Image

ضبط النفس والساعة البيولوجية لهما أثرهما في تأجيل وقت النوم.

Bread assortment إن الذهاب إلى السرير للنوم في الوقت المحدد هو أمر معقد جداً.
حقوق الصورة: كريستوفر ميشيل / ويكيميديا كومونز

لا بدّ وأنك تعرف ذلك الشعور بتأخر الوقت الذي كان من المفترض أن تكون فيه نائماً منذ 20 دقيقة، ولكنك ذهبت لمشاهدة أحد الأفلام أو قراءة إحدى الروايات. أو ربما قرأت إحدى الرسائل الإلكترونية الخاصة بالعمل والتي لم تكن قد قرأتها مسبقاً. ربما ينبغي عليك التوقف عن هذه الأعمال والخلود إلى النوم، على الأقل إذا كنت لا تريد أن تكون متعباً وقلقاً في اليوم التالي، لكنك ببساطة … لا تقوم بذلك.

بالنسبة للكثيرين من الناس، فإن تأجيل الذهاب إلى السرير هو مشكلة مألوفة جداً. فقد أطلق علماء النفس منذ بضع سنوات اسم (تأجيل وقت النوم) على هذا السلوك، وما زالوا لا يفهمون تماماً سبب قيامنا بذلك.

وقد ادّعى الفريق الذي جاء بهذا المصطلح في هولندا بأن ذلك يعود إلى ضعف التنظيم الذاتي. لكن مجموعة أخرى من علماء النفس اقترحت مؤخراً أن النمط الزمني – أي التفضيل البيولوجي للاستيقاظ والنوم في أوقات معينة من اليوم – قد يكون تفسيراً أفضل لتأجيل وقت النوم. ففي شهر فبراير، ذكروا في مجلة فرونتيرز إن سايكولوجي (Frontiers in Psychology) بأن الأشخاص الليليين يؤخرون الذهاب إلى السرير بشكل أكثر في بداية أسبوع العمل، ربما لأنهم يكونون مرتاحين بسبب النوم في أيام العطل.

ويحذر الباحثون المقيمون في هولندا الآن من أننا لا يجب أن نقلل من أهمية ضبط النفس في البقاء مستيقظاً لوقت متأخر بشكل أكثر من المقصود. وذكروا في تعليق بتاريخ 11 يونيو على الدراسة الجديدة: “إن حصر السبب الرئيسي لتأجيل وقت النوم بالساعة البيولوجية لا يبرّر تعقيد المشكلة”.

مع اقتراب موعد النوم، من المرجح أن البيولوجيا وضبط النفس كلاهما من العوامل المهمة في معاناتك من الذهاب إلى النوم. وفيما يلي كيف يمكن أن يسهم كل من هذين الأمرين في تأجيل في وقت النوم – وما يعنيه ذلك لكيفية التوقف عن القيام بالأمر.

حالة ضبط النفس

لم يكن تأجيل وقت النوم محل اهتمام كبير قبل البحث الذي أجري في عام 2014، كما تقول فلور كروسي – أخصائية علم النفس الصحي في جامعة أوتريخت في هولندا. وتضيف: “كنا نعلم بأن قلة النوم سيئة بالنسبة للناس، ولكن تأجيل النوم غالباً ما كان يُدرس في سياق مشاكل النوم”.

وللتعرف على مدى انتشار تأجيل وقت النوم، قامت كروسي وزملاؤها باستبيان أكثر من 2400 شخص في هولندا. ووجدوا أن حوالي 53 بالمئة من المستجيبين ذكروا بأنهم ذهبوا إلى النوم بشكل متأخر عما أرادوه مرتين على الأقل في الأسبوع. واكتشفوا أيضاً أن الأشخاص الذين اعترفوا بتأجيل وقت النوم بشكل منتظم كانوا أكثر عرضة من غيرهم للإبلاغ عن عدم الراحة، وأن يكونوا مماطلين في مجالات أخرى من حياتهم، وأن يسجلوا مستويات أقل في ضبط النفس.

أحد العناصر الأساسية لتأجيل وقت النوم هو عدم وجود سبب معين لعدم الذهاب للنوم. لذلك لا يتم احتساب الاستيقاظ حتى وقت متأخر لأن طفلك مريض أو بسبب اضطرارك لاستقبال صديقك في المطار. تقول كروسي: “إن ذلك ليس تأجيلاً لوقت النوم، لأنك ببساطة لم تستطع أن تنام في وقت مبكر.”

