Reading Time: 4 minutes

شهدت صناعة استخراج الغاز ازدهاراً كبيراً في السنوات الأخيرة مع تطوّر تقنيات استخراج الغاز. على سبيل المثال، تضاعف إنتاج الغاز في كولومبيا البريطانية بين عامي 2006 و 2017 بعد استخدام تقنية «التكسير الهيدروليكي»، للوصول إلى حقول الغاز التي كان صعباً الوصول إليها في السابق.

وبالرغم من أن احتراق الميثان أكثر كفاءة ونظافة من احتراق الفحم، لا يمكن اعتبار الميثان منقذاً للمناخ. فقد أظهرت دراسةٌ جديدة  لموارد الغاز والنفط في الجزء الشمالي الشرقي من كولومبيا البريطانية؛ تسرّب غاز الميثان من العديد من الآبار هناك، حيث يُعتبر هذا الغاز أحد غازات الدفيئة القوية. تقول «إيمي تاونسيند سمول»، عالمة الكيمياء الحيوية في جامعة سينسيناتي وغير المشاركة في الدراسة: «البيانات مثيرةٌ للاهتمام حقاً من ناحية عدد العينات المأخوذة».

في مواقع التعدين، تستخرج شركات النفط والغاز هاتين المادتين من آبارٍ مبطّنة بالصلب في مواقع الغاز، وقد يصل عمق بعض هذه الآبار إلى أكثر من كيلو متر بهدف استخراج رواسب الغاز الصخري العميقة. ويمكن أن يتسرّب النفط والغاز أو حتّى السوائل المُستخدمة في عملية التكسير الهيدروليكي عبر هذه الآبار. سائل التكسير عبارةٌ عن مزيجٍ من الماء والرمل ومواد أخرى كيميائية. منذ عام 1995، طلب المسؤولون الكنديون من مشغلي هذه المواقع الإبلاغ عن التسريبات التي يكتشفونها، ومنذ عام 2010، أصبحت هذه القوانين أكثر صرامة، وتتطلب إجراء اختبار للكشف عن التسريب بعد حفر البئر، وأثناء الصيانة.

استخدم «رومان تشسنو»، عالم الهيدرولوجيا في جامعة كيبيك تشيكوتيمي، بيانات تقارير التسريب التي جمعها المسؤولون الحكوميون لدراسة مدى انتشار ظاهرة تسرّب الغاز من الآبار في المنطقة. وقد تبيّن له أن من أصل 212.525 بئراً، كان هناك تسرب في 2322 بئرٍ منها؛ أي أكثر من 10%. أغلب حوادث التسريبات تلك كانت عبارةً عن تسرّب الغاز في الهواء من أعلى فتحة البئر، بينما كانت نسبةٌ قليلة (3.42%) من التسريبات عبارة عن سوائل غالباً ما تتكون من مزيج من المياه المالحة الموجودة في الخزانات الجوفية العميقة مع سائل التكسير.

كانت معظم كميات تسرّب الغاز صغيرةً لا تتجاوز 1 متراً مكعباً يومياً، إلا أن معدّل التسريب في 15 بئراً كان عالياً جداً، ووصل إلى حدود 300 متر مكعب يومياً. تقول إيمي: «هذه النتائج تتطابق مع نتائج دراساتٍ أخرى، والتي أشارت إلى حجم مساهمة هذه المصادر الفائقة في الانبعاثات الكلّية المتسربة، والتي تنتهي عملياً في الغلاف الجوي».

تبين أن تأثير هذه الكمية من الغازات المتسربة كبير جداً على المناخ. فقد قدّر «تشسنو» وفريقه، وباستخدام معيار متوسط معدل الانبعاثات؛ أن الآبار يمكن أن تُصدر انبعاثاتٍ تُكافئ حتى 75.000 طن من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون كل عام، وتقريباً نفس معدل الانبعاثات الصادرة من بلدة كندية صغيرة يقطنها 5 آلاف شخص. وتُقدّر الدراسة أن معدّل الانبعاثات الصادرة من بئرٍ واحدة تعادل نفس الكمية من انبعاثات الميثان والتي تصدرها 24 بقرة. في الواقع، تبلغ قوة تأثير غاز الميثان في تسخين المناخ نحو 28 مرةً تأثير غاز ثاني أكسيد الكربون.

