Reading Time: 6 minutes

في القرن الحادي عشر، كتبت امرأة يابانية تُعرف باسم موراساكي شيكيبو «حكاية جينجي»، وهي قصة مكوّنة من 54 فصلاً تدور حول قصص الإغواء في البلاط الملكي، ويُعتقد أنها أول رواية في العالم. بعد ما يزيد عن 1000 عام، لا يزال الناس في جميع أنحاء العالم منشغلين بالروايات المكتوبة، تأليفاً وقراءة، حتى في عصر تظهر فيه القصص على الشاشات المحمولة وتختفي بعد 24 ساعة. إذاً، ما الذي يحصل عليه البشر بالضبط من قراءة الكتب؟ هل هي مجرد مسألة متعة وإغناء للمعرفة؟ أم أن هناك فوائد تتجاوز ذلك؟ الجواب العلمي هو نعم، يوجد. إذ تفيد قراءة الكتب كلاً من الصحة الجسدية والعقلية، ويمكن أن تستمر فوائد القراءة هذه مدى الحياة. تبدأ في الطفولة المبكرة وتستمر خلال سنوات العمر المتقدمة. إليك شرحاً موجزاً لكيفية تأثير قراءة الكتب في تغيير عقلك وجسمك للأفضل.

زيادةٌ في قدرات العقل

تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن القراءة تغير عقلك، حرفياً. فباستخدام فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي «fMRI»، أكّد الباحثون أن عملية القراءة تتضمن شبكة معقدة من الدوائر والإشارات في الدماغ. ومع نضوج قدرتك على القراءة عبر تكرارها باستمرار، تصبح هذه الشبكات أقوى وأكثر تعقيداً.

في إحدى الدراسات التي أُجريت في عام 2013، استخدم الباحثون فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لقياس تأثير قراءة رواية على الدماغ. إذ قرأ المشاركون في الدراسة رواية «بومبي» للكاتب روبرت هاريس على مدى 9 أيام. ومع ارتفاع وتيرة التوتّر في القصة، أصبحت تُضاء المزيد والمزيد من مناطق الدماغ، مما يعني زيادةً في النشاط الوظيفي.

ومن فوائد القراءة الأخرى هي أنها يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بالأمراض التنكّسية؛ مثل مرض ألزهايمر. إذ وجدت دراسة أن الأشخاص الذين يُعملون عقولهم في نشاطاتٍ مثل القراءة وحل الألغاز أو لعب الشطرنج هم أقل عرضة 2.5 مرة للإصابة بالمرض. ومن المحتمل أن يكون هذا بسبب حقيقة أن مرض ألزهايمر غالباً ما يرتبط بالمرضى الذين لديهم نشاط دماغي محدود.

وأظهر مسح الدماغ كذلك أنه طوال فترة القراءة، ولأيامٍ بعد ذلك، زاد اتصال أجزاء الدماغ ببعضها البعض، خاصةً في القشرة الحسية الجسدية، وهي الجزء المسؤول عن الاستجابة للأحاسيس الجسدية مثل الحركة والألم.

اقرأ أيضاً: القراءة ضرورية للدماغ: تقنيات بسيطة تساعدك على القراءة

قدرة أكبر على التعاطف

فوائد القراءة

Shutterstock.com/Syda Productions

بالحديث عن الإحساس بالألم، أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يقرؤون القصص الأدبية؛ أي القصص التي تستكشف الحياة الداخلية للشخصيات، وليس فقط ما يحصل معها من أحداث، يُظهرون قدرةً عالية على فهم مشاعر الآخرين ومعتقداتهم مقارنةً بأولئك الذين لا يقرأون.

يطلق الباحثون على هذه القدرة اسم «نظرية العقل»؛ وهي أحد فروع العلوم الإدراكية، وتتمثل بالقدرة على تمييز أو توقع ما سيفعله الشخص نفسه أو أشخاص آخرون وفهم أن للناس الآخرين معتقدات، ونوايا، ورغبات، وآراء مختلفة. أي مجموعةً من المهارات الأساسية لبناء العلاقات الاجتماعية والتنقل فيها والحفاظ عليها.

