Reading Time: 3 minutes

مقال من «سايكولوجي توداي»


هل يتملكك الخوف من الأماكن المرتفعة؟ هل تحاول التمسك بأي شيء إذا اضطريت للصعود إلى جبل أو أي مكان عالٍ؟ في الواقع، هناك الآلاف ممن يعانون ما يُسمى بـ «رهاب المرتفعات» أو رهاب الأماكن المرتفعة، وأنا منهم أيضاً. سيخبرك أي شخصٍ يعاني من رهاب المرتفعات بأنها تجربة مخيفة للغاية. على سبيل المثال، يقول مدون المغامرات «زابديل سكون»: «بفطرتنا، نحاول جاهدين تجنب مخاوفنا اليومية إلى درجةٍ تصبح فيها فعلاً لا واعياً. وعندما نواجه مخاوفنا هذه، ندرك كم هي محبطة وتؤثر على حياتنا، وتعيقنا عن القيام بما نريده حقاً».

بالنسبة لتجربتي الشخصية، لم أدرك إلى أي مدى يمكن أن يكون رهاب المرتفعات محبطاً خصوصاً عندما يقترن مع السفر الطويل. كنت في زيارةٍ إلى مدينة لوبوكا في بيونس آيرس مؤخراً، وبينما كنت أتجول في أحد متاحفها المُذهلة، سُئلنا عما إذا كنا نرغب في مشاهدة المنحوتات من على شرفات المبنى، والاستمتاع بالإطلالة الساحرة على المرفأ من الشرفة الموجودة على السطح العلوي. في البداية، بدا الأمر رائعاً ومثيراً للحماسة حقاً إلى أن اضطررت إلى صعود درجٍ حلزوني طويل جداً نحو الشرفة العلوية. ظننت أنه سيقع بنا عندما بدأت الصعود عليه، وأحسست بخدرٍ شديد في يدي، وخفق قلبي بشدة.

هناك العديد من خصائص اضطراب القلق المتمثلة بالأفكار السوداوية والمظاهر الفيزيولوجية في وصفي السابق لما مررت به، لكن من يعانون من رهاب المرتفعات ليسوا بالضرورة قد عانوا من الصدمة بسبب حادث سقوط من الأدراج، أو من مكان عالٍ تعرّضوا له، ولكنهم يخشون المرتفعات خوفاً من السقوط والتعرض للإصابة فعلاً. الصدمة الوحيدة التي يعانيها هؤلاء هي تواجدهم في أماكن مرتفعة، لذلك نحن بحاجة إلى نظريةٍ مختلفةٍ جذرياً لشرح كيفية إصابة البعض برهاب المرتفعات، وسبب عدم معاناة الآخرين.

أحد المفاتيح الأساسية لفهم رهاب المرتفعات هو ارتباطه بالذعر ونوبات الهلع، حيث أن العديد من أعراض رهاب المرتفعات الجسدية تشبه إلى حدٍ كبير أعراض الذعر؛ مثل الرعشة وتعرق راحة اليد والغثيان والدوار. ومن الحقائق المهمة أيضاً في هذا الصدد، تشابه العديد من أعراض من رهاب الأماكن المختلفة (مثل رهاب المرتفعات، ورهاب الأماكن المغلقة) مع أعراض الذعر.

على سبيل المثال، غالباً ما تبدو أعراض رهاب المرتفعات مشابهة لأعراض اضطراب الهلع الأولية النموذجية، لذلك إذا كان المرء يعاني من رهاب المرتفعات، من المحتمل أن يُشخص لديه اضطراب الهلع أيضاً بنسبةٍ أكبر مقارنة بمن لا يعاني من رهاب المرتفعات. ويمتد الارتباط بين أعراض الهلع وأعراض الرهاب المكانية، مثل رهاب الارتفاع ورهاب الأماكن المغلقة، إلى العوامل المعرفية أيضاً؛ حيث تشبه طريقة تفكير وإدراك المصاب برهاب المرتفعات طريقة تفكير من يعاني من اضطراب الهلع. ويمكن أن تؤدي أنواع معينة من الميول المعرفية في كثير من الأحيان إلى نوبات الهلع، من أهمها الميل إلى أن يكون المرء مدركاً تماماً للأحاسيس الجسدية، والتحيز تجاه تفسير الأحاسيس الجسدية الغامضة على أنها تهديد.

