Image


يمكن لكوكبنا أن يتحكم بمناخه، ولكن ببطء شديد

Bread assortment لا يوجد لدينا سوى هذا الكوكب
مصدر الصورة: بيكساباي

تحملت الحياة على الأرض تغيرات هائلة في المناخ، بدءاً من فترة دافئة منذ 450 مليون سنة مضت، عندما كانت أغلب منطقة الولايات المتحدة الحالية تحت الماء، وصولاً إلى العصر الجليدي الأخير منذ 20,000 سنة، عندما دفنت نيو إنجلاند تحت صفيحة جليدية بسماكة حوالي 1.6 كيلومتر. وعلى الرغم من أن هذه التغيرات المناخية تسببت بانقراض الكثير من الكائنات، فقد تابعت الحياة مسيرتها.

يعتبر هذا لغزاً حقيقياً، فقد وصل المناخ إلى مرحلة من الانفلات أدت إلى تحول مدينة البندقية، على سبيل المثال، إلى قطعة من حر جهنم، ولكن الأرض لم تصل إلى مرحلة من الحرارة والبرودة أدت إلى القضاء كلياً على الحياة فيها. وحتى في أصعب الأوقات، بقي كوكبنا الصغير ملاذاً، زورق نجاة أزرق مخضر يطوف في فضاء واسع عدواني. لماذا؟

لطالما شك العلماء بوجود آلية لضبط الحرارة على الكوكب للسيطرة على التغير المناخي. وقد نشرت دراسة جديدة في المجلة العلمية Geochemical Perspectives Letters تقدم الدليل الأول على صحة هذا الافتراض.

يقول فيليب بوج فون ستراندمان، أخصائي بكيمياء الأرض في جامعة لندن، والمؤلف الرئيسي لهذه الدراسة: “يجب أن يخضع المناخ لدرجة ما من التحكم. ولا يمكن أن يتغير كثيراً، وإلا قُضي على الحياة تماماً. لا بد من وجود آلية ما تمنع المناخ من الوصول إلى حالة من الفوضى الكاملة”.

تسمى هذه الآلية “المنظم الحراري الطقسي”، ويمكن تلخيص طريقة عملها كما يلي: يقوم ثنائي أوكسيد الكربون بحبس الحرارة، فيعمل على بقاء الأرض لطيفة ودافئة. فإذا انخفضت نسبته، نحصل على العصر الجليدي، وإذا ازدادت، ترتفع حرارة الكوكب. تقوم الأرض بتنظيم هذا الغاز، والذي يعتبر من غازات الدفيئة، عبر عمليات الطقس. حيث ينحل محتوى الغلاف الجوي من ثنائي أوكسيد الكربون في مياه المطر ويتحد مع الصخور لتشكيل البيكربونات.

تحمل مياه الأمطار والأنهار الحمض الكربوني إلى البحر

يقول بوج فون ستراندمان: “إذا انحلت صخرة في الماء، مثل ماء المطر أو النهر، فإن هذه العملية تأخذ من ثنائي أوكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي وتضعه في الماء على شكل بيكربونات. وينتقل كل هذا من الأنهار إلى المحيطات”. وما أن تصبح البيكربونات في المحيط، تتحد مع الكالسيوم لتشكيل الحجر الكلسي أو الجيري، “وهو ما يحبس ثنائي أوكسيد الكربون”، وفقاً لبوج وفون ستراندمان.

يستجب المنظم الحراري العالمي للحرارة والبرودة. حيث تتسبب الحرارة بتسريع التفاعلات الكيميائية، ما يجعل الصخور ومياه المطر تخفض من مستويات ثنائي أوكسيد الكربون بسرعة أكبر، ما يؤدي إلى تبريد الكوكب بسرعة أكبر. أما البرودة فتؤدي إلى تخفيض سرعة التفاعلات الكيميائية، ما يمنع الكوكب من أن يبرد كثيراً.

غير أن ثنائي أوكسيد الكربون الموجود في الحجر الجيري سيعود في نهاية المطاف إلى الغلاف الجوي. حيث سيسحب الحجر الجيري إلى ما تحت قشرة الأرض بسبب حركة الصفائح التكتونية، ويتحول إلى جزء من طبقة الوشاح. وفي نهاية المطاف، سينفصل ثنائي أوكسيد الكربون عن الحجر الجيري ويطلق في الهواء عن طريق الانفجارات البركانية.

تقوم عمليات الطقس بسحب ثنائي أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي إلى المحيطات، حيث يتحد مع الكالسيوم لتشكيل الحجر الجيري. ومن ثم يسحب الحجر الجيري إلى ما تحت قشرة الأرض بسبب حركة الصفائح التكتونية في عملية تعرف باسم الانغراز. تفصل الحرارة ثنائي أوكسيد الكربون عن الحجر الجيري، ومن ثم يقذف الكربون إلى الغلاف الجوي عن طريق الانفجارات البركانية.

تقوم عمليات الطقس بسحب ثنائي أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي إلى المحيطات، حيث يتحد مع الكالسيوم لتشكيل الحجر الجيري. ومن ثم يسحب الحجر الجيري إلى ما تحت قشرة الأرض بسبب حركة الصفائح التكتونية في عملية تعرف باسم الانغراز. تفصل الحرارة ثنائي أوكسيد الكربون عن الحجر الجيري، ومن ثم يقذف الكربون إلى الغلاف الجوي عن طريق الانفجارات البركانية.