وعلى الرغم من أنه من غير المحتمل أن تثير جلسةً واحدة من قراءة الأدب الخيالي هذا الشعور، فإن الأبحاث تُظهر أن قراء الخيال القصصي على المدى الطويل يميلون إلى امتلاك نظرية عقليةً أفضل تطوراً، ذلك لأنهم يتعرّضون لدواخل شخصياتٍ أخرى متنوعة أكثر من غيرهم، ويقرأون خواطر تلك الشخصيات وخباياها.

موسوعة مفردات غنية وشاملة

Shutterstock.com/Castleski

ناقش الباحثون في فوائد القراءة منذ ستينيات القرن الماضي ما يُعرف باسم «تأثير متى»؛ وهو مفهوم طرحه الباحث «كيث ستانوفيتش» عن تأثير متى في التعليم بناءً على تأثير متى في علم الاجتماع. وترجع تسمية تأثير متى بهذا الاسم إلى إحدى آيات في العهد الجديد؛ والتي تقول «لأنّ كُلّ من لهُ يُعطى فيزداد، ومن ليسَ لهُ فالذي عنده يُؤخذ منه».

يلخص تأثير متى فكرة أن الأغنياء يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقراً، وهو مفهوم ينطبق على المفردات بقدر ما ينطبق على المال. إذ وجد الباحثون أن الطلاب الذين يقرؤون الكتب بانتظام، بدءاً من سن مبكرة، يطورون تدريجياً موسوعةً كبيرةً من المفردات. ولا تقتصر فائدة المفردات المخزّنة على مهارات التحدّث، بل يمكن أن تطال العديد من مجالات الحياة، من درجات الاختبارات المعيارية إلى القبول بالجامعات وفرص العمل.

فقد أظهر استطلاع أجرته شركة «Cengage» في عام 2019 أن 69% من أصحاب العمل يتطلعون إلى توظيف أشخاص يتمتعون بقدرٍ أعلى من «المهارات ناعمة»؛ مثل القدرة على التواصل بفعالية. وقراءة الكتب هي أفضل طريقة لزيادة تعرّضك للكلمات الجديدة التي يتم تعلّمها في سياقها الصحيح.

اقرأ أيضاً: قراءة القصص والكتب للأطفال الصغار تُعزز مهاراتهم اللغوية والتعليمية طيلة سنوات حياتهم

منع التدهور المعرفي المرتبط بالعمر

فوائد القراءة

Shutterstock.com/Roman Samborskyi

يوصي المعهد الوطني للشيخوخة بقراءة الكتب والمجلات كطريقة لإبقاء عقلك منشغلاً مع تقدمك في السن. وعلى الرغم من أن الأبحاث لم تثبت بشكل قاطع أن قراءة الكتب تقي من أمراض مثل مرض الزهايمر، إلا أن الدراسات تشير إلى أن كبار السن الذين يقرؤون الكتب ويحلون مشكلات الرياضيات يومياً يحافظون على وظائفهم المعرفية لفترةٍ أطول، بل ويحسّنونها.

وكلما بدأت قراءةً في وقتٍ أبكر، كان ذلك أفضل. إذ وجدت دراسة أُجريت عام 2013 من قبل المركز الطبي بجامعة راش أن الأشخاص الذين شاركوا في أنشطة تحفيزٍ عقليّ؛ كالقراءة، طوال حياتهم، كانوا أقل عرضةً لتطوير اللويحات والآفات وتشابكات بروتين «تاو»؛ أي العوامل الموجودة في أدمغة الأشخاص المصابين بالخرف.

الحد من أعراض التوتر

فوائد القراءة

Shutterstock.com/ESB Professional

قامت مجموعة من الباحثين بقياس تأثيرات اليوجا والفكاهة والقراءة على مستويات التوتر لدى الطلاب المسجلين في برامج العلوم الصحية في الولايات المتحدة في عام 2009. ووجدت الدراسة أن 30 دقيقة فقط من القراءة تخفض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب ومشاعر الضيق النفسي بنفس فعالية اليوجا والفكاهة.

خلصت النتائج إلى أنه نظراً لأن قيود الوقت هي أحد الأسباب الأكثر تكراراً لمستويات التوتر المرتفعة التي أبلغ عنها طلاب العلوم الصحية، فإن تضمين جلسةً واحدة لمدة 30 دقيقة من القراءة كان لها آثاراً واضحة في تقليل الإجهاد الحاد لدى طلاب العلوم الصحية. وهذه النتيجة مهمة لأن هذه التدخلات أدت إلى انخفاض كبير في التوتر في فترة زمنية قصيرة نسبياً، مما سمح للمعلمين بالبدء في التفكير في استراتيجيات إدارة الإجهاد المختلفة لتقديمها للطلاب دون هدر قدرٍ كبير من الوقت المخصص لدراستهم، ومستغلين فوائد القراءة المُثبتة بالدراسة.

