Image

كيف تضر الصورة النمطية للمرض بالمرضى

Bread assortment غالباً ما تكون لدى النساء خبرات مختلفة جداً في مجال الرعاية الصحية أكثر من الرجال. حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

إن الأسطورة القائلة بأن “النساء الأصغر سناً لا يصبن بأمراض القلب” تشير إلى الخطر الذي وصفته الدكتورة كاتارينا هامبرج من جامعة أوميا في السويد “بالتحيز القائم على المعرفة”. وفي حين أن الوعي بأن الرجال أو النساء لديهم – في المتوسط – مخاطر أكبر أو أقل لأمراض معينة هو أمر مهم ومفيد إلى حد ما، فإن هذا الوعي يمكن أن يؤدي إلى أمراض تصبح نمطية جداً كـَ “أمراض رجال” أو “أمراض نساء”، بحيث أن الأطباء لا ينظرون إلى الشخص الذي يجلس أمامهم، لدرجة أن الصورة النمطية هي التي تتحكم في التشخيص، فمعرفة حالةٍ ما تكون أكثر شيوعاً في أحد الجنسين تفضي إلى ضعف تشخيصها في الجنس الآخر.

غلاف كتاب (الأذيّة: كيف تعرّض الطبابة السيئة والكسل العلمي المرأة للإهمال والتشخيص الخاطئ والمرض) للمؤلفة مايا دوزنبري
حقوق الصورة: هاربر ون

ويظهر تاريخ مرض الانسداد الرئوي المزمن هذه الديناميكية بشكل جيد. يرتبط هذا المرض -الذي يعد السبب الرابع الأكثر شيوعاً للوفاة في الولايات المتحدة- بشكل وثيق بتدخين السجائر. وفقاً لذلك، وعلى مدى عقود كان المريض النمطي المصاب بهذا المرض مدخناً نمطياً: رجل أبيض متقدم في السن. ولكن ابتداء من ستينات القرن الماضي، عندما بدأت شركات التبغ باستهداف النساء، بدأت الفجوة بين الجنسين في معدلات التدخين تتقلص، وسرعان ما تبع ذلك تقلص في الفجوة في معدلات مرض الانسداد الرئوي المزمن. وما بين عامي 1980 و 2000، تضاعفت معدلات وفيات النساء من مرض الانسداد الرئوي المزمن ثلاث مرات. ومنذ عام 2000، توفي من النساء كل عام عدد أكبر من الرجال بسبب مرض الانسداد الرئوي المزمن. وفي دراسة أجريت في عام 2001، أشار الباحثون إلى ضعف تشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن عند النساء بسبب الصورة النمطية الراسخة المرتبطة بهذا المرض. وقد طلبوا من 192 من أطباء الرعاية الأولية النظر في حالة مريض في منتصف العمر، إما رجل أو امرأة، يعاني من سعال مزمن وتاريخ من التدخين. في أول مرور، تلقى 49 في المائة من النساء المريضات تشخيصاً بمرض الانسداد الرئوي المزمن مقارنة مع 64.6 في المائة من المرضى الذكور ممن يملكون حالة مطابقة. وبمجرد عرض نتائج الاختبار التي تشير إلى مرض الانسداد الرئوي المزمن، تقلصت الفجوة بين الجنسين ولكنها لم تختفِ تماماً.

