Image

تسير المركبة على خُطى سابقتها، إلى حيث لم تذهب أية مركبة فضائية نشطة من قبل.

Bread assortment بعد أربعين عاماً، ما زالت فوياجر تتابع طريقها، مقتربة من حافة النظام الشمسي.
مصدر الصورة: ناسا

صحيح أن الفضاء هائل الاتساع، ولكنه ليس فارغاً تماماً. فإذا أمعنت النظر يمكنك أن تجد أن المناطق ما بين النجوم غنية بالجسيمات السريعة، وهي كل ما بقي بعد مجموعة من الأحداث القديمة الكارثية، التي أطلقت هذه الجسيمات عبر الكون بسرعة تقارب سرعة الضوء.

وقد تجسد هذا في إعلان ناسا مؤخراً عن أن مركبة فوياجر 2 -التي غادرت الأرض منذ أكثر من 40 سنة لمسح الكواكب الخارجية- قد اكتشفت ارتفاعاً بنسبة 5% في تركيز هذه الجسيمات المتشردة الكونية. ويعتبر هذا القياس الجديد إشارة طال انتظارها على أن المسبار بدأ يقترب من حافة المنطقة التي تحميها الشمس، التي يعتبرها الكثير من الباحثين الحدَّ الفاصل ما بين الفضاء الكوكبي والفضاء النجمي. وسيؤدي عبور هذا الحد إلى تقديم نقطة بيانات ثانية هامة لتحديد شكله، غير أن لحظة مغادرة المسبار للنظام الشمسي ما تزال غير محدَّدة بالضبط.

يقول إد ستون (وهو أحد علماء مشروع فوياجر من كالتيك) في بيان صحفي: “بدأنا نشهد تغيراً في البيئة المحيطة بفوياجر 2، وهو أمر لا شك فيه. وسنحصل على الكثير من المعلومات الجديدة في الأشهر المقبلة، ولكننا ما زلنا لا ندري متى سنصل إلى حد الغلاف الشمسي، غير أني يمكنني أن أؤكد لكم أننا لم نصل إلى هناك بعد”.

معدل الجسيمات بين النجمية عالية الطاقة التي التقطتها فوياجر 2، وقد بدأ يرتفع مع نهاية أغسطس 2018. تمثل كل نقطة المعدل الوسطي لست ساعات.
مصدر الصورة: تشارلي وود مستخدماً بيانات من ناسا

إذا شعرت بأنك سمعت بهذه القصة من قبل، فهذا لأنك سمعتها بالفعل؛ حيث إن الأخت السريعة لهذه المركبة، وهي فوياجر 1، بثَّت لنا بيانات تبين زيادة مماثلة في الأشعة الكونية من بين النجوم في مايو من العام 2012. وتطلق الشمس -بالإضافة إلى الضوء- البلازما المؤلفة من جسيمات مشحونة في جميع الاتجاهات، وبما أن هذه الرياح الشمسية شديدة الحرارة، فهي تتدفق متجاوزة الكواكب وتصل إلى أقاصي النظام الشمسي، دافعة بالجسيمات القادمة من بين النجوم في الاتجاه المعاكس، مما يؤدي إلى ظهور فقاعة يسميها الباحثون بالغلاف الشمسي. وبعد ثلاثة أشهر (في 25 أغسطس) اكتشفت أجهزة فوياجر المتقادمة تناقصاً في نسبة الجسيمات الشمسية وزيادة إضافية في الجسيمات من بين النجوم، وهو دليل قوي على أنها غادرت الغلاف الشمسي أخيراً.