التخفيف من أعراض الاكتئاب

فوائد القراءة

Shutterstock.com/WeStudio

كتب الفيلسوف البريطاني السير «روجر سكروتون» ذات مرة: «المواساة من الأشياء الخيالية ليس مواساةً وهمية». غالباً ما يشعر الأشخاص المصابون بالاكتئاب بالعزلة والغربة عن أي شخص آخر. وهذا شعور يمكن للكتب أن تقلله في بعض الأحيان.

إذ يمكن لقراءة القصص الخيالية أن تسمح لك بالهروب مؤقتاً من عالمك والانجراف في التجارب المتخيلة للشخصيات. ويمكن أن تعلّمك كتب المساعدة الذاتية غير الخيالية استراتيجيات قد تساعدك في إدارة أعراض الاكتئاب والسيطرة عليها.

هذا هو السبب في أن العديد من الدول والمنظمات تستمر بإطلاق مبادرات القراءة. منها مبادرة «القراءة بصحّة» التي أطلقتها دائرة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة؛ وهي برنامج كتب عن الوصفات الطبية، حيث يصف الخبراء الطبيون كتب المساعدة الذاتية التي كتبها خبراء طبيون خصيصاً لحالات معينة.

اقرأ أيضاً: 5 تطبيقات لقراءة الكتب الإلكترونية عبر الهواتف الذكية

القراءة تطيل العمر

مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

أخبار سارة بالتأكيد لقراء الكتب؛ سيتمكّنون من الاستمتاع بحياتهم لمدةٍ أطول من أولئك الذين لا يقرؤون. إذ كشفت دراسة أن أولئك الذين يقرؤون لمدة 30 دقيقة على الأقل يومياً هم أكثر عرضة للاستمتاع بحياة أطول.

استناداً إلى دراسة امتدّت إلى 12 سنة، وأجريت على 3635 شخصاً تبلغ أعمارهم 50 عاماً أو أكثر، فإن أولئك الذين قضوا وقتاً مع الكتب عاشوا ما يقرب من عامين في المتوسط أكثر من أولئك الذين لم يفعلوا ذلك. بعبارةٍ أخرى، كتب الباحثون أن القراء يتمتعون بـ «ميزة البقاء على قيد الحياة لمدة 23 شهراً».

أظهرت النتائج، التي نشرها فريق من كلية الصحة العامة بجامعة ييل البريطانية، أنه كلما زاد معدّل قراءة الأشخاص، زادت احتمالية عيشهم لفترة أطول، وكانت 3.5 ساعة فقط في الأسبوع كافية لإحداث فرق.

تظهر الدراسة فقط ارتباطاً بين القراءة والعمر الطويل، بدلاً من السبب والنتيجة، لذلك لا يمكننا قراءة الكثير في هذه النتيجة بالذات. لكنها ترتبط بشكل وثيق بالأبحاث التي تدعم فكرة أن القراءة يمكن أن تساعد حقاً في إبقاء العقل نشطاً وصحياً.

شيء واحد آخر يجب ملاحظته؛ لا تقرأ فقط على الشاشة. اقرأ الكتب المطبوعة أيضاً. إذ أظهرت الدراسات مراراً وتكراراً أن الأشخاص الذين يقرؤون الكتب المطبوعة يحصلون على درجات أعلى في اختبارات الفهم، ويتذكرون ما قرأوه أكثر من الأشخاص الذين قرأوا نفس المادة في شكل رقمي. وقد يرجع ذلك جزئياً إلى أن الناس يميلون إلى قراءة المطبوعات بشكل أبطأ من قراءة المحتوى الرقمي. لكن لا ضير من ملمس الكتاب بين يديك.

من المهم بشكل خاص أن يبدأ سلوك القراءة أبكر من يمكن منذ الطفولة، لأن تأثيرات القراءة تراكمية. ومع ذلك، لم يفت الأوان أبداً للبدء في الاستفادة من العديد من فوائد القراءة الجسدية والنفسية التي تنتظرك في صفحات كتاب جيد.