Reading Time: 7 minutes

في العديد من الصناعات، بالكاد تكفي 10 سنوات لحدوث تغيير جذري أو نقلة نوعية فيها، ما لم يحدث ما يدفع مسارها بخطًى متسارعةٍ نحو الأمام مثل: اكتشاف تكنولوجيا جديدة، أو نموذج عمل جديد، أو تقديم خدمةٍ جديدة. تمتلك صناعة الفضاء هذه العناصر الثلاثة كلَّها.

لم تكن أي من تلك الابتكارات مضمونة النجاح قبل 10 سنوات، وفي 28 سبتمبر/ أيلول عام 2008، كان كلُّ موظفي شركة «سبيس إكس» يترقبون ويأملون نجاح تجربة إطلاق منتجهم الجديد صاروخ «فالكون 1» الأخيرة، بعد 3 محاولاتٍ فاشلة. كانت هذه المحاولة الأخيرة نظراً لانخفاض السيولة المالية لديهم؛ فقد استهلكت هذه التجربة ما يزيد عن 21 ألف كيلوجرام من الكيروسين والأكسجين السائل  في محركي دفع الصاروخ حينها.

نجحت تجربة الإطلاق، ووصل صاروخ «فالكون 1» إلى المدار، وحصلت سبيس إكس بعد ذلك على عقدٍ تشغيلي مع وكالة ناسا، وبذلك تجاوزت الشركة محاولاتها السابقة الفاشلة وبدأت في التوسع. أحدث نجاح صاروخ «فالكون 1» -أول صاروخ ينتجه القطاع الخاص ويصل للمدار- نقلةً نوعيةً في صناعة الفضاء غيَّرت عالمنا، وجعلتنا نفكّر بما هو أبعد من كوكبنا.  لكن ماذا حدث في السنوات اللاحقة، وماذا يعني المضي قدماً؟

القمر الاصطناعي الروسي سبوتنيك

القمر الاصطناعي الروسي «سبوتنيك»

في الوقت الذي ينشغل فيه العلماء بتطوير تقنياتٍ جديدة -تعالج عدداً كبيراً من المشاكل الفنية التي تواجههم في الفضاء-؛ هناك شريحة أخرى من الباحثين -وأنا منهم- تدرس نواحٍ أخرى من هذه الصناعة الجديدة، وبعض القضايا العملياتية التي تواجهها.

يقول «جويل ووتن» (كاتب المقال) إنه قام بالاشتراك مع زميله «كريستوفر تانج» في إعداد بحثٍ حديث يتعلَّق بالأسئلة التي ترغب الشركات في الإجابة عنها، والتبين من إمكانية خلق صناعةٍ فضائية مُستدامة، وتمكين البشر من إنشاء قواعد خارج كوكب الأرض، والتعدين على الكواكب الأخرى، وإطالة فترة السفر في الفضاء. ينبغي الإجابة عن كلّ تلك الأسئلة في الوقت التي تقوم فيه الحكومات بتخفيض تمويلها المشاريع الفضائية تدريجياً، ونعتقد أن هذه الشركات التجارية قد تحمل أقل ما يمكن أن نأمله لتكون سبيلنا إلى المجرة.

صناعة الفضاء العالمية الجديدة

كانت البداية عندما أطلق الاتحاد السوفيتي برنامج «سبوتنيك»؛ إذ وضع أول قمرٍ صناعي في المدار عام 1957، معلناً بذلك بدء سباقٍ محموم إلى الفضاء، تغذيه المنافسة الدولية، ومخاوف الحرب الباردة. كان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة اللاعبين الأبرز في هذه الساحة؛ فقد كان كل منهما يُخطط لقائمةٍ من الإنجازات في هذا المجال، ليضيفها إلى سجلّ إنجازاته. وقد توّجت المرحلة الأولى من هذا السباق نحو الفضاء بإنزال «نيل أرمسترونج» على سطح القمر، من خلال الرحلة التاريخية «أبولو 11»، وقد كلّفت تلك الرحلة حكومة الولايات المتحدة حينها نحو 25.4 مليار دولار؛ أي ما يعادل نحو 200 مليار دولار بمقياس اليوم.

