Reading Time: 4 minutes

استغلت هوليوود كثيراً مشاعرنا المتناقضة تجاه المهرجين في الأفلام التي تنتجها، ولم تحمل أفلام هذا الخريف أي شذوذٍ عن هذه القاعدة.

سوف تظهر شخصية المهرج الشرير «بيني وايز» للمرة الثانية خلال عامين في فلم «IT Chapter Tow» للكاتب الأميركي «ستيفن كنج»، وستظهر شخصية «الجوكر» عدو باتمان المجنون مجدداً، والذي قام ببطولته الممثل «خواكين فينكس» في فيلم «Joker» هذا العام، والمأخوذة قصته من النسخة القديمة لفيلم «The Dark knight».

 

وهنا نتساءل: كيف أصبحت شخصية المهرج المحبوبة التي كانت عماداً ورمزاً لحفلات عيد ميلاد الأطفال؛ تجسد الشر الخالص؟

كشفت دراسةٌ أجريت في بريطانيا عام 2008، أن عدداً قليلاً جداً من الأطفال يحبون شخصية المهرج، وخلصت أيضاً إلى أن الممارسة الشائعة المتمثلة بتزيين أجنحة الأطفال في المستشفيات بصور المهرجين؛ قد لا تخلقُ بيئة مُحببة للأطفال، بل تخلق جواً من التوتر لديهم، ومن ثم لا عجب في أن الكثيرين يكرهون شخصية المهرج الأميركي رونالد مكدونالد.

لكنني، وبوصفي طبيباً نفسياً، لست مهتماً بتحديد سبب كرهنا للمهرجين فحسب، بل السبب الذي يجعلنا نشعر بالخوف والرهبة منهم. نشرت دراسة عام 2016 بالاشتراك مع أحد تلاميذي -«سارة كوهين»- بعنوان «طبيعة الخوف» في دورية «سايكولوجي». رغم أن الدراسة لم تكن مُوجَّهة إلى دراسة طبيعة الخوف الذي يثيره لدينا المهرجون، فإن الكثير مما اكتشفناه يساعد في فهم هذه الظاهرة المثيرة للاهتمام.

تاريخ المهرجين

وُجدت شخصية المهرج وأشباهها منذ آلاف السنين، وقد كانوا يبثون روح المرح والبهجة لدى رجال السلطة قديماً، بوصفهم مُتنفساً من ضغوط الحياة وتوترها. وقد مُنحوا حرية تعبيرٍ فريدة من نوعها، ما دام حجم البهجة الذي يقدموه يفوق الإزعاج الذي يتسببون به.

يعود تاريخ ظهور المهرجين إلى مصر القديمة على أقل تقدير، وظهرت كلمة المهرج «CLOWN» أول مرة منذ 1500 عام، عندما استخدم شكسبير المصطلح لوصف العديد من الشخصيات البلهاء في العديد من مسرحياته. ويعود تاريخ ظهور مهرج السرك المعروف حالياً -بوجهه المُلوَّن وباروكته وملابسه الفضفاضة- إلى القرن التاسع عشر، ولم تتغير ملامحه على مدار 150 عاماً إلا قليلاً.

أما شخصية المهرج الشرير ليست جديدةً؛ فقد نشر الكاتب «بنيامين رادفورد» كتابه «Bad Clowns» عام 2016، يتناول فيه تاريخ تطور شخصية المهرج، إلى أن أصبحت رمزاً للشر المطلق.

وقد انتقلت شخصية المهرج الشرير إلى مستوًى جديد فعلاً، بعد أن قُبض على القاتل المتسلسل والمهرج السفَّاح «جون واين جاسي» في سبعينيات القرن الماضي. فقد كان «جون» يظهر في حفلات عيد ميلاد الأطفال تحت اسم «بوجو المهرج»، وكانت له الكثير من اللوحات التي تجسد شخصية المهرج. ومنذ أن اكتشفت السلطات أنه قتل ما لا يقل عن 33 شخصاً، ودفن معظمهم تحت منزله في ضواحي شيكاغو، أصبحت العلاقة بين المهرجين والسلوك الخطير والشرير راسخةً إلى الأبد في اللاوعي الجمعي للأميركيين.

مهرج

إحدى رسومات القاتل المتسلسل جون وايسي — حقوق الصورة: The Orchid Club/flickr

وقد انتشرت ظاهرة المهرجين الأشرار عام 2016، وأثارت الرعب في الولايات المتحدة لعدَّة أشهر؛ فقد كشفت التقارير من 10 ولاياتٍ عن ظهور أناسٍ يتنكَّرون في زي المهرجين، ففي ولاية فلوريدا مثلاً رُصد أشخاصٌ يتنكرون بزي المهرج الشرير، يتسكعون على جوانب الطرقات، وظهر آخرون في ولاية ساوث كارولينا، يحاولون جذب النساء والأطفال نحو الأحراش القريبة.

ودافع هذه الحوادث لم يكن واضحاً،  أكانت للتسلية أم كانت تشكل تهديداً حقيقياً للناس، لكن المجرمين منهم على ما يبدو كانوا يستغلون مشاعر الرهبة التي تحدث لدى الأطفال عند رؤيتهم لهم، ولدى بعض البالغين أيضاً.

طبيعة الخوف من المهرجين

يمكن أن يساعد علم النفس في تفسير السبب في أن المهرجين -الذين يكونون مصدراً للمرح والنكات- غالباً ما يجعلوننا نشعر بالخوف والرعب عند رؤيتهم.