صورة مولدة حاسوبياً لسطح الزهرة

 

يقول بوج فون ستراندمان: “لقد ظهرت هذه الفرضية منذ زمن طويل للغاية، وكانت حاضرة ضمن جميع النماذج المناخية، ولكنها لم تُبرهن فعلياً. ولكن الآن، لدينا دليل حقيقي على صحتها، وذلك من أحداث مناخية سابقة استجابت فيها عمليات الطقس لدرجة الحرارة”.

قام بوج فون ستراندمان وزملاؤه بالبحث عن أدلة في تجمعات الحجر الجيري، والتي تحوي على نظائر الليثيوم التي جلبتها عمليات الطقس. يختلف تركيز الليثيوم بين طبقات الحجر الجيري المختلفة. وتتوافق زيادة تركيزه مع الفترات الدافئة، عندما تسارعت عمليات الطقس.

بالطبع، هناك عوامل أخرى تؤثر على المناخ غير عمليات الطقس. حيث يستجيب أيضاً للتغيرات في النشاط الشمسي ونمو النباتات، على سبيل المثال. حيث تقوم النباتات أيضاً بسب ثنائي أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وتبريد الكوكب، غير أن تأثيرها محدود. وعندما تموت النبتة وتتحلل، عادة ما تحرر محتواها من الكربون إلى الهواء مرة أخرى. ويقول بوج فون ستراندمان أن النباتات كانت تؤثر على المناخ بشكل أقل من عمليات الطقس بكثير، على مدى آلاف السنين.

تعتبر عمليات الطقس السبب الأساسي في اختلاف الأرض عن الزهرة، حيث تسبب تزايد مستويات ثنائي أوكسيد الكربون بتحويل ذلك الكوكب إلى مكان لا يصلح للحياة. حالياً، يتألف الغلاف الجوي على الزهرة بشكل شبه كامل من ثنائي أوكسيد الكربون، ويصل متوسط الحرارة إلى أكثر من 426 درجة مئوية، على حيث تبلغ قيمة هذا المتوسط على الأرض 15 درجة مئوية.

يقول بوج فون ستراندمان: “إن ما يحافظ على استقرار مناخ الأرض على مدى هذه الفترات الزمنية الطويلة هو درجة ما من التفاعل بين الماء السائل والصخور”. ويلحظ أن هذا لن يؤدي إلى مساعدة البشر في مسألة التغير المناخي بشري المنشأ، لأن عمليات الطقس تغير المناخ تدريجياً على مدى آلاف السنوات.

يقول: “نحن ندرك أن عمليات الطقس سوف تزداد وتيرتها مع ازدياد حرارة الكوكب. وندرك أنها ستزيل ثنائي أوكسيد الكربون، ولكن عودة المناخ إلى مرحلة مشابهة لما قبل الثورة الصناعية سيتطلب حوالي 100,000 سنة”. ويقوم البشر بتحويل المناخ خلال فترة عقود فقط، وذلك بحرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي.

يتابع بوج فون ستراندمان: “يوجد محاولات لاستغلال هذه العملية وتسريع سحب ثنائي أوكسيد الكربون اصطناعياً. وذلك بتوزيع كميات كبيرة من حبيبات صخور السيليكات الناعمة في جميع أنحاء العالم. وكلما كانت الحبيبات أصغر، انحلت الصخور وانحل معها ثنائي أوكسيد الكربون بسرعة”. من سوء الحظ أن هذه الطريقة ما تزال في المرحلة التجريبية، ولا يوجد ضمانة أنها فعالة بما يكفي لمكافحة التغير المناخي.

يقول بوج فون ستراندمان: “يجب أن ننقل صخور السيليكات من مكان استخراجها إلى مكان توزيعها في الأراضي، كما يجب أن نصرف من الطاقة ما يكفي لطحنها إلى حبيبات صغيرة. يوجد الكثير من التجارب حالياً لتحديد الحجم المناسب للحبيبات، وما هي عواقب نشر الكثير من الصخور المطحونة في الحقول”.

تطلق البراكين ثنائي أوكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي

بدراسة السجلات الجيولوجية، يمكن للعلماء أن يقدروا تأثير عمليات الطقس السريعة. ويظهر التاريخ أن زيادة البيكربونات في المحيطات يمكن أن تطلق زيادة كبيرة في كميات العوالق. تقوم العوالق بامتصاص الأوكسجين في الماء، ما يتسبب باختناق المخلوقات البحرية الأخرى. ولكن حتى هذا قد يكون أفضل من التغير المناخي.

صحيح أن مناخ الأرض في تغير مستمر، وأن الحياة ستستمر على الرغم من صعود وهبوط الحرارة، غير أن ارتفاع الحرارة السريع الذي تسبب به حرق الوقود الأحفوري سيجعل الحياة أكثر صعوبة للبشر. من الضروري الحد من التلوث الكربوني حتى تبقى الأرض صالحة لحياتنا عليها.

يقول بوج فون ستراندمان: “مناخ الأرض متقلب للغاية. ولقد تغير كثيراً في الماضي. غير أن النقطة الهامة، بطبيعة الحال، هي أن هذه التغيرات الكبيرة تترافق بانقراض الكثير من الكائنات الحية”.

error: Content is protected !!