Reading Time: 4 minutes

ظهرت مؤخراً قصة من المحتمل أن تُحدث تغييراً على مستوى العالم، فالخبر الذي تم الإعلان عنه أولاً من قِبل إم آي تي تكنولوجي ريفيو ثم بعد ذلك بفترة قصيرة من قِبل وكالة أسوشيتد برس -التي يبدو أنها كانت تؤجل القصة لفترة من الزمن- تدور حول عالم صيني يُدعى هي جيانكوي، قاد تجربة غير مسبوقة لتعديل الأجنة البشرية ومراقبتها حتى الولادة، مما شكَّل صدمة لمجتمع علم الوراثة. وإليك ما تحتاج إلى معرفته حول هذه القصة الآخذة في التطور.

العلم

إلى جانب هي جيانكوي، فإن أهم الشخصيات الأساسية في هذه القصة قد تكونان فتاتان توأمان تحملان اسميْ نانا ولولو. وعلى حدِّ علمنا، فقد تم تعديل التوأمين وهما أجنَّة باستخدام أداة كريسبر لتعديل الجينات، وكان الغرض المعلَن من التعديل هو تعطيل الجين CCR5، الذي يشارك في السماح لفيروس الإيدز بغزو الخلايا، وهي الطريقة التي يقوم بها الفيروس بإصابة المُضيف بالعدوى.

ولا تَظهر الطفلتان التوأمان في مقطع الفيديو الترويجي الذي تم تحميله إلى يوتيوب بواسطة مختبر هي جيانكوي، ولكن العالم نفسه يظهر في المقطع. ويقول: “عندما كانت لولو ونانا مجرد خلية واحدة، فقد تم بوساطة هذه الجراحة إزالة المدخل الذي يدخل منه فيروس الإيدز لإصابة الناس”.

كما يقول في مقطع الفيديو إن فريقه قام بإجراء تسلسل لكامل الجينات للتأكُّد مما إذا كان الإجراء ناجحاً، ويضيف: “تشير النتائج إلى أن الجراحة أجريت بأمان وعلى النحو المنشود”، ولكن هذا الأمر ليس صحيحاً، وذلك وفقاً لعالِم شاهد نسخة أولية من نتائج التجربة ووثائق البحث.

يقول كيران موسونورو (الباحث في جامعة بنسلفانيا): “إنه أمر بغيض”، ويقول إنه شاهد نسخة أولية من الدراسة التي أعدَّها فريق هي جيانكوي. ويذكُر موسونورو بأن الدراسة التي شاهدها تُظهر مشكلتين رئيسيتين مع الأجنة المعدّلة، وهما التزيّق والطفرات غير المقصودة.

الظروف

هناك سبب لقيام مجتمع علم الوراثة الدولي بوضع سياسات أخلاقية تحول دون إجراء هذا النوع من الأبحاث سراً؛ فمن غير القانوني في الولايات المتحدة المحاولة حتى لإجراء التعديل الجيني من النوع الذي استخدمه هي جيانكوي على أجنة البشر.

ويقول موسونورو: “أنا لا أريد أن أقول بشكل قاطع بأنني ضد [التعديل الجيني للأجنة] في أي وقت يتم القيام به”، ولكنه يقول إن الأمر غير مقبول على الإطلاق في هذه الحالة (أي بشكل سري ودون إشراف)، ولعل المشكلة الأكبر بالنسبة له هي أن أجنَّة الطفلتين أظهرتا دليلاً على التزيّق والطفرات غير المقصودة. ويحدث التزيّق عندما يكون هناك طفرة في بعض خلايا الكائن الحي (مثل الطفرة التي كان يحاول هي جيانكوي القيام بها) ولكن لا يوجد طفرة في البعض الآخر من الخلايا، أما الطفرات غير المقصودة فهي بالضبط كما تبدو عليه، أي التغيُّرات الجينية التي لم تكن مقصودة من عملية تعديل الجينات، وربما تؤدي إلى أمراض خلقية أو عواقب أخرى غير متوقعة.

وإذا كانت الظروف مختلفة، ورأى موسونورو الأجنة في مختبره الخاص بحيث يكون لها نفس التكوين الذي ذكره فريق هي جيانكوي، فهل سيُسمح لها بالوصول إلى مرحلة الولادة؟ “بالتأكيد لا” كما يقول موسونورو؛ فهناك احتمال كبير جداً بأن تؤدي تلك التعديلات الجينية غير المقصودة إلى مشاكل صحية غير متوقعة أبداً عند الأطفال، أو حتى عند نسلهم المستقبلي. وعندما شاهد موسونورو مقطع الفيديو الترويجي، قال: “كنت أبكي وأصرخ بشكل متناوب”.

من يعرف؟

تقول يانغ يانغ تشنغ (الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة كورنيل): “عندما ظهرت هذه الأخبار للمرة الأولى، شعرت بالفزع، ولكنني لم أكن مندهشة تماماً”، وإلى جانب عملها بصفتها عالمة في فيزياء الجُسيمات، أصبحت تشنغ -التي نشأت في الصين ودرست هناك حتى أصبحت طالبة دراسات عليا- تمثِّل صوتاً حول ثقافة البحث العلمي في الصين.

