Image

علماء يستكشفون المواد اللزجة في الكهوف لمكافحة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية

في أعماق الكهوف حول العالم، تعمل البكتيريا على صنع مضادات حيوية يمكننا اكتشافها واستخدامها من أجلنا

Bread assortment المواد الميكروبية الصفراء على جدران كهف Hopkins Chocolate في منتزه Lava Beds الوطني في كاليفورنيا.
حقوق الصورة: كينيث إنغهام

تعدّ الكهوف من الأماكن المظلمة والرطبة والمعزولة، ولا يعيش فيها سوى عدد قليل جداً من النباتات أو الحيوانات. وقد تبدو للوهلة الأولى خالية من الحياة. ولكن ظلمة الكهوف مليئة بالمخلوقات المجهرية والبكتيريا والفطريات. وقد تشكّل هذه الميكروبات – التي يقوم العلماء باستكشافها – مخزوناً مجهولاً لأدوية جديدة لمكافحة الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية.

يعود سبب ذلك إلى أن معظم المضادات الحيوية التي نعتمد عليها تأتي من البكتيريا والفطريات. فالبنسلين مشتق من عفن البنسليوم. وتقوم الميكروبات في الطبيعة بصنع هذه المواد الكيميائية القاتلة لتشن هجوماً على الميكروبات المجاورة (وقد تستخدم أيضاً جرعات منخفضة من المضادات الحيوية لإرسال الإشارات فيما بينها). كما قام البشر باستخدام هذه المواد الكيميائية لصالحهم، وتم تطوير مئات المضادات الحيوية المختلفة. ولكن مع ازدياد مقاومة الجراثيم للأدوية في الوقت الحالي، فإننا بحاجة ماسّة إلى أدوية جديدة.

وحتى هذه اللحظة، فقد وجدنا أن معظم الميكروبات المرشحة الواضحة تسكن حولنا في التربة. ومع ذلك فإن نحو 99 % من أنواع الميكروبات لا تزال غير مكتشفة، وحتى الآن لم ينته البحث عن البكتيريا والفطريات التي قد تعطينا مضادات حيوية جديدة. ويقوم بعض العلماء بدراسة الأوساخ للبحث عن الميكروبات التي فاتتنا من قبل لأننا لم نكن نعرف كيفية زراعتها في المختبر. ويتجّه البعض الآخر من العلماء إلى مناطق جديدة، ويستكشفون المواطن المتطرفة التي نادراً ما يخوضها البشر.

وقد تكون الخبايا المظلمة للكهوف صعبة بل وخطرة الاستكشاف من قبل البشر، ولكنها أيضاً مصدر غني للميكروبات الجديدة. إذ يرجع علماء الأحياء الدقيقة من أعماقها ببكتيريا جديدة وواعدة، وأيضاً بعدد قليل من البكتيريا القديمة التي خدمتنا في العلاجات الشعبية منذ القرن السادس عشر.

الحياة في الظلام

لا تعتبر الكهوف من الأماكن التي يسهل العيش فيها. إذ يعني الظلام المستمر بأن النباتات لا يمكنها أن تنمو، كما أن هناك القليل جداً من الغذاء. ويجب أن تأتي هذه المواد المغذية القليلة الموجودة في الكهوف من العالم الخارجي بواسطة المياه أو الحيوانات التي تترك خلفها الروث أو البيض أو الجثث.

وقد وصف العلماء هذا الوضع بأنه “الجوع في الظلام”. ولكن الميكروبات تتمكن من البقاء على قيد الحياة، بل وتتمكن من النمو حتى. وتقول كاثلين لافوي عالمة الأحياء الدقيقة في جامعة ولاية نيويورك في بلاتسبورغ : “هناك الكثير من الكهوف التي لا يوجد فيها مستوى عالٍ من الحياة، ولكننا دائماً ما نجد فيها ميكروبات”.

