Reading Time: 4 minutes

التبرّع بالدم أمر جدير بالاحترام، لكنّه أيضاً محدود بقواعد حيويّة بحتة. يمتلك كل إنسان واحدة من 4 فصائل دموية مختلفة؛ «إيه»، «بي»، «إيه بي»، و«أوه»؛ وهذا الأمر يقيّد قدرة الأطباء على نقل الدم للمرضى الذين يحتاجونه، وخصوصاً عندما نأخذ بعين الاعتبار مدى اختلاف أعداد الأشخاص الذين لديهم فصيلة دم معينة حول العالم. إذا تم نقل دم من فصيلة ما إلى مريض لا تتوافق فصيله دمه معها، فسينشَط جهازه المناعي بشكل مفرط بهدف تطهير الجسم من الأجسام الغريبة؛ مما قد يؤدي إلى مضاعفات شديدة وحتّى الموت.

لكن فصيلة «أوه» يمكن أن تُنقل بأمان إلى أي شخص؛ لذا فإيجاد طريقة لتحويل كل كميّات الدم المُتبرّع بها إلى دماء ذات فصيلة «أوه» من شأنه أن يحلّ كل المشاكل التي يتسبب بها اختلاف الفصائل عند إجراء عمليات نقل الدم؛ على الأقل نظرياً. يعتقد بعض العلماء من جامعة «بريتيش كولومبيا» أنّهم وجدوا حلاً لهذا بمساعدة «إنزيم معوي»، ووفقاً لمكتشفات قُدّمت في الاجتماع الوطني والمعرض الـ 256 للجمعية الكيميائية الأميركيّة، بيّنت الأبحاث أن بعض الإنزيمات التي تُركّبها البكتيريا المعوية يمكن أن تحوّل فصائل الدم الثلاث إلى فصيلة «أوه»؛ وهي فصيلة الأفراد الذين يُطلق عليهم اسم «المُعطين العامّين».

كيف نستخدم الإنزيمات لتحويل فصائل الدم؟

يقول «ستيفن ويذرز»؛ عالم كيمياء حيويّة في جامعة بريتيش كولومبيا والمؤلف الرئيسي للدراسة: «على الأرجح أن الطريقة الأكثر واقعيّةً للقيام بهذا التحويل هي استخدام الإنزيمات». على عكس التقنيات مثل «التخليق الاصطناعي» (يدعى أحياناً التوليف الاصطناعي) للدم ذو الفصيلة «أوه»، أو استخدام الخلايا الجذعية لتوالُد الدم ذو الفصيلة نفسها بمعدّلات هائلة؛ والتي تتّسم بتكلفتها العالية ومشاكل الأمان؛ والتي لا يمكن الوثوق بأنها تُنتج خلايا دم حمراء بديلة فعّالة وظيفياً، فإن طرق تحويل فصيلة الدم بالإنزيمات يسمح بإنتاج دمٍ يناسب أي شخص باستخدام نفس كميّة التبرّعات التي يتم الحصول عليها. خلال فترة قد لا تتجاوز 3 أسابيع، يبدأ الدم المُتبرّع به يبدأ بفقدان جودته؛ لذا فإيجاد طريقة لتحويل أي دم إلى دم ذو فصيلة «أوه» قد يخفف النقص في الدم المُتبرّع به خلال الأزمات.

في الواقع، بيّن العلماء القدرة على التحويل بين الفصيلتين «بي» و«أوه» لأول مرة في 1982؛ وذلك باستخدام إنزيمات مستخلصة من حبوب القهوة الخضراء، لكن هذه العملية تطلّبت كميّات هائلة من الإنزيمات، ومنذ ذلك الوقت، أحرز العلماء تقدّماً متواضعاً في تبيان أن هذه العملية يمكن أن تكون عملية على مقاييس كبيرة، وعلى الرغم من أن المكتشفات الجديدة ما تزال أوليّة، إلا أنها واعدة.

فصيلة الدم تُحدّدها سكّريات مميزة تقع على سطح خلايا الدم الحمراء؛ هذه السكريات -التي تدعى «المُستَضِدّات» (أو مولّدات الضدّ)- لها نوعان؛ النوع «إيه»، والنوع «بي». الأشخاص الذين يمتلكون فصيلة الدم «إيه» لديهم دم يحتوي على المستضدات «إيه»، أما أولئك الذين يمتلكون الفصيلة «بي» لديهم دم يحتوي على المستضدات «بي»، وذوو الفصيلة «إيه بي» لديهم دم يحتوي على المستضدات «إيه» و«بي» معاً، وأخيراً، الأشخاص أصحاب الفصيلة «أوه» لا يحتوي دمهم على أي نوع من هذه المستضدات. تُستَخدم المستضدات من قبل الجهاز المناعي كطريقة خلويّة للتعرّف. إذا تواجدت مادّة ما تحتوي على مستضدّ غريب في الجسم، فسيفترض الجهاز المناعي أنّها تُشكّل تهديداً وسيهاجمها.

لكن إذا وجدنا أنزيماً قادراً على انتزاع المستضدات من الخلايا، فسنصبح قادرين على تحويل الدم من الفصائل «إيه»، «بي» و«إيه بي» إلى دم فصيلته «أوه»، وأفضل مصدر للبحث عن هذه الإنزيمات ليس حبوب القهوة أو العلقات والبعوض؛ التي تبيَّن أنّها تخفض جودة الدم، بل وفقاً للخبراء؛ يجب علينا أن نلجأ إلى مصادر داخل أجسامنا.