ولكن تأجيل وقت النوم يكون عندما تتمكّن من الذهاب إلى السرير في أي وقت، إلا أن قرارك المفضل هو الذي يجعلك تقوم بذلك. إذن ما الذي يمنعك؟ يميل الناس إلى النظر إلى النوم على أنه أحد أنشطتهم المفضلة، لذا من المحتمل أن المشكلة لا تكمن في النوم بحدّ ذاته، حسب زملاء كروسي.

إن عدم الرغبة في إيقاف الأنشطة المسائية المريحة بوقت مبكر يلعب دوراً بلا شك. ولكن هناك أيضاً مسألة قيامك من الأريكة وتناول المجموعة الأخيرة من المهام التي تقف بينك وبين النوم. واعترف الباحثون بأن بعض الأنشطة كالاعتناء بالكلب أو الصعود إلى أعلى لغسل الأواني “قد يبدو في بعض الأحيان وكأنه عقبة لا يمكن التغلب عليها”. واقترحوا أن نقل هذه الأعمال إلى وقت مبكر من المساء قد يكون أحد السبل لتجنب تأجيل وقت النوم. قد يعني ذلك إزالة العدسات اللاصقة عند عودتك إلى المنزل من العمل أو تنظيف أسنانك بعد العشاء مباشرة (أو على الأقل بعد الوجبة الخفيفة الأخيرة في المساء).

ووجد الفريق أيضاً أن الأشخاص الذين يضطرون إلى مقاومة المزيد من الإغراءات خلال اليوم هم أكثر عرضة للاستسلام لتأجيل وقت النوم في المساء، عندما يكون ضبط النفس لديهم في أدنى مستوياته. وكتب الباحثون مؤخراً في مجلة فرونتيرز إن سايكولوجي: “في بعض الأمسيات، قد يكون من السيء بدء مشاهدة مسلسل تلفزيوني مفضل بالقرب من وقت النوم، وقد لا توجد أي مشكلة في ذلك على الإطلاق في أمسيات أخرى”. إذا كانت هناك طريقة لتتبع عدد المرات التي اضطررت خلالها لمواجهة دوافعك لمشاهدة مقاطع الفيديو أثناء العمل أو تناول فطيرة الشوكولا على الغداء، فقد يكون من الأسهل التنبؤ بالوقت الذي تكون فيه أكثر عرضة لتأجيل وقت النوم.

حالة الساعة البيولوجية

بدأنا ندرك الآن أن دورة النوم والاستيقاظ عند الشخص متأصّلة بشكل عميق. إذ يكون بعض الناس مهيئين جينياً ليكونوا متيقّظين في وقت متأخر من المساء أكثر من غيرهم. ولا يعاني من ذلك الأشخاص الليليون فقط، بل يضطر معظمنا إلى الاستيقاظ للعمل قبل أن تكون ساعتنا البيولوجية جاهزة. وقد يكون ذلك نتيجة تأجيل وقت النوم.

تقول يانا كونيل – عالمة النفس في جامعة أولم في ألمانيا – لذلك فإن الميل إلى تأخير وقت النوم يختلف عن الأشكال الأخرى للتأجيل. وتقول بأن المشكلة في تسمية هذا السلوك بتأجيل وقت النوم هو أنه يعني أن الشخص “يسيطر بشكل كامل” على الفشل في الذهاب إلى السرير. وتقول كونيل بأن حال الأشخاص الليليين قد لا تكون كذلك. وتشكّ هي وزملاؤها بأنه لا توجد قوة بيولوجية قوية تكمن وراء معاناتك في الأنواع الأخرى من التأجيل.

ولمعرفة فيما إذا كانت الساعة البيولوجية تلعب دوراً في تأجيل وقت النوم، طلبوا من 108 أشخاص ملء استبيانات لتحديد نمطهم الزمني وقوتهم الإجمالية في ضبط النفس. ثم على مدار أسبوع عمل واحد، ذكر الناس كل صباح فيما إذا كانوا قد أجّلوا الذهاب إلى النوم في الليلة السابقة. وقام العمّال بملء استبيان آخر في المساء لقياس مقدار ضبط النفس الذي كانوا يشعرون به في تلك اللحظة.