وافترض العلماء في البداية بأن هذه الميكروبات هي نفسها الموجودة على السطح، والتي تصمد بعد جرفها من الأعلى. وتقول لافوي: “لم يكن الناس لسنوات عديدة يعتقدون بأن هناك شيئاً مميزاً في ميكروبات الكهوف”. ومع ذلك، عندما قامت مع زملائها بزيارة سبعة كهوف في منتزه Lava Beds الوطني في كاليفورنيا، فقد لاحظوا بأن حوالي 11% فقط من البكتيريا التي أخذوها كانت من نفس الأنواع الموجودة على السطح. وأفاد فريق آخر من العلماء بأن 16% من البكتيريا التي عثروا عليها داخل كهف كارتشنر في أريزونا تتقاطع مع تلك الموجودة في الأعلى.

واتضح بأن الميكروبات التي اعتادت العيش في الكهوف تشكّل مجتمعاً مميزاً. وبعيداً عن السطح، فقد تكيفت هذه الميكروبات مع مسكنها المظلم، وساهمت بدورها في تشكيله، حيث يعتقد العلماء الآن بأن الميكروبات تلعب دوراً حيوياً في تكوّن الهوابط وغيرها من التشكيلات الغريبة عن طريق تغيير الحموضة وغيرها من الظروف داخل الكهوف. ويكون كل مسكن كهفي مختلف عن الآخر، ويتوقف ذلك على بعض الأشياء مثل كيفية تشكله ومناخ البيئة المحيطة به.

وهذا يعني بأن هناك العديد من التجمعات البكتيرية المختلفة لنقوم بدراستها، والعديد من الفرص للعثور على مضادات حيوية جديدة. وقامت ناوارات (آن) تشيبثام – عالمة الأحياء الدقيقة في جامعة تومسون ريفرز في كاملوبس في كولومبيا البريطانية – بتحديد بعض البكتيريا المرشحة الواعدة في العديد من الكهوف الكندية والبرتغالية. وينتمي الكثير منها إلى مجموعة متنوعة من البكتيريا تدعى الشعيّات (أكتينوميستس) والتي يعتبر أفرادها الموجودون على السطح مسؤولين عن معظم المضادات الحيوية التي نستخدمها اليوم.

وتقول تشيبثام: “نلاحظ عدداً كبيراً منها … ممن تقتل [العوامل الممرضة] المقاومة للأدوية المتعددة في المختبر”. وقد يتضح أن بعضها هي من البكتيريا التي تم استخدامها في الماضي لصنع المضادات الحيوية. ولذلك يجب على تشيبثام وزملائها البحث بشكل كبير لاستبعاد البكتيريا المتكررة.

ومع ذلك، فإن الباحثة مدفوعة بعدد البكتيريا التي جمعتها تحت الأرض والتي يبدو أنها تصنع المضادات الحيوية. ولا توجد مواقع أخرى بمثل هذا القرب. حيث قامت قبل سنوات بتنقيب الرواسب من خليج طوكيو بحثاً عن أدوية قاتلة للفطريات ووجدت بالكاد بعض الميكروبات المرشحة. ولكن في إحدى الكهوف التي زارتها مؤخراً، فقد أظهرت نحو 20 في المئة من الميكروبات التي قام فريقها بدراستها بأنها واعدة ضد البكتيريا المقاومة للأدوية. وتقول تشيبثام: “تعتبر بكتيريا الكهوف مصدراً جذاباً للبحث عن مصادر للأدوية”.

وفي الواقع، فمن الممكن أن تكون ميكروبات الكهوف مجهزة بشكل جيد لصنع المضادات الحيوية. فإذا كان هناك القليل من الغذاء في الجوار، فقد تصبح المنافسة شرسة بين الميكروبات المتجاورة. وتقول لافوي: “الفكرة هي أنه إذا كانت الظروف قاسية، فإنها تحتاج إلى المزيد من المزايا للتغلب على الميكروبات الأخرى”.