حدود كثيرة

من وجهة نظر الرياح الشمسية، فإن مغادرة الغلاف الشمسي تعني الخروج من النظام الشمسي. وخلال فترة تتراوح ما بين عدة أشهر وعدة سنوات، يفترض بفوياجر 2 أن تنضم إلى فوياجر 1، وتتذوق الجسيمات والحقول المغناطيسية التي تملأ السكون النسبي بين النجوم. ولكن الرياح الشمسية ليست الوسيلة الوحيدة التي تستخدمها الشمس لفرض تأثيرها، فإذا اعتبرت أن النظام الشمسي مؤلف من مجموعة من الصخور والكرات الغازية العالقة ثقالياً في دوران دائم حول الشمس، فما زال أمام المركبتين طريق طويل للغاية.

وتعتبر الواحدات الفلكية -التي يرمز لها بالرمز AU- أسهل طريقة لتخيل مسافات هائلة كهذه، وتساوي الواحدة الفلكية المسافة ما بين الشمس والأرض. ولا تتخذ مركبتا فوياجر نفس الاتجاه، ولكن فوياجر 1 تبعد حالياً بمقدار 143 واحدة فلكية تقريباً عن الشمس، في حين أن فوياجر 2 ما تزال على بعد 118 واحدة فلكية؛ وبهذا تصبح المركبتان أبعد بكثير من نبتون الذي يبعد عن الشمس 30 واحدة فلكية، ولكن يوجد المزيد من الأشياء على مسافات أبعد. وعلى سبيل المثال، فإن مدار “العفريت” الذي اكتُشف مؤخراً يتجاوز في بعده عن الشمس 2000 واحدة فلكية، كما أن مجموعة من الصخور المتجمدة -المعروفة باسم غيمة أورت- تمتد على بعد عشرات أو حتى مئات الآلاف من الواحدات الفلكية. وتتوقع ناسا أن المركبتين سيخرجان من هذه المنطقة بعد حوالي 20,000 سنة.

وإذا تجاهلنا صعوبة الهروب من التأثير الثقالي للشمس، فإن انضمام فوياجر 2 وهي ما تزال في حالة العمل إلى فوياجر 1 في الفضاء ما بين النجوم سيكون إنجازاً هاماً بالتأكيد. ويتطلب تبادل الإشارات مع آلات بعيدة كهذه موارد هائلة، وتخصص ناسا ما بين سبع وعشر ساعات يومياً من وقت الاستماع الثمين على شبكتها الخاصة بالفضاء العميق لالتقاط نبضات البيانات التي تزداد خفوتاً باطِّراد. وقد وصل المسبار بايونير 10 إلى مكانٍ ما قرب الحد الفاصل، ولكنه لم يتصل بنا منذ العام 2003. وفي الإجمال، توجد خمس مركبات فضائية تندفع بسرعة كافية للهروب من تأثير الشمس بشكل كامل، ولكن اثنتين منهما معطَّلتان، أما الثالثة -وهي مركبة نيو هورايزنز- فمن المتوقع أن تنطفئ قبل مغادرة الغلاف الشمسي خلال بضعة عقود.

بالون مثقوب

من المفترض أن يصمد مصدر الطاقة النووية في فوياجر 2 حتى العام 2025 تقريباً، ومن المرجح أن هذا الوقت سيكون كافياً لأخذ عينات من الفضاء ما بين النجوم، ولكن موعد وصول هذه البيانات أمر مجهول تماماً. ورغم أن فوياجر 1 قطعت الحد الفاصل بعد ثلاثة أشهر من اكتشاف الزيادة في الإشعاعات الكونية، إلا أن فوياجر 2 تتجه نحو قسم مختلف من الغلاف الشمسي، وهو ما يمكن أيضاً أن يغير شكله بسرعة.

تقول ميراف أوفر (وهي فلكية تدرس شكل الغلاف الشمسي في جامعة بوسطن): “من المحتمل أن كل هذه الحدود الفاصلة تتحرك وتتغير مع النشاط الشمسي، ونحن لا نعرف حقاً أين تقع بالضبط”. وفي المراحل الأكثر نشاطاً من الدورة الشمسية التي تبلغ 11 عاماً، مثل المرحلة التي نمر بها حالياً، تقوم الشمس بنفخ الغلاف الشمسي وكأنه بالون، وتدفع الحد الفاصل إلى الخارج بمقدار عدة وحدات فلكية على مدى بضعة سنوات، وفي وقت لاحق من الحلقة، يخف النشاط الشمسي وينكمش البالون.

