Reading Time: 3 minutes

موسم الزكام على الأبواب، ومعه اكتشاف حل يقلل احتمال الإصابة به، ولا نقصد هنا الحلول التقليدية، حيث تمكّن باحثون في جامعتي ستانفورد وكاليفورنيا من تحديد بروتين داخل الخلايا البشرية، بإمكانه إيقاف عمل بعض الفيروسات الضارة عند تثبيطه. نشر الفريق بحثهم في دورية «نيتشر»، ويأمل من أن تمهد نتائجهم الطريق إلى عصر جديد في مكافحة الفيروسات الأنفية، والفيروسات المعوية الخطيرة؛ مثل شلل الأطفال، والفيروسات التي تسبب التهابات في الدماغ.

في هذا الصدد يقول «جان كاريت»، كبير الباحثين في الدراسة، وعالم الأحياء الدقيقة بجامعة ستانفورد: «تختلف مقاربتنا عن النهج التقليدي الذي يستهدف البروتينات الفيروسية بشكلٍ مباشر». تحاول العلاجات التقليدية تدمير الفيروسات من خلال استهداف البروتينات الضرورية لبقائها، لكن هذه الفيروسات تحتاج أيضاً إلى البروتينات الموجودة داخل خلايانا؛ فهي تتكاثر من خلال ربط حمضها النووي بالخلايا المضيفة، ويحتاج كل فيروس إلى بروتينات مختلفة لإكمال هذه العملية.

واستخدمَ كاريت وزملاؤه «تقنية كريسبر-كاس9» لفحص الجينوم البشري بأكمله؛ لإيجاد البروتين الذي تعتمد عليه الفيروسات المعوية للتكاثر، وباستخدام المعطيات الموجودة حول الخلايا -التي طبقت عليها تقنية تعطيل المورثات-، استطاعوا زراعة خلايا أوقف عمل جيناتها، وتتضمن جميع الجينات البشرية البالغ عددها 20 ألف جين، وبعدها حقنوا الخلايا المزروعة بالفيروسات الأنفية وأحد أنواع الفيروسات المعوية، وتركوها تواجه بعضها بعضاً. نجت بعض الخلايا واستمرت في التكاثر، لكن إحدى هذه الخلايا لفتت انتباههم، واعتقدوا أن الجين «SETD3» لا يدخل في عملية تكاثر الفيروسات، لكن الفيروسات التي حقنت داخل الخلايا التي عطل فيها هذا الجين لم تستطع التكاثر؛ لغياب إمكانية تخليق البروتين المرتبط بهذا الجين.

وأجرى الباحثون اختباراً آخر؛ فقد زرعوا خلايا عطلوا فيها الجين «SETD3»، وحقنوها بأنواع عديدة من الفيروسات المعوية والفيروسات الأنفية، ويؤكد كاريت أن تلك الخلايا أصبحت «مقاومة تماماً للعدوى الفيروسية»؛ لأن الفيروسات لم تتمكن من التكاثر، ويأمل الباحثون أن تُمكِّن تقنية تثبيط تخليق البروتينات من معالجة مجموعة متنوعة من الفيروسات، بما يجعل تطوير مناعة ضد هذه التقنية غاية في الصعوبة، وهذا على عكس الطرق التقليدية المستخدمة في التصدي للفيروسات.

ويثير هذا الاكتشاف العديد من الأسئلة، وتُعلِّق على الدراسة «آن بالمنبرج»، خبيرة الكيمياء الحيوية والفيروسات المعوية في جامعة ويسكونسن، قائلةً: «هذا اكتشاف علمي رائع، لكن لا تتخلَّ عن الوصفات التقليدية»، وإلى أن يتمكن فريق كاريت من معرفة كيفية عمل هذا البروتين، وعلاقته بعملية تكاثر الفيروسات المعوية؛ تَرَى بالمنبرج أنه لا توجد طريقة لمعرفة العلاجات التي يمكن التوصل إليها بواسطة هذه التقنية، وتُضيف: «سيتطلب الحصول على نتائج دقيقة 20 عاماً من العمل المتواصل».

هذا ما يسعى الفريق البحثي إلى تحقيقه، على عكس الخلايا البشرية التي تزرع في المختبر، وإن تعريض البشر إلى تقنية «كريسبر» المؤدية إلى تغييرات جسدية دائمة ليس بالفكرة السديدة، وستكون مبالغة إذا استُعْمِلَتْ لعلاج أمراض غير ضارة. يُصرِّح كاريت أن هدفهم الحالي هو «العثور على مادة كيميائية يمكنها تعطيل هذا البروتين، والوقاية من الفيروسات المعوية». ويشير بالمنبرج إلى أن تطوير عقاقير مضادة لهذه الفيروسات لن يمضي قدماً؛ ما داموا لم يتمكنوا من اكتشاف العلاقة بين تثبيط هذا البروتين، وتَوقُّف الإصابة بالفيروسات المعوية.

ويظل الجين «SETD3» لغزاً، والتأثيرات المحتملة لتعطيل عمله غير واضحة، وقام الفريق بتربية فئران جينات «SETD3» لديها مُثبِّطة، بوصف ذلك جزءاً من الدراسة، ولاحظوا أنها وصلت إلى مرحلة البلوغ دون أي مشكلات واضحة، مع اكتسابها قدرة على مقاومة عدوى الفيروسات المعوية، ولا يزال الطريق طويلاً لاكتشاف كيفية اشتغال عقار يُثبِّط الجينات البشرية، والآثار الجانبية التي قد يحدثها.

ويرى كاريت أن اكتشاف البروتين -الذي ينبغي استهدافه لصناعة عقار مضاد لهذه الفيروسات- مُجرَّد البداية، وإنْ مَثَّلَتْ هذه الدراسة بداية نهاية معركتنا مع نزلات البرد، فإنَّ أيَّ علاج يعتمد على هذا الاكتشاف يحتاج إلى سنوات من التطوير، قبل أن تبدأ التجارب البشرية على نطاق واسع. لذلك لا تتخلَ عن الحلول التقليدية؛ فنزلات البرد ستدوم لفترة طويلة قبل أن نجد حلاً دائماً لها.