اتسمت هذه المرحلة التاريخية المبكرة من سباق الفضاء بالتنافس، إلا أن هذا التنافس تطور إلى تعاونٍ فيما بعد، وأصبح لدينا محطة الفضاء الدولية؛ بوصفها مثالاً رائعاً عن ذلك التعاون الذي عملت فيه حكومات مختلف الدول لتحقيق الأهداف المشتركة. أما الآن فقد دخلنا في مرحلةٍ جديدة، إنها مرحلة الانفتاح على الشركات التجارية الخاصة التي باتت تقود زمام هذه الصناعة.

فقد أصبحت صناعة المركبات الفضائية وإطلاق الأقمار الصناعية تجاريةً تماماً، ويعود سبب ذلك جزئياً إلى تقليص الميزانيات المخصصة للفضاء من قِبل الحكومات. وقد أشار تقرير صادر عن شركة «سبيس أنجلز» الاستثمارية إلى أن نحو 120 شركة استثمرت أكثر من 3.9 مليار دولار العام الماضي في قطاع صناعة الفضاء الخاصَّة. ولم يعد كل من قطبي الحرب الباردة -الولايات المتحدة وروسيا- يهيمن عملياً على صناعة الفضاء. فقد أصبحت صناعةً عالمية تعمل فيها شركاتٌ متخصصة تتجاوز الدول.

فمنذ بداية عام 2018 وحتى الآن، جرت 72 عملية إطلاق للمدار، بمعدل مرتين أسبوعياً من منصات الإطلاق في الصين، وروسيا، والهند، واليابان، وغينيا الفرنسية، ونيوزيلندا، والولايات المتحدة.

تتزامن هذه الزيادة الكبيرة في عدد مرات إطلاق الصواريخ نحو المدار، وإطلاق العديد من المركبات الفضائية -التي تشمل الأقمار الصناعية والمسابر التي تُطلق من الفضاء أيضاً-، مع الانفتاح الكبير الحاصل على الشركات التجارية العاملة في هذا المجال خلال العقد الماضي.

بات عددٌ أكبر من الحكومات، والشركات، والهواة، يشارك في إطلاق مختلف المركبات الفضائية أكثر من أي وقتٍ مضى. ومع تزايد الكيانات المشاركة في هذا المجال، ازدهر الابتكار فيه شيئاً فشيئاً. يقول «بيل روبنسون»، المحرر السابق لموقع «ديجيتال تريندز»: «أصبحت مختلف أنواع الرحلات التجارية الفضائية الخاصة، من استكشاف القمر، والتعدين، وإقامة المستعمرات، مطروحةً على الطاولة فجأةً، الأمر الذي أشعل السباق نحو الفضاء مجدداً، وجعله أكثر نشاطاً مما كان عليه قبل سنوات».

ناسا, فضاء, إطلاق المركبات الفضائية

مخطط يُظهر تطور عدد الإطلاقات نحو الفضاء، بما فيها إطلاق مركبات المأهولة وغير المأهولة — حقوق الصورة: موسوعة المركبات الفضائية

يمكن للمرء ملاحظة هذه الحيوية في الأخبار جليةً؛ فقد أعلنت اليابان في 21 سبتمبر/ أيلول 2018 أن اثنين من مركباتها غير المأهولة، اللتين أُطلق عليهما اسم «مينرڤا 1» و «مينرڤا 2»، قد هبطتا بنجاحٍ على كويكبٍ صغير بعيد. تصف وكالة الفضاء اليابانية ضخامة هذا الحدث؛ بأنه «يُكافئ نظرياً إصابة هدفٍ ارتفاعه 6 سنتيمترات من على بعد 20 ألف كيلومتر». وفي وقتٍ سابق من هذا العام، راقب الناس في جميع أنحاء العالم في رهبةٍ إطلاق صاروخ سبيس إكس «فالكون هيفي» بنجاح، وعودة صاروخيه الدافعين إلى منصة الإطلاق مجدداً بشكلٍ متزامنٍ، في مشهدٍ مذهلٍ أثار إعجاب وذهول من شاهده.

