Reading Time: 3 minutes

هل تساءلت يوماً، وأنت ترتشف قهوتك الصباحية، وتحلُّ الكلمات المتقاطعة أو أحجيات السودوكو عمَّا يحدث في دماغك؟ هناك في مكانٍ ما في دماغك -حيث مليارات الخلايا العصبية النشيطة- تكمن الشيفرة التي تساعدك على تذكّر كلمةٍ ما، أو المنطق اللازم لحلّ أحجية السودوكو مثلاً.

ولأن دماغنا معقّد جداً، ربما تفترض أن الأنماط التي يتبعها دماغك للقيام بمثل هذه المهمة معقّدة جداً، أو أنه يتبع نمطاً فريداً لكل مهمة، إلا أن بحثاً حديثاً يشير إلى أن عمل الدماغ أبسط مما قد تتخيله بكثير في الواقع.

لقد تبيّن أن العديد من مناطق الدماغ تعمل بعضها مع بعض بشكلٍ متزامنٍ؛ لتنسيق استجابتها ونشاطها وفقاً لما تحتاجه كلّ مهمةٍ، تحاول إنجازها.

ندعو هذا النمط من التنسيق الذي يقوم به الدماغ بـ «المعالجة منخفضة الأبعاد – low-dimensional manifold»، ويمكننا تخيلها مثل الطرق الرئيسية التي تسلكها كل يومٍ من وإلى العمل ببساطة. تتدفق حركة المرور على هذه الطرق السريعة التي تُمثّل وسيلة فعّالة للانتقال من المكان «أ» إلى المكان «ب».

لقد وجدنا أدلة على أن معظم نشاط الدماغ يتبع هذا النوع من الأنماط. ولتبسيط الأمر أكثر، يوفر ذلك على دماغك الحاجة إلى البدء من نقطة الصفر من جديد عند القيام بالمهمة نفسها مجدداً؛ فمثلاً إنْ قام أحد بإلقاء كرة إليك، فإنَّ «المعالجة منخفضة الأبعاد» تسمح لدماغك بتنسيق حركة العضلات بسرعةٍ كبيرة بعضها مع بعض؛ لكي تقوم بالتقاط الكرة، بدلاً من أن يقوم بتعلُّم التقاط الكرة من نقطة الصفر في كلِّ مرة.

قمنا أنا وزملائي بالتوسع في دراسة هذه الأنماط أكثر، ونشرنا نتائج الدراسة في دورية «نيورون – Neuron». أردنا التحديد بدقة ما إذا كانت هذه الأنماط تلعب دوراً في تشكيل نشاط الدماغ عند قيامه بالمهام المعرفية الصعبة -التي تتطلب الكثير من التركيز- أم لا.

وقمنا بفحص أدمغة المشاركين في الدراسة باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي عالي الدقّة «fMRI» أثناء قيامهم بحل لغز «المربعات اللاتينية – Latin squares» التي تُشبِهُ أحجية السودوكو وتستخدم الأشكال بدلاً من الأرقام. إن أي شخصٍ لعب السودوكو -قبل أن يتناول قهوة الصباح- يعلم تماماً مقدار التركيز اللازم لحلّ هذه الأحجية.

وتقوم فكرة لعبة المربعات اللاتينية على تحديد الشكل المفقود في موقعٍ معين في الشبكة، حيث يتكرر كلّ شكلٍ مرة واحدة في كل مربعٍ وعمود. صنعنا 3 مستويات تختلف في صعوبتها؛ وذلك حسب عدد المواقع التي ينبغي ملؤها؛ لإكمال الأحجية.

توجيه حركة المرور

توقعنا أنَّ القيام بحل الأحجية الأكثر صعوبةً سيؤدي بالدماغ – بشكلٍ ما – إلى إعادة ضبط آلية «المعالجة منخفضة الأبعاد» التي يتبعها لحلِّ الأحجية من البداية. وبالعودة إلى تشبيه آلية عمل الدماغ باتباعه الطريق السريع؛ فقد يكون الطريق المزدحم «الأحجية الأصعب» حافزاً للدماغ في أن يحاول الالتفاف والمراوغة؛ ليجد طريقاً مختصراً ليقوم بالمهمة.

