Reading Time: 4 minutes

تُستخلص أوراق «القرطوم» الطبية التقليدية من أوراق شجرة استوائية دائمة الخضرة تُدعى «ميتراجينا سبيسيوسا»؛ حيث تنتشر زراعتها في دول جنوب شرق آسيا. شاع استخدام هذه الأوراق في الولايات المتحدة خلال العقد الماضي كعقارٍ للنشوة وتسكين الآلام، وعلاج إدمان الأفيون، ويتم استيراد ما يقدّر بنحو طنين متريين منها شهرياً. تتكون الجرعة النموذجية من 3 إلى 5 جرامات؛ أي يوجد أكثر من 15 مليون أميركي يستهلك هذا العقار.

يستهلك الناس في جنوب شرق آسيا «القرطوم» منذ عدة قرون بأمان عن طريق مضغ الأوراق أو شربها مع الشاي. بينما يتسبب القرطوم في الولايات المتحدة -حيث يتوفر على نطاقٍ واسع- بالعديد من حالات التسمم والوفاة، وبصفتي صيدلياً وأستاذاً في الكيمياء الطبية، أردت دراسة السبب وراء ذلك.

بقي فريقنا يجري أبحاثاً على مدى أكثر من عقدٍ من الزمن حول القرطوم لتحديد الرأي العلمي حول فوائده ومضاره المزعومة، ومعرفة السبب في أن استخدامه في جنوب شرق آسيا آمن، بينما تفيد تقارير موثقة عن أضراره في الولايات المتحدة.

تقترح دراستنا الحديثة أن المخاطر الناجمة عن استخدام القرطوم في الولايات المتحدة يعود إلى اختلاف طريقة تحضير منتجاته عن طريقة المستحضرات التقليدية في جنوب شرق آسيا. تُحضّر منتجات القرطوم التقليدية من الأوراق المحصودة حديثاً، في حين يعتمد إنتاجه في الولايات المتحدة على الأوراق المجففة التي يمكن أن يكون تركيبها الكيميائي قد تغير خلال عملية التجفيف وبمرور الوقت.

وجهان للقرطوم

في ماليزيا وتايلاند، يستخدم الناس القرطوم منذ عدة قرون كشراب «شاي» لعلاج مجموعةٍ متنوعة من الأمراض، أو زيادة قدرة العمال على التحمّل؛ نظراً لتأثيره المنشط. من الصعب تحديد متى دخل القرطوم أول مرة إلى الولايات المتحدة، لكن سبب الاهتمام به هو فوائد اسخدامه المزعومة كبديلٍ عن الأفيون. لم يعتقد أحد مطلقاً أنه قد يكون هناك فرق بين القرطوم المستخدم في الولايات المتحدة عن ذلك المستخدم في جنوب شرق آسيا، ومع ذلك، لفت النبات اهتمام إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، وصنّفته كمخدرٍ ينطوي على المخاطر.

وبعد ازدياد المخاوف المتعلقة بالصحة العامة والسلامة عام 2016، كانت إدارة مكافحة المخدرات تنوي إدراج النبات؛ وخصوصاً مكوّنيه الكيميائيين «الميتراجينين» و «7-هيدروكسي ميتراجين»، في قائمة المواد الخاضعة للرقابة. هذا الإجراء لو أُقرّ كان سيؤدي إلى جعل استخدام القرطوم وهذين المركبين القلويديين (إذا استُخلصا من النبات) غير قانوني دون إذنٍ طبي.

بعد 6 أسابيع فقط، أعلنت إدارة مكافحة المخدرات أنها تراجعت عن نيتها تلك؛ حيث أثّرت آلاف التعليقات العامة التي أتى معظمها من الأفراد على الإدارة التي دفعتها للتراجع عن مخططها، وقالت أنها ستنظر أيضاً في إجراء تقييم علمي وطبي للقرطوم.

ماذا يقول العلم عن هذا التراجع؟

ما هو واضح حتى الآن أن هناك اختلاف بين التركيب الكيميائي للقرطوم المحضّر تقليدياً، وبين الأوراق المجففة أو المستخلصات التجارية. وفقاً لتحليلاتنا الأخيرة، لا يحتوي الشاي المحضر تقليدياً على تراكيز قابلة للاكتشاف من مركّب 7- هيدروكسي ميتراجين القلويدي؛ المركب الذي صنّفت إدراة مكافحة المخدرات على أساسه القرطوم في قائمة المخدرات الخطرة، جانب المركّب الرئيسي؛ الميتراجينين.