واتضح أن الأشخاص الليليين كانوا أكثر عرضة بقليل لتأخير وقت النوم من الأشخاص النهاريين. ومع ذلك، فقد كان التأثير ضعيفاً جداً بحيث لا يمكن اعتباره دليلاً على أن الأشخاص الليليين يؤجلون وقت النوم بشكل أكبر في المتوسط، حسب قول كونيل. وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن مجموعة الأشخاص اللازمة لم تكن كبيرة بما يكفي لاكتشاف هذه الاختلافات.

ومع ذلك، فقد اكتشفت هي وفريقها بأن الأشخاص الليليين أصبحوا أقل احتمالاً للسهر المتأخر أكثر من المقصود خلال هذا الأسبوع. وقد يكون السبب في ذلك هو أنه بعد معاناتهم من النوم في الوقت المناسب لعدة أيام، فقد أصبحوا مرهقين جداً لدرجة أن الذهاب إلى النوم أصبح أسهل. لذا، فإن النتائج أكثر إظهاراً للحالة التي يكون فيها يكون الشخص أكثر عرضة لتأجيل وقت النوم من الذي يقوم بذلك غالباً بشكل عام، كما تقول كونيل.

ولأسباب غير واضحة في هذه المرحلة، كان الناس أقل عرضة لتأجيل وقت النوم في الليالي التي أبلغوا فيها عن شعورهم بأن قوة إرادتهم أو تركيزهم كانت منخفضة. وهذا يشير إلى أن الناس لا يؤجّلون الذهاب إلى النوم بسبب استنزاف قوتهم من ضبط النفس.

بدلاً من ذلك، قالت كونيل وفريقها بأنه يجب أن يُنظر إلى هذه الظاهرة على أنها مؤشر على مدى اختلاف الساعات البيولوجية للموظفين مع المتطلبات المجتمعية.

وتقول كونيل: “إن النية للذهاب إلى النوم مبكراً لا تكفي. إذ تحتاج هذه النية إلى دعم العمليات البيولوجية”.

كما أن نظرتنا الثقافية للناس الذين يستيقظون وينامون في وقت متأخر لا تزال مشوبة بفكرة أنهم غير منضبطين. إذ وجدت إحدى الدراسات أن المدراء هم في الواقع أكثر عرضة لتقييم الأشخاص الليليين بمستوى أقل من الموظفين الآخرين، بغض النظر عن مدى أدائهم الفعلي، فهم يرونهم يأتون في وقت متأخر ويفترضون بأنهم متكاسلون.

وتعدّ النتائج الجديدة بمثابة تذكير بأن الأشخاص الليليين ليسوا كسالى بالضرورة. تقول كونيل: “إن هذا بمثابة رسالة إلى وجود أنماط النوم المتأخرة هذه. ولا ينبغي أن يعتقد الناس بأنهم سيئون في تنظيم أنفسهم لأنهم لا يستطيعون الذهاب إلى النوم في الوقت المحدد.”

ليس محكوماً عليك بالفشل لإخفاق طموحاتك في الحصول على نوم جيد خلال الليل. وكتب الباحثون: “لا نريد أن نصِف الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الذهاب إلى النوم في الوقت المناسب كضحايا لنظامهم الليلي النهاري”. ففي النهاية، هناك طرق لتغيير ساعة جسمك إلى وقت مبكر، مثل تجنب الشاشات التي ينبعث منها الضوء الأزرق قبل النوم والخروج في الهواء الطلق وتعريض نفسك لأشعة الشمس الساطعة في الصباح. فقد يكون الأمر بأن تشعر بالنعاس في وقت مبكر، والذي سيُترجم إلى أن تصبح أقل عرضة لتأجيل وقت النوم.

كلتا الحالتين

من جانبها، تقول كروسي بأنها هي وزملاءها لا يشكّون بأن هذا النمط الزمني قد يساهم في تأجيل وقت النوم. لكن ذلك لا يجعل هذه الظاهرة مختلفة عن الحالات الأخرى التي يكون للناس فيها نوايا جيدة، مثل تجنّب الكعك المحلّى اللذيذ وبرجر الجبن، ثم يفشلون في ذلك.

تقول كروسي: “إن التضارب بين العوامل البيولوجية والأهداف الشخصية أو المتطلبات المجتمعية هو تقريباً جوهر العديد من مشاكل التنظيم الذاتي”. وبالنسبة للأشخاص الذين لديهم دافع فطري للسهر حتى وقت متأخر، فإن هذا التضارب شديد للغاية.