كانت النتائج متوافقةً مع توقعاتنا؛ لقد أظهر الدماغ أنماطاً مختلفةً من النشاط عند قيامه بحلِّ الأحجيات الأكثر صعوبةً مقارنةً بالأحجيات السهلة، كأن الدماغ قد قام باتباع طرقٍ فرعية أقل ازدحاماً ليبتعد عن الطريق الرئيسي المزدحم، وقد وجدنا أنه كلَّما كانت الأحجيات أكثر صعوبةً، تغيَّرتْ الأنماط أكثر.

بالإضافة إلى ذلك، وجدنا أن هناك علاقة بين أنماط نشاط الدماغ المتغيرة، وتزايد احتمال ارتكاب أخطاء أثناء القيام بحلِّ المستويات الأصعب من لعبة المربعات اللاتينية.

وتشبه محاولة القيام بمهمةٍ صعبة -بطريقة ما- الرحلة التي تقوم بها كلَّ صباحٍ للوصول إلى عملك. فإذا كان الطريق مزدحماً، فستسلك طرقاً فرعية، إلا أن تعجُّلك والضغط النفسي قد يقودانك إلى الطريق الخطأ، ولن تنجح في الوصول في الوقت المناسب.

تشير هذه النتائج بالمجمل إلى أن نشاط الدماغ ليس معقداً إلى الدرجة التي كنا نعتقدها كذلك سابقاً؛ فأدمغتنا -في أغلب الأحيان- تعمل على توجيه حركة المرور أو «حركة السيالة العصبية» عبر طرقٍ راسخةٍ، استخدمها دائماً، والأمر كذلك عندما يواجه صعوبةً، ويحاول الابتكار لتجاوز المحن؛ فإنه يحاول توجيه حركة المرور إلى الوجهة النهائية نفسها.

وذلك يترك سؤالاً مهماً؛ كيف ينجز الدماغ هذا المستوى من التنسيق؟

تكمن أحد الاحتمالات في أنَّ التنسيق يتم في منطقة المِهاد «الثلاموس» في الدماغ؛ وهو الجزء الذي يقبع عميقاً داخل الدماغ، لكنَّه مرتبطٌ بباقي أجزاء الدماغ كلها تقريباً.

والأهم من ذلك، قد تعمل دارات المِهاد بوصفها مُرشِّحاً للنشاط الجاري في القشرة المخية – التي تُعد المركز الرئيسي لمعالجة المعلومات في الدماغ؛ بالتالي يمكن أن تمارس تأثير التنسيق الذي كنَّا نبحث عن تفسير له.

من الصعب تحليل أنماط النشاط الدماغي في منطقة المهاد من خلال تجارب التصوير المغناطيسي التقليدي للنشاط العصبي. ولحسن الحظ، أتاحت لنا تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي عالي الدقة -المُستخدمة في دراستنا- دراستها وتحليلها بالتفصيل.

نحن متأكدون بما فيه الكفاية بأن هناك رابطاً بين نشاط منطقة المِهاد، وتدفُّق النشاط الدماغي في منطقة «المعالجة منخفضة الأبعاد». وبطريقة أخرى، عند القيام بمهمةٍ معينة، يقوم المهاد بتشكيل وضبط النشاط في القشرة المخية، تماماً كضابط الشرطة الذي يوجه حركة المرور المزدحمة.

لذلك في المرة القادمة التي تجلس فيها وتبدأ في حلِّ أحجية السودوكو؛ فكِّر بما قد يواجهه المِهاد لديك من صعوبةٍ في التنسيق، وما يحدث في قشرتك المخية «المعالجة منخفضة الأبعاد» التي تجري حينها؛ إذ يقومان معاً بتشكيل النشاط الدماغي الذي سيساعدك في النهاية على حلِّ اللغز.

تم نشر هذا المقال بواسطة «جيمس شاين» في موقع ذا كونفيرسيشن