخطيط الدقيق للنقل واستخدامات الأراضي، ووضع معايير لكفاءة استخدام الطاقة، يمكن بناء المدن بأساليب تَحُول دون الوقوع في أنماط غير مستدامة. ويمكن أن تتيح فرص عمل وفرصاً للفقراء، وتحُد من تلوث الهواء. غير أن تمويل هذا النمو كي يصبح مستداماً أمراً يمثل تحدياً. توضح البيانات المتاحة أن حوالى 4% فقط من أكبر 500 مدينة في البلدان النامية؛ تعتبر ذات جدارة ائتمانية في الأسواق العالمية. كما تساعد مجموعة البنك الدولي المدن على تحسين وضعها الإستراتيجي، وتصحيح مقوماته المالية التي ربما تحول دون حصولها على الائتمان.

2. إنهاء دعم الوقود الأحفوري

يرسل دعم الوقود الأحفوري إشارة مختلفة تشجع على التبذير، وتثبط من النمو المنخفض للانبعاثات الكربونية. وعن طريق الإلغاء التدريجي للدعم على الوقود الأحفوري الضار، يمكن لمختلف البلدان إعادة تخصيص مواردها لأكثر المجالات احتياجاً، وأكثرها فعالية، بما في ذلك المساندة المستهدفة للفقراء.

فقد تم تخصيص نحو 550 مليار دولار لدعم الوقود الأحفوري على مستوى العالم سنة 2013، ليخصم بذلك نسبة ضخمة من إجمالي الناتج المحلي لبعض البلدان من أجل الخفض المصطنع لأسعار الطاقة. ومع ذلك فإن الأدلة تظهر أن دعم الوقود الأحفوري لا يحمي الفقراء على الإطلاق. فالدراسات تُثبت أن نسبة 20% الأكثر ثراء من السكان يحصلون على منافع من دعم الوقود الأحفوري، في الوقت الذي تزيد فيه نسبة السكان الأشد فقراً 6 مرات عن هذه النسبة.

3. تسعير الكربون

وهو نظام يفرض ضرائب على المتسببين بانبعاثات الكربون. يرسل هذا النظام إشارات طويلة الأجل إلى الشركات لخلق حوافز للحد من السلوكيات المتسببة في انبعاثات الكربون، بالتالي التلوث، بالإضافة إلى الاستثمار في خيارات الطاقة النظيفة، وابتكار أساليب مُخفِّضة للانبعاثات. يفرض نحو 40 بلداً تسعير الكربون من خلال أنظمة تداول الانبعاثات أو الضرائب على الكربون، وهذه الأعداد آخذة في التزايد. كانت كوريا أحدث بلد ينشئ سوقاً للكربون في يناير/ كانون الثاني، وشهدت الصين -التي تمتلك 7 أسواق تجريبية في مدن وأقاليم- تراجع واضح في الانبعاثات.

4. تطبيق ممارسات الزراعة والتوسع في الغابات

يعدّ التكيّف مع التغير المناخي والتخفيف من آثاره حلاً آخر. إن ممارسات الزراعة المراعية للمناخ تساعد المزارع على زيادة إنتاجية المزرعة؛ لأنها قادرة على الصمود في مواجهة آثار التغير المناخي مثل الجفاف. وفي الوقت نفسه تُعدُّ كخزانات لامتصاص الكربون، وتساعد على الحد من الانبعاثات. كما تعدّ الغابات أيضاً خزانات مفيدة لامتصاص الكربون وتخزينه في التربة والأشجار والأوراق.

5. زيادة كفاءة استخدام الطاقة واستخدام الطاقة المتجددة

حين نتحدث عن الطاقة يجب أن نتحدث عن الحصول عليها. فنحو 1.2 مليار شخص في أنحاء العالم ليس لديهم كهرباء، ويعتمد 2.8 مليار آخرون في الطهي على الوقود الصلب مثل: الأخشاب، الفحم النباتي، والفحم الحجري الذي يسبب أضراراً بالغة بتلويث الهواء داخل المنازل. وعن طريق مبادرة الطاقة المستدامة للجميع؛ تساند مجموعة البنك الدولي 3 أهداف حتى عام 2030.

الأول: تعميم الطاقة الحديثة على الجميع.

الثاني: مضاعفة نسبة التحسين في كفاءة استخدام الطاقة.

الثالث: مضاعفة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي.

يمثل تحسين كفاءة استخدام الطاقة أمراً حاسماً؛ فكل جيجاوات نوفرها من الطاقة؛ نوفر معها تكاليف إنتاجها. وعلى مستوى العالم، فإن استخدام الطاقة اليوم يقل الثلث تقريباً، والفضل في ذلك يعود إلى التحسينات التي أدخلت على كفاءة استخدام الطاقة خلال السنوات العشرين الماضية. وفي الوقت ذاته، يتوالى الانخفاض على تكلفة الطاقة المتجددة. وفي كثيرٍ من البلدان، أصبحت تكلفة إنتاج الطاقة المتجددة في نطاق المرافق أقل الآن من تكلفة إنتاج الوقود الأحفوري، أو معادلة لها.