كان بحثي أول دراسةٍ تجريبية تبحث في ظاهرة الرهبة من المهرجين، وكان لدي حدس بأن الشعور بالرهبة قد يكون له علاقة بالغموض الذي يثيره شكل المهرج؛ كالحالة التي تصيبنا عندما نكون في موقفٍ ما، أو في مواجهة شخصٍ ما، ولا نكون فيها متأكدين من كيفية التصرف حيالها.

طلبنا من 1341 متطوعاً، تتراوح أعمارهم بين 18 و 77 عاماً ملء استبيانٍ على الإنترنت. اشتمل الاستبيان على 3 أقسام. في القسم الأول: قيّم المشاركون 44 سلوكاً مختلفاً يُحتمل أن تصدر عن شخص مُخيف افتراضي؛ مثل الأنماط غير المعتادة للتواصل البصري، أو بعض الملامح المرئية عليهم مثل الوشوم. في القسم الثاني: قيّم المشاركون مقدار الخوف الذي يُحتمل أن تثيره 21 مهنة مختلفة؛ مثل سائقي التاكسي، أو مُنظّمي الجنازات وغيرها. في القسم الثالث: طلبنا منهم أن يذكروا هوايتين يعتقدون أنهما مخيفتان؛ وقد ذكر البعض هواية جمع الطوابع، أو الحشرات، ومراقبة الناس والتقاط الصور لهم وغيرها. وأخيراً قيّم المشاركون مدى اتفاقهم مع 15 صفة، تتعلق بطبيعة الأشخاص المخيفين.

أشارت النتائج إلى أن الأشخاص الذين نعتبرهم مخيفين سيكون أغلبهم من الذكور، وأن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاتهم سببٌ هام للخوف منهم، وأن أنماط التواصل البصري غير المألوفة وغيرها من الحركات التي يقومون بها؛ تثير مشاعر الخوف إلى حدٍّ كبير، وأن الصفات الفيزيائية غير المألوفة أو الغريبة؛ مثل انتفاخ العينين، أو الابتسامة الغريبة، أو الأصابع الطويلة – لم تكن سبباً مباشراً لتخيل شخصٍ ما بأنه مخيف، لكن وجود تصرفاتٍ غريبة لدى الشخص تُضاعف من احتمالية اعتباره مخيفاً؛ مثل توجيه الحديث باستمرار نحو مواضيع جنسية غريبة، أو عدم فهم سلوكهم في جلب الزواحف معهم إلى المكتب.

وقد احتلت مهنة المهرج المرتبة الأولى -كما خمَّنتُ- عندما طلبنا من المشاركين تصنيف المهن حسب درجة إثارتها للخوف. لقد كانت النتائج متسقةً مع نظريتي القائلة بأن شعور الرهبة والخوف ما هو إلا ردُّ فعل على التهديد الغامض المتمثل في شخصية المهرج، وعدم اليقين مما قد نواجهه.

وعلى سبيل المثال، قد يكون الانسحاب من منتصف المحادثة مع شخصٍ يوحي بالخوف تصرفاً غير لائق، لكنه في الواقع غير مؤذٍ. فقد يكون تجاهل حدسك في أن التعامل مع هذا الشخص قد يشكل تهديداً ما خطراً أيضاً، وقد تتركك مشاعرك المتناقضة متجمداً في مكانك في جو يَسُوده التوتر وعدم الراحة. قد يكون رد الفعل هذا لدينا نوعاً من التّكيّف طوره البشر عبر الزمن للمحافظة على يقظتنا لمواجهة الخوف أثناء أيّ موقفٍ نَظنّه خطيراً.

عن مشاعر الكره والخوف ناحية المهرجين

ليس مُستغرباً في ضوء نتائج دراستنا أن نجد المهرجين مخيفين ونكرههم.

يعتقد «رامي نادر»، وهو عالم نفسٍ من كندا، ويدرس ظاهرة «كولروفوبيا» (رُهاب المهرجين) أي الخوف غير المُبرَّر منهم؛ أن هذه الظاهرة تتأتى من حقيقة أن المهرجين يضعون الكثير من المكياج، ويخفون شخصيتهم، وهويتهم، ومشاعرهم الحقيقة عن الآخرين تحت هذا القناع.

وهذا يتفق تماماً مع فرضيتي، ومفادها أن الغموض الكامن المحيط بالمهرجين هو الذي يجعلهم مخيفين، يبدون سعداء، لكنهم هل هم كذلك في الواقع؟ وأن صورتهم لدى الناس ليست محمودةً؛ لذا يجعلون مَن حولهم في حالةٍ من التوتر الدائم. فلا يعلم من يتعامل معهم كيف سينتهي الأمر؟ هل سينتهي بإلقاء فطيرةٍ على وجهه، أم قد يكون ضحيةً لإحدى المزحات المُهينة؛ مثل تلك التي تظهر في مشاهد الكاميرا الخفية. إضافة إلى أن الصفات الفيزيائية غير المألوفة التي يحملها المهرج -مثل الشعر المستعار، والأنف الأحمر الكبير، والمكياج، والملابس الغريبة-؛ تزيد من الغموض وعدم اليقين فيما قد يفعله المهرج في الخطوة التالية.

وهناك بالتأكيد أشخاص آخرون يثيرون الخوف والرعب لدينا؛ مثل مُحنِّط الحيوانات، ومنظمي الجنازات، وسائقي التاكسي، وغيرهم. وقد قدّم المشاركون أمثلةً جيدة متنوعة أخرى عن بعض المهن التي قد تكون مخيفةً أيضاً، لكنها لا ترتقي إلى مستوى الخوف الذي تثيره مهنة المهرج.

تم نشر هذا المقال بواسطة «فرانك تي. ماكندرو» في موقع ذا كونفيرسيشن