بالإضافة إلى أن شكل الغلاف الشمسي قد لا يكون منتظماً كما يمكن أن نتخيل، حيث تقول أوفر: “بشكل عام، لا تتخذ الحدود في الطبيعة شكلاً انسيابياً، وبالتالي يجب أن نركز على مدى العشوائية والتغير، وعلى أي مقياس”. وقد أشارت عمليات المحاكاة التي أجرتها سابقاً إلى أن شكل الغلاف الشمسي قد يكون أقرب إلى الأثر الذي يتركه القارب في الماء منه إلى كرة.

وقد ألقت فوياجر 1 نظرة عن كثب على إحدى نقاط هذا الحد، وتوصلنا بفضلها إلى عدد من النتائج، وعلى سبيل المثال فإن الغلاف الشمسي أكثر قابلية للتسريب مما كان يعتقده الفيزيائيون؛ وذلك بفضل اتصال مغناطيسي يسمح بتبادل الجسيمات في بعض المناطق. كما اكتشفت فوياجر 1 أشياء مفاجئة بعد الحد الفاصل، حيث “انزلقت” المركبة الفضائية على سلسلة من النبضات المتجهة إلى الخارج، والتي أثيرت بسبب اندفاعات مفاجئة من المواد الشمسية، كما اكتشفت تراكماً هادئاً غير متوقع من المواد من بين النجوم، مما يشير إلى أن النظام الشمسي يتحرك عبر المجرة بشكل أقل عشوائية مما كان يظنه الفلكيون. وتشعر أوفر بحماس أكبر تجاه فوياجر 2؛ لأنها -على عكس فوياجر 1- ما تزال تحمل أداة قياس بلازما في حالة العمل، ومن المفترض أن تقوم بتسجيل بيانات تُعتبر الأولى من نوعها للحد الفاصل والفضاء ما بين النجوم.

وعلى الرغم من هذه التفاصيل غير المسبوقة، فإن بيانات المركبتين لن تكون على الأرجح كافية لتحديد شكل الفقاعة الشمسية التي تحمينا، كما أن الباحثين سيحتاجون إلى بيانات من بعثة آيبيكس الحالية وبعثة آيماب المقبلة حتى يتمكنوا من تحقيق الحد الأدنى من المسح للشكل الهندسي العام للغلاف الشمسي. وتشبِّه أوفر هذا المشروع بحل لغز جريمة عن طريق الاستعانة بعدة شهود ذوي وجهات نظر مختلفة، وتقول: “التقط أحدهم الأدوات الصغيرة في إحدى الغرف، والتقط آخر بعض الصور من خارج المنزل. ويجب أن تعتمد على كليهما لتعرف ماذا يفعل الغلاف الشمسي”.

قد يؤدي حل هذا اللغز المحلي إلى نتائج كونية؛ حيث يستطيع الفلكيون أن يروا أن الأغلفة النجمية المحيطة بنجوم أخرى تطلق موجات في الفضاء المحيط بها أيضاً، ولكن البلازما تنتشر إلى حد يمنع سبرها بشكل مباشر. ولهذا فإن معرفة كيفية تأثير الشمس على الوسط المجاور، وطريقة حمايتها لنا من الأشعة الكونية، سيشكّل خطوة هامة نحو فهم إمكانية حدوث نفس هذه العملية في مكان آخر، ومعرفة المكان الذي يمكن أن يحدث فيه هذا.

تقول أوفر: “إذا رغبت في دراسة تطور الحياة في أنظمة نجمية أخرى، فلا بد من استيعاب سلوك الأغلفة النجمية. ولهذا يجب أن نبدأ بغلاف نجمنا الخاص بنا”.

error: Content is protected !!