يقول «ديفيد كوان»؛ عالم أحياء وأستاذ مساعد في جامعة كونكورديا في مدينة مونتريال، عمِل سابقاً مع ويذرز، وغير مشارك في الدّراسة السابقة: «أكثر الطرق الواعدة توفّرها الأحياء الدقيقة، وفي أغلب الأحيان تكون هي البكتيريا المُتعايشة معنا؛ التي تسكن أجسادنا»، ويضيف: «هذه البكتيريا هي الأكثر تفاعلاً مع خلايانا ومع السكريات المرتبطة بها». البُنى التي تتألف منها المستضدات تشبه السكريّات الموجودة في البروتينات التي تكسو جدران الأمعاء؛ لذا من المنطقي أن تُطوّر البكتيريا المعويّة إنزيمات قادرة على انتزاع السكّريات بتخصّصٍ وكفاءة لتُغذّي نفسها.

استخدم ويذرز وفريقه التحليل الجيني لعزل قطع منفردة من الحمض النووي لبكتيريا الأمعاء، وحقنوها في جراثيم «العصيّات القولونيّة» (إي كولاي)؛ مختبرين بذلك حوالي 20 ألف قطعة مختلفة لاكتشاف أي منها يمكن أن ينتج إنزيمات فعّالة ضد المستضدّات «إيه» و«بي». حدّد الفريق في النهاية إنزيماً واحداً تبيّن أنّه أكثر فعاليةً بـ 30 مرة في انتزاع مستضدات «إيه» من دم البشر؛ مقارنةً بأية طريقة جُرّبت سابقاً. لن يتم الإفصاح عن اسم الإنزيم أو آلية عمله حتّى يتم إصدار براءة الاختراع، لكن قال ويذرز أنه ينتمي إلى عائلة لم تُلحظ من قبل.

تَبيّن أيضاً أن الإنزيم فعّال للغاية في كميّات قليلة ضمن مجموعة متنوّعة من الظروف البيئية المختلفة؛ مما يعني أنه ليست هناك حاجة لمعالجة خلايا الدم التي يتم تحويلها بأية محاليل أخرى، وسيكون إنتاج وتعقيم كميّات الدم المُحوَّلة أمراً سهلاً؛ وحسب قول ويذرز: «حتّى يصبح من الممكن إنتاجها محلياً» في مناطق تعاني من محدودية الموارد. بعد مزج الإنزيم نفسه مع إنزيمات وُجد سابقاً أنها قادرة على انتزاع المستضدات «بي» بفعاليّة، وصل الفريق أخيراً إلى المُنتج الجديد الذي يحتاجونه لتحويل أية فصيلة دم إلى فصيلة «أوه» المُعطية العامّة.

لا شك بأننا لا نزال بعيدين للغاية عن أن نشهد تطبيق هذه العملية على كميّات كبيرة من الدم المُتبرّع به. يقول ويذرز: «علينا أن نتأكّد من ألّا تتسبب هذه العمليّة بأية تغيّرات ضارّة لخلايا الدم الحمراء». يجري ويذرز وفريقه اختبارات للتحقق من ذلك. إحدى العوائق الأخرى التي يجب تجاوزها هي إثبات أن الفريق قادر على إزالة أي أثر للإنزيم من الدم قبل نقله إلى المرضى، لحماية دَمِهم والخلايا الأخرى التي تحتوي على مستضدّات مشابهة للمستضدات السكريّة، فلا يمكن حتى التفكير بالتجارب السريرية قبل إنجاز هاتين الخطوتين.

يجدر أيضاً ذِكر أن فصيلة الدم تتأثر بعوامل مختلفة عن المستضدّات نفسها، هناك أيضاً ما يدعى بـ «عامل الريزوس» (آر إتش اختصاراً؛ وهو بروتين يحدد إيجابية أو سلبية فصيلة الدم)، إضافةً إلى 33 نوعاً من أنظمة تصنيف الدم الأخرى الأقل شيوعاً. مكتشفات ويذرز وفريقه تحل مشكلة فصيلة «أوه» الكبيرة، لكن هناك حاجة لتطوير تقنيات أخرى بهدف انتزاع بروتين «آر أتش» من الدم لإنتاج دم ذي فصيلة «أوه سلبي»، والتحكّم بمتغيّرات أخرى متعلقة بفصيلة الدم.

إن إنتاج دمٍ معطٍ عام مثالي هو أمر مستحيل على الأرجح، لكن المكتشفات الجديدة تشير إلى أن الأبحاث تسير في الاتجاه الصحيح، كما أنّها تبين أهمية الميكروبيوم المعوي كمصدر ثمين غريب ومدهش للمكتشفات العلمية المتعلّقة بالصحة. إذا وُجدت أنواع من البكتيريا في أمعائنا قادرة على تغيير فصيلة دمنا، فلك أن تتخيّل ما الفوائد الأخرى التي قد تخفيها هذه البكتيريا.

يقول كوان: أعتقد أن هذا الأمر مثير للغاية»، ويضيف: «قد أكون منحازاً، لكني انخرطت بهذا النوع من الأبحاث لسنوات، وأعتقد أن المقاربة التي اتّبعها الباحثون في العمل على الإنزيمات تتحسّن أكثر فأكثر، وهي واعدة للغاية».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.