فوائد القرطوم, نباتات علاجية

تُجفف أوراق شجرة القرطوم ثم تُطحن؛ حيث يقوم الكثير من الناس بغليها لصنع شاي القرطوم

مستحضرات القرطوم التقليدية في ماليزيا

قمت بزيارة مزرعةٍ للقرطوم في يوليو/ تموز في ماليزيا، واطلعت مباشرةً على طريقة تحضيرها التقليدية. تُقطف الأوراق الطازجة يومياً، وفي غضون دقائق، تُنقل لتُغلى في الماء لبضع ساعات لصنع شاي القرطوم، ثم يُعبأ في زجاجاتٍ أو عبواتٍ بلاستيكية للاستهلاك. يشرب معظم مستهلكي الشاي التقليديين 3 أكوابٍ على فترات متباعدة خلال النهار؛ وذلك عن طريق تمديد الشاي بنفس الكمية من الماء.

يُعد القرطوم مشروباً منعشاً أيضاً؛ مثل القهوة أو الشاي، كما يستخدمه المدمنون هناك لتجنّب أعراض الانسحاب عندما يستنفذون مخزونهم من الأفيون، لذلك ازداد استخدامه في الولايات المتحدة كبديلٍ لتخفيف الألم عند محاولة الإقلاع عن المواد الأفيونية، ومن هنا برز السؤال الحقيقي الذي كان علينا طرحه كباحثين: هل يمكن استخدام القرطوم في تدبير إدمان الأفيون؟ وهل هو علاج شرعي؟

سمّية نبات القرطوم في الولايات المتحدة

وفقاً للتقارير العلمية حول تحاليل منتجات القرطوم التجارية المتاحة في الولايات المتحدة؛ يمكن أن تختلف نسبة 7– هيدروكسي ميتراجين من منتجٍ لآخر، ونظراً لأن أوراق القرطوم الطازجة لا تحتوي على تراكيز قابلةٍ للاكتشاف مخبرياً من تلك المادة؛ أردنا البحث عن السبب.

هناك دليل على أن النبات لا ينتج ذلك القلويد، ولكنه يظهر بعد حصاد الأوراق وتجفيفها. فقد أبلغت الأبحاث السابقة إلى أن نسبة 7- هيدروكسي ميتراجين تصل إلى 2% من إجمالي محتوى القلويدات الكلّي في أوراق النبات المجففة.

تُصنع جميع منتجات القرطوم التجارية في الولايات المتحدة من أوراق القرطوم المجففة أو من مستخلصاتها المركزة، ويُعتبر 7-هيدروكسي ميتراجين النقي -من الناحية العلمية- مادة أفيونية ثبت أنها يمكن أن تسبب مخاطر تتعلق بالسلامة إذا ما أُسيء استخدامها، ومن المعروف أيضاً أن الميتراجين (القلويد الرئيسي) يتحول إلى 7-هيدروكسي ميتراجيين في الأمعاء والكبد.

من ناحيةٍ أخرى؛ كانت مخاطر الإدمان على الميتراجين النقي ضئيلة أو معدومة، وأظهر قدرةً على تقليل الرغبة في تناول المواد الأفيونية؛ التي تسبب الإدمان في التجارب على الفئران.

لذا فإن السؤال الرئيسي هو: ما مقدار الجرعة المسموح بها من «7-هيدروكسي ميتراجيين» في منتجات القرطوم؟ لا يزال هذا السؤال بلا إجابة، لكن التباين الواسع في نسبة هذا القلويد بين منتجات القرطوم في الولايات المتحدة قد يفسر سبب التقارير المتزايدة عن سميتها. في الواقع، ما تزال الفوضى وعدم التنظيم تعم سوق المكملات الغذائية في الولايات المتحدة، لذلك ينبغي الحذر عند شراء منتجات القرطوم بالفعل.

أحدث النتائج

وجد فريقي البحثي في الدراسة الأخيرة أنه يمكن استخدام شاي القرطوم كعلاجٍ للانسحاب من إدمان المواد الأفيونية، والمساعدة في الإقلاع عنها. مع ذلك، لا تزال الدراسات السريرية المضبوطة على البشر غائبة، وهي ضرورية لتقييم سلامة وفعالية هذا العلاج.

في الواقع، القياسات غير الموثوقة لنسب المواد القلويدية في منتجات القرطوم تخلق حالة من عدم اليقين بشأنها، لذلك يفضّل استهلاك منتجاته المحضّرة بالطريقة التقليدية إلى أن يُصار إلى وضع مواصفات معيارية لمنتجاته. يجب على مجتمعنا أن يوازن بين المخاطر والفوائد المفترضة، صحيح أن مخاطر الإدمان على القرطوم منخفضة، ولكن هناك أشخاصاً يُعالجون من إدمان القرطوم بالفعل؛ حيث يفترض فريقنا أن ذلك يعود إلى جودة منتجاته الرديئة، وزيادة الجرعة المُستهلكة. هذا ما يقوله العلم عن القرطوم، ولا يزال القرار بشأنه معلقّاً حتى الآن.