هل حصلت على مادة مون ميلك؟

تجرأ الناس قبل مئات السنين على دخول الكهوف لجمع مادة عجينية بيضاء سميكة، والتي أشيع بأنها تعالج كافة أنواع الأمراض. وتدعى هذه المادة مون ميلك، وكانت توضع على الجروح وتستخدم كعلاج للقرحة والإسهال والعظام المكسورة وغير ذلك.

كما تم استخدام هذه المادة بشكل غريب جداً (بما في ذلك “سحر الأحبة”)، ومن المستبعد جداً بأن تكون فعالة في جميع المجالات. ومع ذلك، فقد اتضح بأنه قد يكون لها بعض الخصائص العلاجية. ويذكر بأن هذه المادة اللزجة – والتي لها قوام مماثل لمعجون الأسنان – تعجّ بالبكتيريا. والعديد من هذه البكتيريا هي من الشعيّات (أكتينوميستس)، وهي المجموعة التي أسفرت عن الكثير من المضادات الحيوية في الماضي.

ويقول سيباستيان ريغالي عالم الأحياء الدقيقة الجزيئية في جامعة لييج في بلجيكا: “لقد قررنا أن نرى فيما إذا كان هناك سبب منطقي مرتبط بهذا الطب التقليدي القديم، وفيما إذا كان هناك دعم علمي بأن مادة مون ميلك تحتوي بالفعل على مصادر للمضادات الحيوية”. وقد قام هو وزملاؤه بكشط مادة مون ميلك من الكهوف الأوروبية. ويبدو بأن العديد من البكتيريا التي اكتشفت في المادة تصنع المواد الكيميائية المضادة للميكروبات والتي تثبط غيرها من البكتيريا والفطريات المقاومة للأدوية.

ويمكن لمادة مون ميلك أن تكون جافة وشبيهة بالصلصال، أو رطبة ذات قوام كريمي، أو حتى سائلة. ويقول ريغالي: “يمكن أن يكون لديك أنهار من مادة مون ميلك”. واعتماداً على محتوى الماء والمواد المغذية الموجودة، يمكن أن يختلف نوع الميكروبات المستعمرة للمادة بشكل كبير، وهذا يعني بأن الأنواع المختلفة من المادة يمكن أن تكون مصحوبة بمضادات حيوية مختلفة.

ومع ذلك، فإنه يلزم وقت طويل قبل أن تصبح المضادات الحيوية المستمدة من مادة مون ميلك – أو من أي مكان كهفي آخر – متوافرة في الأسواق. ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه ليس من السهل تحفيز بكتيريا الكهوف للبقاء على قيد الحياة واستخراج المواد الكيميائية في المختبر، بعيداً عن البيئة الفريدة التي اعتادت عليها. وعندما تنمو المستعمرات، فإنها تتقدم ببطء. وفي حين أن بكتيريا الإشريكية القولونية التي تعيش على السطح يمكنها أن تضاعف عددها خلال 20 دقيقة، فإن البكتيريا الكهفية قد تستغرق أسابيع أو أشهر، كما تقول تشيبثام. ولأن المادة الكيميائية تقتل البكتيريا المقاومة للأدوية في أطباق المختبر، فهذا لا يعني بأنها ستكون فعالة في أجسام البشر. بل إنها قد تكون سامة تماماً.

وتقول لافوي: “تبدأ بـ 10 آلاف مادة كيميائية مرشحة، وبعد مرور 12 سنة وإنفاق مليار دولار قد يكون لديك مادة واحدة. ولكنك حصلت على مكان للبدء، ولذلك كلما وجدت أكثر، كلما كنت أفضل حالاً”.

استكشاف الكنز

إن لم تكن الكهوف مكاناً سهلاً لدراسة الميكروبات، فإن المستكشفين البشر ليسوا مجهزين بشكل أفضل. حيث تعرض الباحثون الذين نزلوا إلى الكهوف بحثاً عن مضادات حيوية جديدة للكثير من التجارب قبل أن يصلوا إلى الكهوف.

