Image

سنشتاق إليها

Bread assortment صورة فنية تخيلية لكاسيني أثناء إحدى حركات الانقضاض الأخيرة بين زحل وحلقاته
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا

خلال الساعات الأولى من يوم الجمعة 15 سبتمبر، توقف كوكبنا عن استقبال إشارة المركبة الفضائية كاسيني مباشرة قبل أن تتفتت في الغلاف الجوي لزحل. وسيعتبر توقف البث هذا نهاية 13 سنة من الاستكشاف، وما يقارب 30 سنة من العمل. وقبل هذه النهاية الحزينة ببضعة أيام، بدأت الدموع بالتدفق، وامتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات الامتنان والتقدير العاطفية لهذه المركبة التي كانت نافذتنا نحو عالم آخر.

على الرغم من وجود بعض الأشخاص ممن شاهدوا تدمير المركبة الفضائية أثناء اقترابها من كوكب آخر بلا اكتراث، إلا أن الكثيرين من عشاق الفضاء شعروا بحزن حقيقي لفقدان هذه الكتلة المكونة من الإبداع البشري، والمعادن، والبلوتونيوم.

غير أن الحزانى كانوا يعلمون بقدوم هذه اللحظة مسبقاً، وعلى عكس النهايات الأخرى، مثل انفجار مفاجئ أو أعطال غير متوقعة، فقد كانت هذه النهاية محسوبة، وتم الإعلان عنها والتخطيط لها بشكل مسبق. ولم يتبق للمراقبين سوى انتظار آخر الإشارات التي أرسلتها المركبة الفضائية المتبخرة حتى تصل إلى الأرض.

ولكن، لماذا شعرنا بكل هذا الأسى على الرغم من كل هذه التحضيرات؟

يقول جوناثان لونين، مدير مركز كورنيل للفيزياء الفضائية وعلوم الكواكب: “تتميز هذه البعثة بأهمية خاصة، وقد دامت لفترة طويلة للغاية، ما يجعل الوداع أكثر صعوبة”. عمل لونين على كاسيني بصفة عالم متعدد الاختصاصات، ويشير إلى أن هذه البعثة، التي أطلقت تقريباً منذ 20 سنة، كان من المفترض أن تدوم لأربع سنوات فقط. غير أنها مددت مرات عديدة، ويقول: “انتهى بنا المطاف إلى عمل دام لثلاثة عشر عاماً حول زحل”.

أرسلت كاسيني العديد من التذكارات إلى الأرض، وقد أثارت عجب العلماء المختصين بالكواكب. يقول لونين: “أجرت كاسيني عمليات رصد لم نكن حتى لنتخيلها أثناء تصميم هذه البعثة. وبدون شك، قدمت هذه المركبة للعلم أكثر مما كنا نتوقع بكثير”.

تبدو مشاعر لونين متضاربة، شأنه شأن الكثير من العاملين في هذا المشروع. وقبيل انتهاء البعثة، عبر عما يشعر به قائلاً: “من جهة، أشعر بأننا أنجزنا عملاً رائعاً يستحق الاحتفال، ولكن من جهة أخرى أشعر بثقل النهاية المحتومة بعد ثلاثة أيام، على الرغم من أننا ما زلنا نعمل ونتلقى البيانات”.

كان لكاسيني أثر مباشر على الكثيرين من العاملين في مجال علم الكواكب، حتى لو لم يكونوا من العلماء الذين كرسوا عقوداً كاملة من حياتهم للعمل على بياناتها، وإجراء تعديلات دقيقة على مسارها عن بعد ملايين الكيلومترات.

عملت سارة هورست، وهي عالمة في مجال الكواكب، على بيانات المركبة الفضائية منذ كانت في مرحلة الدراسات العليا، وذلك بهدف دراسة تيتان، أحد أقمار زحل. وتقول: “لقد كانت كاسيني، بطريقة أو بأخرى، أحد مصادر الإلهام لجميع أبحاثي على مدى الأعوام الثلاثة عشر المنصرمة. ولهذا، أشعر بأنني مدينة لها بجزء كبير من حياتي المهنية”.