وكما أشار الباحثون، فإن البعض يجادل بأن التحيز الذي ظهر في الدراسة لم يكن غير مناسب تماماً، نظراً لأن “خطر الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن أعلى بالفعل لدى الرجال منه لدى النساء بسبب المعدلات الأعلى لاستهلاك التبغ تاريخياً لدى الرجال”. ولكنهم يشيرون إلى أن هذا جدال في حلقة مفرغة، فدقة البيانات الوبائية التي تخبرنا كيف تعتمد الأمراض الشائعة في مجموعات مختلفة على الأطباء الذين يقومون بالتشخيص الدقيق. وإذا تم تشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن بشكل خاطئ عند النساء – كما أشارت الدراسة – فكيف يمكن لأي شخص أن يعرف ما إذا كان المرض لا يزال أكثر انتشاراً بين الرجال؟ وحتى لو كان المرض أكثر شيوعاً بين الرجال، فهذا غير ذي صلة بما إذا كانت هناك امرأة بعينها مصابة به. ومع ذلك فإن صورة “المريض النمطي” كانت قوية لدرجة أن الأطباء في الدراسة أغفلوا مرض الانسداد الرئوي المزمن لدى المدخنات، على الرغم من أن السبب الوحيد لارتفاع معدلات الإصابة بالانسداد الرئوي المزمن تاريخياً عند الرجال هو كون معدلات التدخين لديهم أعلى. واليوم، وعلى الرغم من أن معدلات الإصابة عند النساء بمرض الانسداد الرئوي المزمن بشكل رسمي أكثر من الرجال في معظم مراحل عمرهن، فإنهن ما زلن يواجهن تأخيراً في تلقي التشخيص.

تؤثر التحيزات “القائمة على المعرفة” على المرضى من كلا الجنسين. وقد أشارت الدراسات إلى أن الرجال يعانون من ضعف التشخيص في بعض الظروف المرضية التي هي أكثر شيوعاً بين النساء، بما في ذلك الاكتئاب، والصداع النصفي، والألم العضلي الليفي، وسرطان الثدي. ومع ذلك، يبدو أن هذا النوع من التحيز يصعب على النساء التغلب عليه. وبعد كل هذا، عندما يتعارض التشخيص مع ما هو متوقع إحصائياً، فإن الاستعداد للاستماع إلى أعراض المريضة الفردية- أو تصديق المريضة بأنها تنقل تفاصيل حالتها بشكل موثوق حتى عندما تبدو الأعراض التي تنقلها غير محتملة – يصبح أكثر أهمية لوضع التشخيص الصحيح. وقد أفاد العديد من النساء اللواتي يعانين من أمراض نمطية أخرى معروفة “كأمراض رجال”، مثل التوحد واضطراب نقص الانتباه، بأن الأطباء كانوا مقاومين تماماً لإمكانية ذلك- حتى عندما اقترحت النساء التشخيص الصحيح بأنفسهن.

تطلّب الأمر من ماي زيارة ستة أطباء وثمانية عشر شهراً لتصل إلى من يصغي إليها عندما كانت تصف الصداع العنقودي. ويطلق على الصداع العنقودي الذي يعد إحدى الحالات الطبية الأكثر إيلاماً اسم “الصداع الانتحاري”. عندما بدأت ماي تشعر بنوبات الصداع، اقترح زوجها، الذي كان طالباً في كلية الطب، وكان قد تعلم للتو عن اضطرابات الصداع، أن تحتفظ بجدول بيانات عن تاريخ النوبة وأعراضها. وكان مستوى الألم ونمطه يشيران إلى أن الحالة قد تكون صداعاً عنقودياً، والذي يميل – كما يوحي اسمه- إلى أن تأتي النوبة في نفس الوقت كل يوم في حلقات من بضعة أسابيع أو أشهر. كانت ماي تعاني أيضاً من السيلان الدمعي وتدلي الجفن على جانب واحد، وهي حالة نموذجية في هذا الاضطراب. ولم تكن ماي تعاني من الهالة البصرية الشائعة في حالات الصداع النصفي.