غاز طبيعي, بترول, غاز الميثان, الاحتباس الحراري, التغير المناخي

يمكن أن تشكّل التسريبات خطراً على الصحة العامة في المناطق القريبة من مناطق الإنتاج أيضاً. تقول إيمي: «تسرب كميةً قليلةً جداً من البنزين (مركّب كيميائي متطاير مرافق للغاز الطبيعي والنفط) إلى المياه الجوفية يمكن أن يؤثر على صحة من يشرب تلك المياه، وقد وجدنا بالفعل بعض التراكيز منه في المياه المُستعملة في الشرب في منطقتي أبالاشيا وتكساس، اللتان تنتشر فيهما صناعة استخراج النفط والغاز بشكلٍ كبير». وحسب تقييمات المخاطر الصحية الناجمة عن صناعة الغاز والنفط في كولورادو، تتسبب المركبّات العضوية الطيّارة والموجودة في الغاز الطبيعي في حدوث الغثيان والصداع، والمشاكل التنفسية للعديد من الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من منشآت استخراج النفط والغاز.

وحسب «تشسنو»، قد تكون تقديرات التسريبات في الدراسة أقلّ من الواقع. ويُرجع «تشسنو» السبب إلى أنه على الرغم من التشدد في القوانين التي ألزمت المشغلين بالتحقق من وجود تسريبات بشكلٍ متكرر في الآبار الحديثة؛ إلا أن التسريباتٌ ربما تأتي من الآبار القديمة التي لم يُبلغ عنها. يقول تشسنو: «نميل إلى الاعتقاد بأن عدداً كبيراً من الآبار التي حُفرت قبل عام 1995 و 2010 لم تختبر الانبعاثات منها، وطبعاً هناك العديد من الآبار حول العالم على نفس الشاكلة»، ويضيف قائلاً: «يوجد في ألبرتا وكولومبيا البريطانية لوحدهما 500 ألف بئر تقريباً، لذلك فإن مقدار التسريبات الاجمالية من جميع الآبار عبر العالم ستزيد أكثر بكثير عن التقديرات المحدودة وغير الدقيقة الحالية».

وتقول «ماري كانج» أيضاً، وهي عالمة هيدرولوجيا تدرس تطوير النفط والغاز في جامعة مكجيل: «إن الدراسات التي أُجريت بأسلوب الجَرد -استنادا إلى المعلومات التي جُمعت على أرض الواقع- تميل إلى التقليل من كمية الانبعاثات، بالتالي التقليل من أثرها». غالباً ما تكون التقديرات الدقيقة للانبعاثات، أي تلك المستندة على عينات مأخوذة من الغلاف الجوي، أعلى في الواقع، إذ تكشف العينات المأخوذة بواسطة الطائرات كمية الغازات الكلية المنبعثة من مواقع الاستخراج، وعادةً ما نجد زيادةً في نسب غاز الميثان في هذه العينات مقارنةً بالعينات المأخوذة على الأرض في مواقع الاستخراج. وهذا يعني أنّ هناك كميات غير محسوبةٍ في تسريبات الميثان. تقول كانج: «هناك فجوةٌ في التقديرات بين الغلاف الجوي والأرض، أو بين الأعلى والأسفل، والمشكلة الأكبر هي أن هناك متطلباتٌ للتمكن من إجراء قياساتٍ أكثر دقةً على الأرض».

وقد كشفت إحدى الدراسات التي أخذت مجموعة من القياسات الأرضية والجوية عن مقدار تسرب الميثان الفعلي. فقد وجدت دراسة الممولة من صندوق حماية البيئة أن 2.3% من الميثان المُنتج في الولايات المتحدة، كان يتسرّب في مرحلةٍ ما أثناء استخراجه وتخزينه ونقله. هذه النسبة أعلى بكثير من تقديرات وكالة حماية البيئة البالغة 1.4%. وقد وصل إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة الأميركية في الواقع إلى مستوى قياسي جديد، حيث بلغ 10 مليارات قدمٍ مكعبة في اليوم عام 2018. وتضيف إيمي التي شاركت أيضاً في إعداد التقرير الذي موّله صندوق حماية البيئة: «لا يوجد في الولايات المتحدة قانون يُلزم شركات النفط والغاز بالإبلاغ عن التسريبات. الشيء الوحيد والجيد حقاً هو أن البيانات (في الدراسة السابقة) كانت قد جُمعت استجابةً للقوانين المُلزمة».

وبالرغم من أنّ أثر التسرّب الكلّي للغازات على التغير المناخي غير معروفٍ حتّى الآن، إلا أن الدراسات الحديثة كهذه الدراسة تجعل الغاز الطبيعي يميل ليبدو كغازٍ غير نظيف يؤثر سلباً على البيئة. تقول إيمي: «إن استخدام الغاز الطبيعي كبديلٍ للوقود الأحفوري ينتج عنه انبعاثاتٌ أقل من غاز ثاني أكسيد الكربون مما ينتجه الفحم، على سبيل المثال، لكن غاز الميثان من غازات الدفيئة القوية، لذلك فإن تحديد الكميات المتسربة أمر مهمٌ جداً في تحديد أثره على المناخ، فكلّما زادت التسريبات، كان أثر صناعة الغاز الطبيعي على المناخ أسوأ».