وهذا لا يعني أن الناس النهاريين يتمتعون بضبط أفضل للنفس بالمقارنة مع الأشخاص الليليين. تقول كروسي: “ليس لديك مشكلة في الذهاب إلى النوم في الوقت المناسب، لذلك لا يلعب ضبط النفس دوراً لأنك لست بحاجة إليه. ولكن إذا كنت شخصاً مسائياً، فأنت بحاجة إلى ضبط نفسك للذهاب إلى النوم في الوقت المحدد.”

والأكثر من ذلك، أن الضبط الجيد للنفس لا يعني بالضرورة أن تكون بارعاً في مقاومة الإغراءات. في الحقيقة، إن الفكرة القديمة بأن مقاومة الإغراءات بشكل متكرر يستنزف إرادتنا قد تعرّضت مؤخراً للنقد. وبدلاً من ذلك، ربما يكون أكثر أهمية أن تكون قادراً على الالتزام بالعادات الصحية، كما تقول كروسي. بالنسبة لبعض الناس، قد يعني ذلك عدم الاحتفاظ بالحلوى في المنزل، وبالتالي ليس عليهم أن يبذلوا جهداً لاتخاذ القرار بعدم تناولها.

وتقول: “إن الأشخاص الذين يتمتّعون بقدرة عالية على ضبط النفس يستخدمون استراتيجيات ذكية لمتابعة نواياهم الحسنة. عليك أن تجعل الأمر سهلاً قدر الإمكان بحيث لا تحتاج في لحظات الإثارة إلى مقاومة الإغراءات واتخاذ خيارات صعبة”.

وقد يعني ذلك اتباع قاعدة فرضتها بنفسك بألا تنظر إلى هاتفك بعد وقت معين أو أن تكون جاداً بشأن عادات النوم الصحية. تقول كروسي: “قد يتم مساعدتهم حتى من قبل بعض التقنيات الذكية، مثل الأضواء التي يمكن ضبطها مسبقاً لتصبح خافتة في وقت معين”.

وتتفق كل من كروسي وكونيل على أن التنظيم الذاتي والنمط الزمني ربما يكونان مشاركين في قلب موازينك العقلية لصالح عدم النوم. تقول كونيل: “لم نكن نريد أن نبرهن على أن التنظيم الذاتي لا يرتبط أو لا يلعب دوراً في تأجيل وقت النوم. ولكننا أردنا أن نُظهر بأن النمط الزمني هو عامل يجب أخذه بعين الاعتبار بالتأكيد”.

ولكن، هل يهم حقاً سبب المكافحة من أجل النوم في الليل؟ على الأرجح نعم، إذا أخذنا في الاعتبار مدى الضرر الذي يمكن أن تسبّبه قلة النوم. فمن المرجح أنك لاحظت مدى صعوبة التركيز أو تذكّر المعلومات عندما تكون مرهقاً. وعلى المدى الطويل، يرتبط فقدان النوم أيضاً مع الإصابة ببعض الأمراض مثل السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم. وبحسب أحد التقديرات، يحصل ما يقرب من 30 بالمئة من البالغين الأميركيين على ست ساعات أو أقل من النوم كل ليلة. لذا من المهم فهم جميع الأسباب المختلفة لعدم حصول الأشخاص على قسط كافٍ من النوم.

قد يبدو تأجيل وقت النوم كمشكلة تافهة، لكن الخيارات التي نتخذها والتي تؤثر على نومنا يمكن أن تكون مهمة جداً لصحتنا، كما تقول كروسي. وكما هو الحال مع ممارسة الرياضة أو اتباع نظام غذائي متوازن، “فإنه أيضاً سلوك مهم ويمكنهم التأثير فيه بأنفسهم”.

سوف يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يقوم علماء النفس بالفصل الكلي بين مساهمات البيولوجيا وضبط النفس في تأجيل وقت النوم. ففي هذه اللحظة، من السابق لأوانه الحديث بشكل حاسم عن التدخّلات التي ستكون أكثر فعالية في مساعدتك على ضبط الأمر.

تقول كونيل: “لدينا دراسة واحدة فقط حول هذه الظاهرة الآن والتي تعزوها إلى النمط الزمني. ونحن بحاجة بالتأكيد إلى إجراء المزيد من الأبحاث”.

error: Content is protected !!