Reading Time: 3 minutes

ما زالت فوياجر 2، المركبة الفضائية الصغيرة ذات العزيمة الكبيرة، مستمرة في اندفاعتها نحو أعماق الكون، مبتعدة عن الشمس بسرعة 16 كيلومتر في الثانية الواحدة تقريباً. وقد تراكمت هذه الكيلومترات على مدى 41 سنة، لتتجاوز المركبة خلالها كلاً من المشتري وزحل وأورانوس ونبتون. وفي 5 نوفمبر 2018، انضمت أخيراً إلى شقيقتها فوياجر 1 في الأقاصي المجهولة من الفضاء البَينجمي.

تقول سوزان دود، مديرة مشروع فوياجر في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، في بيان صحافي: “أعتقد أننا جميعاً نشعر بالسعادة والارتياح لأن كلا مسباري فوياجر تمكنا من العمل لفترة كافية لتجاوز هذا الحد. وهو ما كنا ننتظره جميعاً”.

تبعد فوياجر 1 عن الشمس حالياً مسافة تزيد عن 17 مليار كيلومتر، أي حوالي 122 ضعف بعد الأرض عن الشمس. وعلى الرغم من أن الاتصالات تنتقل بسرعة الضوء، فإن إشارات المركبة تحتاج إلى أكثر من 16 ساعة حتى تصل إلى الهوائيات العملاقة لشبكة الفضاء العميق، والتي تصغي إلى النبضات الضعيفة من نقاط تمركزها في كاليفورنيا وإسبانيا وأستراليا.

يمثل هذا الإعلان المرة الثانية في التاريخ التي تمكنت فيها مركبة فضائية من مغادرة الغلاف الشمسي – وهو أشبه بفقاعة تنفخها الرياح الشمسية – وذلك بعد خروج فوياجر 1 في 2012. يحدد وجود الرياح الشمسية الفرق بين الفضاء ما بين الكواكب، والذي يهيمن عليه تأثير الشمس، والفضاء ما بين النجوم (البَينجمي)، والذي يتضمن مزيجاً متناثراً من الغبار والغازات والأشعة الكونية. حلقت بايونير 10، والتي أُطلقت في 1992 نحو المشتري، لمسافة أبعد من فوياجر 2، ومن المحتمل أنها عبرت الحد الفاصل أيضاً، ولكنها استنفذت طاقتها في 2003، وأصبحت غير قادرة على إرسال القياسات.

كان فريق فوياجر يراقب عن كثب ما تبقى من تجهيزات عاملة في المركبة عندما سجلت زيادة في مقدار الأشعة الكونية في الأشهر الأخيرة. حيث أن الغلاف الشمسي المشحون يدفع بالجسيمات القادمة وينبذها نحو الاتجاه المعاكس، أي أن زيادة الأشعة تشير إلى أن فوياجر 2 كانت تقترب من الحد الفاصل. وقد أتى الدليل القاطع على العبور في 5 نوفمبر بثلاثة أشكال: حيث تحولت الزيادة في الأشعة الكونية إلى ارتفاع حاد، كما انخفض عدد جسيمات الرياح الشمسية إلى حد كبير، وازدادت شدة الحقل المغناطيسي بحدة مع تصادم تياري الرياح.

قال جون ريتشاردسون، المفتش الأساسي للجهاز العلمي لقياس البلازما في فوياجر 2، وذلك في اللقاء الخريفي لاتحاد الجيوفيزيائيين الأميركيين في واشنطن: “هناك نوعان من الرياح تدفعان بعضهما البعض باتجاهات متعاكسة، الرياح الشمسية المتجهة نحو الخارج والرياح البينجمية التي تحاول الدخول”.

غير أن دخول الفضاء البينجمي لا يعني بالضرورة أن المركبة الفضائية غادرت النظام الشمسي، كما يؤكد العالم المشرف على مشروع فوياجر إد ستون. حيث أن النظام الشمسي هو مجموعة الكتل الصخرية والجليدية الواقعة ضمن التأثير الثقالي للشمس، ويتضمن ذلك الكثير من المذنبات والأجسام المتجمدة الواقعة ضمن المنطقة الكونية المعروفة باسم سحابة أورط. يتوقع ستون أن فوياجر ستدخل هذه المنطقة بعد حوالي 300 سنة، وتبقى هناك لعشرات الآلاف من السنين.

يشعر الباحثون بالحماس إزاء تقدم فوياجر 2 على نحو خاص لأنها ما زالت تحمل أداة عاملة قادرة على قياس البلازما في المنطقة المحيطة بها، في حين أن أداة البلازما في فوياجر 1 تعطلت في 1980. ستستخدم فوياجر 2 هذه الأداة لإجراء أول قياسات مباشرة للبلازما النادرة المحيطة بالنظام الشمسي، وهي مادة يمكن أن تعطينا معلومات حول انفجارات المستعرات العظمى التي زرعت الكثير من المواد في محيطنا الكوني.

في هذه الأثناء، قدمت كلتا المركبتين الكثير من المعلومات للباحثين حول الفقاعة الواقية الشمسية التي تحيط بالكواكب. فقد أظهرت قياسات فوياجر 1 أثناء خروجها أن الحد الفاصل يمنع حوالي 70% من الأشعة الكونية التي قد تكون مؤذية من الوصول إلى داخل النظام الشمسي، ناهيك عن الوصول إلى الأرض. يزداد انتفاخ الغلاف الشمسي مع زيادة نشاط الشمس، ومن المرجح أن شكله غير منتظم، ولهذا فإن الحصول على نقطتي بيانات في مكانين وزمانين مختلفين أتاح تفاصيل هامة يمكن أن تعتمد عليها عمليات المسح الحالية والمقبلة، والتي تهدف إلى رسم خريطة كاملة لهذه الفقاعة عن طريق الملاحظات غير المباشرة. يقول ستون: “من أروع الأشياء في مركبتي فوياجر أنهما تستمران بمفاجأتنا. هذا يعني وجود الكثير مما يمكن أن نتعلمه”.

من المفترض أن تتابع المركبتان عملهما لعدة سنوات إضافية على الأقل، مع تناقص الطاقة والبرد القارس في الفضاء العميق. حيث أن حرارة فوياجر الحالية تساوي تقريباً 2.8 درجة مئوية، كما قالت دود في لقاء اتحاد الجيوفيزيائيين الأميركيين، وهي قريبة إلى حد الخطر من درجة تجمد وقودها.

سيواجه الفريق عدة خيارات صعبة فيما يتعلق بأولويات الأدوات التي يمكن تشغيلها بالطاقة المتبقية، وذلك وفقاً لقيمة بياناتها العلمية. غير أن دود متفائلة لدرجة الاعتقاد بأن المركبتين ستتابعان التحليق لخمس سنوات إضافية على الأقل، وربما عشر سنوات. وتقول: “إن المركبتين بوضع ممتاز جداً، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنهما زوجٌ من العجائز”.