تقول ماي: “لكن الأطباء لم يكونوا ليصغوا إلي، لقد سمعوا كلمة (صداع) وحددوا على الفور أنني كنت أعاني من الصداع النصفي الهرموني ‘مثل جميع النساء’ “. وفي حين أن الصداع العنقودي هو بالتأكيد أكثر ندرة من الصداع النصفي، واحتمال إصابة النساء به أقل من الرجال، فإن نسبة الإصابة عند الذكور إلى الإناث ليست كما كان يعتقد سابقاً، ففي الستينيات، كانت تقدر النسبة بنحو 6: 1 ولكنها الآن تقترب من 2: 1. وحتى لو كانت النسبة 99: 1، سيكون هناك دائماً مريضة أملها الوحيد في الحصول على التشخيص الصحيح يقوم به أطباء يلاحظون أن أعراضها مطابقة لأعراض الصداع العنقودي. وأظهرت ماي لطبيب الرعاية الأولية الذي تتعامل معه منذ فترة طويلة جداول البيانات الخاصة بها، ولكن دون جدوى، فقد وُصفت لها علاجات للصداع النصفي. واضطرت للحصول على إحالة إلى طبيب أعصاب، ثم إلى طبيب آخر. وعند هذا الحد، كانت تعاني من الصداع المتعدد في اليوم. كان واضحاً أن أدوية الصداع النصفي لا تساعد على الإطلاق. تقول ماي: “عندما تحدثت عن الأعراض التي كنت أعاني منها، استخدم اثنان من أطباء الأعصاب البارزين، ينتمي كل منهما أحد المركزين الطبيين التعليميين الرئيسيين في مدينتنا، عبارة متطابقة تقريباً: ‘لا يمكن أن تكوني تواجهين هذه الحالة’ “.

بالنسبة لماي، بدا واضحاً أن حقيقة أنها قد اقترحت التشخيص بنفسها كان جزءاً من السبب في أن الأطباء لن يعيروا الأمر أي اهتمام. تقول: “كان الطبيب الأول من طبيبَي الأعصاب يعاملني على طريقة: ‘ليس هذا ما تشعرين به، عليك ألا تشخصي حالتك من المواقع الطبية على شبكة الإنترنت’، كانوا يبحثون عن سرطان الدماغ قبل أن يستمعوا إلي بأنني أصبت بهذه الصداع الذي أعقب هذا النمط. كان إحباطي الشديد لعدم سماعهم لي مؤلماً لي بقدر ألمي من الصداع. لقد أغاظني أن يقولوا لي إنني لست قادرة حتى على معرفة ما كنت أشعر به. كان ذلك يثير غيظي أكثر من الصداع نفسه”.

وأخيراً، ذهبت ماي إلى طبيب أعصاب آخر، وقدمت كل المعلومات ذاتها. تقول: “لقد جلس الطبيب ليصغي إليّ فقط، ثم قال: “أنت على حق – يبدو الأمر قريباً جداً من الصداع العنقودي”. وعرض حلاً فورياً من شأنه أن يحدد ما إذا كانت الحالة صداعاً عنقودياً بالفعل، وإذا كانت كذلك ، فإن هذا الحل من شأنه أيضاً أن يخفف ألمها الذي لا يحتمل، حيث كان عليها أن تتنفس من خزان من الأوكسجين عندما تبدأ النوبة. تقول ماي: “لقد كانت وصفة معجزة، فمن خلال وجود شخص آخر يستمع إلي – هو طبيب الأعصاب الثالث – حصلت على العلاج الفوري الناجع”.

كانت ماي قد أصيبت بـ 92 حالة صداع لم تُعالج أثناء محاولة تشخيصها. وهي تقول إنها لا تعرف ما كان يمكن أن يحدث لو لم يكن لديها شريك يعمل في مهنة الطب، أو لم تكن تعيش في مدينة فيها مركز طبي كبير، أو لم يكن لديها التأمين الممتاز الذي أعطاها القدرة المالية للانتقال من أخصائي إلى آخر. تقول ماي: “ربما ما كنت لأحصل على التشخيص المناسب. لا أدرى كيف كنت سأعيش خمس سنوات أخرى وأنا أعاني من هذه الحالة. لا أعتقد أنني كنت سأستطيع العيش”.

error: Content is protected !!