التحديات والفرص

في خضَم نمو رأس المال وزيادة عدد الشركات والمعرفة، يجب على الباحثين والمهندسين معرفة كيفية إدارة شركاتهم لعملياتها اليومية، وتنظيم تزويدها بالمؤونة مثلاً، وتطوير عملياتٍ مُستدامة في الفضاء. تلك أمورٌ بالغة التعقيد بسبب المشاكل التي تواجهها في الفضاء؛ مثل: المسافة البعيدة، والجاذبية، والبيئة القاسية، بالإضافة إلى ندرة المعلومات المتوفرة.

ويتمثل أحد أصعب التحديات في الواقع في كيفية نقل الأشياء اللازمة إلى الفضاء. إن تصنيع كل شيءٍ في البداية، ثم نقله إلى الفضاء على متن الصواريخ مكلف جداً وله حدود، إلا أن شركةً تدعى «Made In Space» تتّبع مقاربةً مختلفة لهذا الأمر من خلال إضافة بعض معدات التصنيع على متن محطة الفضاء الدولية، وآلةٍ للطباعة الثلاثية الأبعاد أيضاً، حيث يمكن لطاقم رواد الفضاء صنع الأدوات اللازمة، وقطع الغيار، والأجهزة الطبية الداعمة عند الحاجة إليها. يتيح ذلك مرونةً أكبر وإدارة المخزون بشكلٍ أفضل، كما يمكن تصنيع منتجاتٍ معينة يكون إنتاجها في الفضاء أفضل من إنتاجها على الأرض، مثل الألياف البصرية النقية.

ومن ثمّ كيف تحدد الشركات تكلفة الإنتاج في الفضاء مقارنةً بتصنيعها على الأرض؟ وأين يجب بناء تلك القدرات؟ وكيف يجب زيادتها؟ يوضح الشكل أدناه أصل مقارنةً بين تصنيع المواد على الأرض والفضاء، ويرتبها في أرباعٍ حسب الأفضلية. يظهر من المخطط أن البشر يتقنون إنتاج المواد في الربع السفلي الأيسر؛ أي تصنيع المنتجات على الأرض لتستخدم على الأرض أيضاً. ومع الانتقال مع اتجاه عقارب الساعة نحو مربعٍ آخر، تزداد المعوقات وصعوبة الإنتاج، إلى أن نصل إلى آخر مربع، حيث لا نزال نفتقد الكثير من الخبرة والمعرفة.

عمليات الاطلاق, ناسا, الفضاء, صاروخ, الأرض, مخطط

مقارنة بين متطلبات الصناعة على الأرض وفي الفضاء حقوق الصورة: Wooten, J. and C. Tang (2018) Operations in Space, Decision Sciences

لقد أصبحت مهتماً في البداية بهذه المشكلة بالذات عندما استمعت إلى فريق من خبراء الروبوتات، يناقشون بناء مستعمرةٍ على المريخ؛ أي في الربع الثالث من المخطط عملياً. وفي الواقع لا يمكن بناء الهياكل وإرسالها بهذه السهولة التي تصوروها إلى المريخ؛ لذلك يجب صناعتها هناك على الأقل، لكن العيش وإرسال العمال إلى هناك في تلك البيئة القاسية يُمثّل تحدياً إشكالياً آخر بالقدر نفسه، وقد يتطلب الأمر وضعاً جديداً تماماً للإنتاج باستخدام الروبوتات والأتمتة في البعثات القادمة.

الموارد في الفضاء

قد تتساءل من أين سيحصل المرء على المواد اللازمة للتصنيع في الفضاء؟ لكن هناك بالفعل وفرةً من الموارد؛ إذ يمكن العثور على المعادن اللازمة للتصنيع على الكواكب، ويمكن أن يوجد الماء اللازم لوقود الصواريخ من الماء المتجمد الموجود على الكواكب الأخرى. كما تتوفر عناصر نادرة مثل «هليوم 3» الذي يُعد مصدراً للطاقة، ويوجد بوفرةٍ على سطح القمر. وبالمناسبة، إن نجحنا في استخراج هذا العنصر من هناك وشحنه إلى الأرض، فقد نستغني عن الوقود الأحفوري كلياً.

يتضح من تجربة الهبوط الأخيرة -التي قام بهما مركبتا «مينرڤا 1-2»-، أن صناعة الفضاء باتت تكتسب الخبرة الفنية اللازمة لتحديد موقع هذه المواد والانتقال إليها، لكن كيفية استخراجها ونقلها لا يزال يطرح أسئلةً تتطلب الإجابة.