ان امتلاك هذين النوعين من التحيزات المعرفية (أي إدراك الأحاسيس الجسدية الشديد والتحيّز في تفسيرها)، يدفع من يمتلكها غالباً إلى الاعتقاد بأن هناك كارثة ما بانتظاره، والتحضر لذلك ذهنياً. من المحتمل جداً أن يؤدي هذا النمط من التفكير إلى إثارة حلقة مفرغة من التفكير تثير المزيد من القلق، والتي بدورها تزيد من الأحاسيس الجسدية التي تُفسر على أنها تهديد. والنتيجة النهائية، الإصابة بالهلع.

تصبح هذه العملية مرتبطة بالتواجد في مكانٍ مرتفع في حالة رهاب المرتفعات، فالحساسية الشديدة للتغيرات الجسدية والتفكير بها على أنها تهديد تُحفّز الأفكار السلبية المتعلّقة بالمرتفعات، كأن تقول لنفسك: «سأفقد توازني بالتأكيد؛ إذا اقتربت من هذه الحافة سأسقط غالباً؛ لا بد أن أصاب بدوارٍ واسقط للأسفل».. وغير ذلك من الأفكار السلبية.

بصفتي مصابًا برهاب المرتفعات، فإن كل من هذه الأفكار مألوفة بالنسبة لي، ولكن كم هو غريب أن تفكر بهذه الطريقة، مثل أن تقول لنفسك: «سأسقط حتماً» عندما تكون في مكانٍ عال، ولكنك في نفس الوقت لا تفكر بهذه الأفكار السوداوية مطلقاً في أماكن أخرى. ومع ذلك، تنجم هذه الأفكار عن تحيزين معرفيين بسيطين للغاية، ويشترك بها الملايين من المصابين رهاب المرتفعات حول العالم. وبهذه الطريقة، يمكن لعقلك أن يخدعك عندما يتعلّق الأمر بالقلق.

تُعتبر العلاقة بين الرهاب المرتبط بالأماكن، مثل رهاب المرتفعات، واضطراب الهلع مهمة جداً. لقد بتنا نعلم الآن أن رهاب المرتفعات نفسه مرتبطٌ بالتحيز تجاه تفسير الأحاسيس الجسدية الغامضة على أنها تهديد، وأن رهاب المرتفعات في مرحلة المراهقة المبكرة يُعتبر عاملاً مؤهباً للإصابة باضطراب الهلع لاحقاً في المراحل العمرية المتقدمة. وأجادل بأن رهاب المرتفعات ورهاب الأماكن المغلقة ربما قد يكونان متأصلان في هذا الرابط بين الهلع والإدراك المعرفي المرتبط به، ولن أكون متفاجئاً في الواقع إذا ما تم اكتشاف أن رهاب الماء يتطوّر بطريقة مماثلة.

العملية التي تصيب الأشخاص برهاب المرتفعات هي عملية معرفية في المقام الأول، وتتشكل من خلال طرق التفكير التي نادراً ما ترتبط بعملية الإدراك الواعي، لذلك ليس من المستغرب أن معظم المصابين به لا يستطيعون شرح كيفية بدء إصابتهم به. لكن رهاب المرتفعات هو نوع من اضطرابات القلق ولكن يظهر بشكلٍ مخادع، مما يؤدي بالمصاب لتوهم المخاوف مع أبسط التغيرات في تفكيرنا. إنها عملية خداعٍ أشبه بآلية غسيل الدماغ الحقيقية.