وقد تكون الكهوف نائية ومتوارية في نهاية رحلة شاقة. وتوجد العديد من الكهوف التي قامت تشيبثام باستكشافها بشكل عميق في منطقة الدب الرمادي، وبالتالي يلزم نقل العلماء بطائرة هليكوبتر. وفي حين أن بعض الكهوف واسعة، إلا أن الكثير منها مليء بالأماكن الضيقة وصعبة التنقل. وفي بعض الأحيان هناك برك يتوجب عبورها، والتي يمكن أن تكون كبيرة. وفي إحدى المرات، أرسلت تشيبثام غواصاً للكشف عن كهف مائي، وأفاد بأنه إذا تم تجفيف البركة، فإنها قد تكون أكبر بثلاث مرات من حجم ملعب بي سي بليس، وهو ملعب في فانكوفر ويمكن أن يستوعب أكثر من 50 ألف شخص. وهناك كهوف لا يمكن استكشافها إلا في فصل الشتاء، عندما تتجمد بعض المياه. كما أن هناك الظلام الدامس، والذي لا يتخلله سوى نور مصابيح الرأس. وتقول تشيبثام: “في كل مرة أذهب فيها إلى هناك، يجب عليّ أن أوقف عقلي عن التفكير. وأنا لم أشاهد أبداً أفلام رعب تتعلق بالكهوف … فإذا شاهدت مثل هذه الأفلام، فقد لا أتمكن من الذهاب.”

وفوق كل هذا، يجب على علماء الكهوف أن يأخذوا الحذر من عدم تلويث النظام البيئي الأساسي الدقيق بالبكتيريا الموجودة على أجسادهم أثناء التسلق أو أخذ عينات جديدة من جدران الكهوف. إذ يجب التحقق بشكل دائم من الملابس والجلد وفتات الطعام.

ولهذا السبب يتم حماية الكهوف بعناية. إذ أن مجرد وضع الممرات الاسمنتية والأسوار والمصابيح للسياح يغير من تركيب البكتيريا والفطريات. وتم العثور على البكتيريا التي تقوم بالتمثيل الضوئي بجوار المصابيح الاصطناعية في الكهوف، والتي عادة ما تكون عاتمة جداً لاستضافتها.

ولهذا السبب يحاول الباحثون أخذ عينات الكهوف من الأماكن التي لا يقترب منها السياح عادة. فالميكروبات الأصلية في تلك الأماكن قد تكون معزولة منذ زمن طويل. وعلى الرغم من أن هذه المنطقة النائية مرعبة، إلا أنها تجعل البحث عن أدوية جديدة أمراً مبهجاً. ويقول ريغالي: “إن الأمر المثير حقاً هو أن ندرك بأنها بيئة غير مستكشفة أبداً، وبأننا أول من يجمع عينات من البكتيريا الموجودة منذ ملايين السنين. وما عزلناه حتى الآن قد لا يعادل جزءاً من المليون من البكتيريا التي تعيش هناك بالفعل”.

ومن الجدير بالذكر أن التهديد المحدق بالمقاومة للمضادات الحيوية جعل البحث أكثر إلحاحاً. فبحلول عام 2050، قد تتسبب العدوى المقاومة للأدوية بقتل عدد أكبر من الأشخاص بالسرطان. ولهذا السبب علينا أن نبحث عن أدوية جديدة في كل زاوية من الطبيعة، من الحقول والبحار والجبال إلى أعماق الكهوف. فمن بين هذه الجموع الكبيرة من الميكروبات المجهولة، لا يوجد سوى عدد قليل من شأنه أن ينضم إلى المخزون الذي سنحتاج إليه للتغلب على الهجوم القادم من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

error: Content is protected !!