وعلى الرغم من أن بعض الأشخاص قد تكهَّنوا على تويتر بأن الأمر كله زائف، إلا أن تشنغ تقول إنها لا تملك سبباً للشك في حدوث التجربة وفي أن الأطفال حقيقيون. وفي وقت سابق من هذا العام، كتبت لمجلة فورين بوليسي بأنه في الصين “يتم وضع معايير للأبحاث التي تدرس أحدث الأمور التكنولوجية من قِبل الحكومة التي دائماً ما تعطي الأولوية للسلطة على الأخلاقيات”، وهذا يعني أن بيئة الأبحاث الطبية الحيوية تُظهر دوراً أقل للأخلاقيات وتفتقر إلى آليات لفرض المعايير الأخلاقية -كما كتبت- فضلاً عن كونها متشكِّلة “بالفساد المستشري”.

وغرَّدت ليتا هونغ فنتشر (مؤلفة كتاب صدر في عام 2018 ويحمل اسم “Betraying Big Brother: The Feminist Awakening in China”): “لست خبيرة في أخلاقيات العلوم، ولكن لدي مخاوف كبيرة بشأن الأطفال معدَّلي الجينات”، وقد أشارت إلى “تاريخ الصين في استخدام علم تحسين النسل في التخطيط السكاني”.

ويمكن النظر إلى التطوُّرات في مجال تعديل الجينات -مهما كان مشكوكاً فيها- بشكل ما على أنها طريقة لمساعدة الحكومة الصينية الشمولية في تنظيم شعبها والسيطرة عليه، ولكن يُنظر إليها أيضاً على أنها وسيلة لتعزيز سمعة الصين. تقول تشنغ: “هناك شعور بأن العلم هو بمنزلة أداة للعظَمة الوطنية”، وتقول: “إن هذه الخطوة هي نتاج للسياسة الصينية”، على الرغم من عدم وجود دليل على أن الحكومة أو المؤسسات البحثية كانت على علم بما يحدث بالضرورة قبل إعلان هي جيانكوي. ويقول موسونورو إنه يجد صعوبة في تصديق أن أحداً لم يكن يعرف على الإطلاق، ولكن قد لا يكون لدى الجمهور إجابة على هذا السؤال على الأرجح.

ماذا الآن؟

يقول موسونورو إن هي جيانكوي ومساعدوه “قاموا بالاحتيال بشكل أساسي”، كما يقول إن مؤسسة هي جيانكوي تُنكر معرفتها بأبحاثه وأوقفته عن العمل دون أن يحصل على أجر، ولكن ردود الفعل على المستوى الوطني كانت أكثر تبايناً. وتشير صحيفة ستات الآن إلى أن الأكاديمية الصينية للعلوم قد انسحبت قبل عام بصورة غير متوقعة وبهدوء من رعاية مؤتمر رئيسي حول تعديل الجينوم البشري، الذي كان من المقرر عقده في الصين، وقد تكون هذه الخطوة -التي لم يتم الإبلاغ عنها في ذلك الوقت- مرتبطة بعلاقة البلد المثيرة للجدل مع الأخلاقيات البيولوجية.

وتدخَّلت هونج كونج لاستضافة المؤتمر بعد هذه الخطوة حسبما ذكرت صحيفة ستات، وانعقد المؤتمر يوم الثلاثاء 27 نوفمبر 2018، وَفق محاور مختلفة تماماً، تغيَّرت من مناقشة هذه الأمور المستقبلية المحتملة إلى “حسناً، لقد حدث ذلك فعلاً”، كما يقول موسونورو. ويضيف: “في هذا النوع من المواقف، يجب أن يكون هناك شفافية منذ البداية”، ويقول إنه يجب ألا يتم تجربة ذلك على الإطلاق في ظلِّ غياب هذه الشفافية.

وكان من المقرر أن يظهر هي جيانكوي في المؤتمر، حيث كان هذا العالم الصيني يخطط للكشف عن تجربته غير الأخلاقية للعالم، ولكنه يخضع الآن للتحقيق وفقاً لتقرير إم آي تي تكنولوجي ريفيو.

ومهما يحدث له ولمساعديه، فيجب أن يُحاسبوا على ما فعلوه لفترة طويلة بعد انتهاء المؤتمر، ويبدو أن هي جيانكوي وفريقه قد انتهكوا التفاهمات الأخلاقية الدولية ومعايير الأبحاث بطريقة غير مسبوقة وتغيُّر من الإنسانية بحدّ ذاتها، ومن بين تلك المعايير أن هناك شيئاً لم تتم مناقشته كثيراً حتى الآن، ولكن من المرجح أن يُناقش في الأيام المقبلة، وهو معيار الموافقة المستنيرة. حيث إن أحد المخاوف الرئيسية لكل من تشنغ وموسونورو هو ما إذا كانت الموافقة المستنيرة -التي يؤكد مختبر هي جيانكوي أنه حصل عليها من والدي الفتاتين قبل تعديل أجنتهما- ممكنة في هذه المرحلة من فهم العلماء لتعديل الجينات وبيئة الأبحاث في الصين.

ولا أحد يعرف حتى الآن ماذا سيحدث للطفلتين نانا ولولو، اللتين يقول هي جيانكوي إن عمرهما بضعة أسابيع فقط. ومهما كانت حياتهما، فإنهما لم تتخذا هذا القرار بنفسيهما، وينبغي على المجتمع الدولي أن يتمنى الأفضل لهما.

ويقول موسونورو: “دعونا نسمي الأمور بأسمائها، إنها تجربة على البشر”.