تتابع هورست قائلة: “يوجد شيء رائع للغاية بخصوص كاسيني. وأعتقد أن الصلة القوية بينها وبين الناس، سواء من داخل أوساط المختصين بعلم الكواكب أو خارجها، تعود إلى كونها مركبة فضائية جبارة. ويوجد فيها ما يمكن أن يثير دهشة أي شخص، إلى درجة أنه ليس من الضروري أن تحب زحل، أو تشعر بالذهول تجاه حلقاته، أو تكون من معجبي تيتان، على الرغم من أنني شخصياً أحد هؤلاء”.

يمتد تأثير كاسيني حتى إلى الأشخاص الذين لا يعملون في دراسة العوالم البعيدة. وبفضلها، تمكن العامة من الشعور ببحار الميثان على تيتان وهي تداعب أقدامهم، وخاضوا في قلب الفوارات التي تنطلق من إينسيلادوس، وحدقوا بدهشة إلى بعض من أجمل الصور التي التقطت لزحل وحلقاته.

على الرغم من أن المعلومات الطيفية التي جمعتها كاسيني بكميات كبيرة لم تكن بالضرورة مثيرة لمن لا يعملون في حقول الكيمياء وعلوم الكواكب، فإن الصور التي التقطتها أدهشت الجميع. وتتضمن الصورة المفضلة لهورست لقطة لبحيرة جينغبو لاكوس على تيتان وهي تتلألأ بضوء الشمس.

تقول هورست: “لقد رأيت هذه الصورة لانعكاس ضوء الشمس على هذا الجسم السائل المذهل مئات المرات، وفي كل مرة أراها، أشعر بالقشعريرة تسري في أوصالي”.

من المؤسف أن ناسا لا تخطط للعودة إلى نظام زحل قريباً. أما البعثة الكبيرة المقبلة لناسا فهي بعثة أوروبا كليبر، والتي ستركز على دراسة قمر المشتري أوروبا، بدون الاقتراب من زحل. وعلى الرغم من وجود اقتراحات لزيارة زحل مرة ثانية ومتابعة دراسة الأسرار التي كشفتها كاسيني، بما في ذلك مشاريع لاستكشاف أكثر عمقاً للأقمار تيتان وإينسيلادوس، التي يمكن أن تحوي على الحياة، فإنه لا توجد حالياً بعثات قيد التخطيط.

تقول هورست: “أعتقد أن عدم المعرفة بما سنفعله مستقبلاً يساهم في هذا الشعور بالخسارة. وبالنسبة للبعض، لا يوجد مستقبل، حيث أن هذه بعثتهم الأخيرة، وسيتقاعدون بعدها، وهذا يساهم أيضاً في الشعور بالخسارة”.

يشير كل من لونين وهورست إلى أن أوساط المختصين بعلم الكواكب تعرضت لمواقف مشابهة من قبل، ويأمل كلاهما أن التاريخ سيعيد نفسه. فقد قدمت مركبتا فوياجر للباحثين لمحة مشوقة إلى زحل في أوائل الثمانينات، ورغبوا بالحصول على المزيد من البيانات. ولكن لم يكن هناك أي بعثات في الأفق. وفجأة ولدت كاسيني، بفضل جهود مجموعة من الباحثين الذين يتحرقون فضولاً لمعرفة المزيد حول تلك المنطقة المجهولة من النظام الشمسي.

تقول هورست: “لقد تحمل دافعو الضرائب من عدة بلدان تكاليف هذه الرحلة، أي أنها لم تقتصر على الولايات المتحدة فقط، بل كانت بعثة عابرة للحدود، وعابرة للأجيال أيضاً. إنها البعثة الأولى من نوعها، وعلى الأرجح، لن نشهد بعثة مماثلة إلا بعد فترة من الزمن”.

error: Content is protected !!