التهديدات غير المرغوبة الآتية من الفضاء

الأرض, حطام في الفضاء, المدار, ناسا

صورة تم توليدها بواسطة الكمبيوتر للأجسام التي تدور حول الأرض حالياً. نحو 95% من الكائنات المبينة في هذا الرسم التوضيحي هي حطام مداري، وليس سواتل وظيفية

هل تتذكر فيلم «Gravity» الذي يظهر في بدايته انفجار قمرٍ صناعي روسي، وما نتج عنه من حطامٍ تناثر في الفضاء وأصاب جزءٌ منه مكوك الفضاء الذي كان على متنه بطلا الفيلم، وضرب أيضاً تلسكوب هابل، ومحطة الفضاء الدولية؟ ما ظهر في الفيلم بالإضافة إلى تسلسل الأحداث -التي قد تكون غير واقعيةٍ كما يرويها الفيلم-، يمكن أن يحدث في العالم الحقيقي. فقد حدث ذلك عام 2013 عندما تعطَّل قمر صناعي روسي بسبب شظايا متبقية من قمرٍ صناعي صيني انفجر عام 2007. يُعرف بالحطام الفضائي المنتشر واحتمال اصطدامه بالمركبات الفضائية بـ «تأثير كيسلر»، حيث تشير التقديرات إلى وجود خطرٍ من نحو 500 ألف قطعة من الحطام الفضائي في المدار. وقد أثار وجود هذا الحطام بعض النقاش والاهتمام في دوائر السياسة العامة، عن كيفية منع أو تخفيف مقدار هذا الخطر. ولا يزال يتعين قياس الأثر البيئي لصناعة الفضاء، ومعالجة مشاكل العمليات المستدامة.

ماذا بعد؟

لقد أصبح الفضاء مجالاً قائماً بحد ذاته للعمل التجاري، وأصبحت هناك شركات تُؤمّن لك الاحتياجات اللوجستية لتوصيلها إلى الفضاء، وهناك شركات يمكنها حمل تلك الاحتياجات على متن صواريخها.

ماذا بعد ذلك؟ لا يمكن لأحدٍ أن يخمن إلى أين يمكن أن تصل صناعة الفضاء، لكن الدلائل تشير إلى أن هذه الصناعة تمضي قُدماً نحو الأمام. قد يحدث تقدم جديد ينقل هذه الصناعة كلها نحو منحًى جديد بسرعة، ويبدو أن الأحداث تتسارع فعلاً، وبات الدافع الأساسي الأبرز لتقدم هذه الصناعة هو استكشاف العوالم الأخرى بعيداً عن كوكب الأرض، سواء كان استكشاف القمر أو الكويكبات الأخرى أو المريخ. وفي الحقيقة يصعب تصديق أن شركة سبيس إكس منذ 10 سنوات كانت شركة على وشك الانهيار، أما اليوم فأصبح هناك العشرات من الشركات التي تعمل على كلّ شيء من المركبات الفضائية التجارية، والدفع الصاروخي، ومنها ما يطمح إلى التعدين في الفضاء. ولدينا تلك التي تعمل في إنتاج الغذاء الفضائي، وستكون الخطوة التالية العمل على ترسيخ الممارسات التجارية، والدفع قدماً لتصبح هذه الصناعة ناضجةً.

يتراءى لي مستقبل هذه الصناعة عندما أقف في القاعة الكبيرة في جامعة بيتسبرج في مؤتمر «White House Frontiers Conference»، وأنا أرتدي أحدث ما أُنتج من نظارات الواقع الافتراضي، وأنظر إلى سطح المريخ، وأرى تفاصيله الدقيقة المتموجة لحظياً. في الحقيقة هذه ليست مجرَّد لعبة فيديو أو شيئاً للتسلية بلا هدف؛ فقد بذل المجتمع العلمي جهوداً لإيصال الصورة إليك قبل أن نصل في الواقع إلى هناك، لأن الاستكشاف يسبقه جمع المعلومات. ومن يدري، ربما بعد 10 سنوات من الآن سيقف شخص ما على سطح المريخ فعلاً.

تم نشر هذا المقال بواسطة «جويل ووتن» في موقع ذا كونفيرسيشن